محدودية الاختصاصات المالية للبرلمان في تونس

مقدمة:
لم يكن الطريق أمام البرلمانات معبدا أو سهلا وإنما انتزعت البرلمانات سلطاتها من خلال غمرة نضال طويل وشاق ضد الملكيات المطلقة ونظم الحكم الاستبدادية , ولم تتحصل على سلطاتها دفعه واحدة وإنما اكتسبتها بالتدريج, ولعل أخرها كان سلطتها المالية. وإذا كان تاريخ البرلمانات يؤرخ عادة بمسيرة البرلمانات الأوروبية( البريطانية والفرنسية) في سياق تطورها الطويل, فإن اى بحث يتجاهل مسيرة هذه البرلمانات ودورها في النظم النيابية , يبعد عن الصواب ويتجاهل الحقيقة. وبالرغم من انتقال عنصر الثقل السياسي الى مجلس العموم في بريطانيا في القرن التاسع عشر إلا انه قد بلغت هذه البرلمانات من القوة والتأثير على سائر مؤسسات الدولة. بيد انه ومع تطور النظام الحزبي في بريطانيا والوصول الى ما يعرف بأنظمة الأغلبية البرلمانية, أصبح الحزب الذي يفوز في الانتخابات بأغلبية معقولة يسيطر على السلطتين التشريعية والتنفيذية , وبالتالي أصبح بمثابة المضخة التى تضخ الدم في شرايين هاتين السلطتين. في نفس الوقت تعرض البرلمان الفرنسي للتعديل والتبديل بعد أن قيد الدستور الفرنسي 1958 سلطاته وجاء إصلاحه في عام 1962 ليرسى النظام شبه الرئاسي في فرنسا , وترتب على هذا نتيجة أساسية مؤداها بدء انحسار السلطات البرلمانية في النظم السياسية المعاصرة وحاصرت دور البرلمان في زاوية محددة لا يبارحها إلا بإذن , وبصورة استثنائية بحيث أصبحنا نعيش بحق – عصر السلطة التنفيذية.

 

وبالتالي  فمع بزوغ ما يعرف “بالعقلنة البرلمانية” ، التي كرسها دستور 1958 الفرنسي ، تراجع دور الجمعيات البرلمانية على مستوى وظيفتي التشريع والمراقبة ، مقابل ترامي الحكومة على هاتين الوظيفتين .

من منطلق أن السياسات العامة المالية، تمثل الدعامة المركزية لنشاط الدولة ، لكونها ترسم التوجهات الاقتصادية والمالية الكبرى للبلاد . وذلك من خلال قانون المالية الذي يحدد طبيعة ومبلغ الموارد والتكاليف التي تؤهل الدولة لتحقيق التوازن الاقتصادي والمالي.
على هذا الأساس أصبح قانون المالية حكرا على الحكومة، تتولى صياغته ثم الموافقة عليه في المجلس الوزاري. وبعد ذلك تقوم بعرضه على مجلسي البرلمان، فتتاح لحظتها لممثلي الأمة إمكانية إدخال بعض التعديلات على بنوده.
وعليه يمكن القول إن انفراد السلطة التنفيذية بهذه المبادرة في مجال التشريع المالي ، عادة ما يبرر بقدرتها على مراعاة الأهداف الاقتصادية والاجتماعية الكبرى ، لكونها تملك الخبرة والقدرة ، وبالتالي الفعالية على إنجاز الدراسات وتنفيذ السياسات ، ومن هنا تبرز ضرورة سنها للتشريعات، هذا من جهة . ومن جهة ثانية قد تصنف الحكومات كامتداد للبرلمانات ، على الأقل في الدول الديمقراطية . أما في الدول النامية فالأمر يختلف ،ذلك أن عوامل متعددة ومتداخلة تحايث هذه العملية وتفضي بها الى المرور عبر الجهاز التشريعي بسلام ، كما ارادت لها الحكومة ، باعتبارها صاحبة المبادرة رغم تمتع البرلمان بعدة صلاحيات تؤهله للتأثير في طبيعة هذا المشروع.

من هنا تبرز أهمية الموضوع، وذلك من خلال الوقوف على تنوع المحدوديات وكثرتها، والتي يمكن أن نميز في إطارها بين ما هو قانوني ، وما هو واقعي تفرضه الممارسة وطريقة العمل.

وبناء على ماسبق، نصوغ الاشكالية على الشكل التالي: إلى أي حد إستطاع الدستور التونسي الجديد التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في المجال المالي؟ أم انه جاء كاستمرارية لسابقه في تكريس الهيمنة الحكومية على الميدان المالي؟

ولوضع مقاربة شاملة لهذه الإشكاليات فإننا ارتأينا  تقسيم هذا الموضوع إلى مبحثين سنتناول في مبحث أول الحدود القانونية الواردة على الاختصاصات المالية للبرلمان، وسنخصص المبحث الثاني إلى الحدود العملية والواقعية لاختصاصات البرلمان .

                                                 

المبحث الاول: الحدود القانونية للإختصاص المالي للبرلمان

 

تتجلى الحدود القانونية للاختصاص المالي للبرلمان في القيود الواردة في النصوص القانونية،وهي في تونس تتشكل من الدستور وهو الذي يعتمد عليه أساسا خصوصا في تحديد المدة الزمنية لطرح المشروع للمجلس التأسيسي وكذلك لا زال يعمل بالقانون الاساسي لميزانية الدولة في المقتضيات التي لاتخالف الدستور و التي تقيد من سلطة البرلمان إزاء الحكومة. وتظهر هذه المحدودية بجلاء في مجموعة من المستويات، أولاها ضيق الحيز الزمني المخصص للموافقة من طرف البرلمان، وكذا من خلال محدودية حق الاقتراح والتعديل المخول للبرلمان.

أولا: حدود سلطات البرلمان في التصويت

اذا كان التصويت حق أصلي للأنظمة البرلمانية، فان مفهوم العقلنة البرلمانية وضع مقتضيات مخافة التعسف تحد من سلطة التصويت، وهكذا أمكن للحكومة أن تتجاوز سلطات البرلمان لاجباره على التصويت حفاظا على السير العادي للمرافق العامة.

  1. : ضيق الحيز الزمني المخصص للموافقة

ينص الفصل 66 من الدستور التونسي الجديد، دستور 26 يناير 2014 انه: “…اذا لم تتم المصادقة على مشروع قانون المالية في أجل 31 دجنبر، يمكن تنفيذ المشروع فيما يتعلق بالنفقات بأقساط ذات 3 أشهر قابلة للتجديد بمقتضى أمر رئاسي، أما الموارد فتستخلص طبقا للقوانين الجاري بها العمل”[1].

وبالمقابل نجد المادة 35 من القانون التنظيمي للمالية رقم 14.00 تنص على انه اذا لم يتم في 31 دجنبر وفقا لاحكام الفصل 75 من الدستور التصويت على قانون مالية السنة أو صدور الامر بتنفيذه،…فإن الحكومة تفتح بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية والقيام بالمهام المنوطة بهاعلى أساس ماهو مقترح بالميزانية المعروضة بقصد الموافقة”.

من خلال هذين النصين ( الفصل 66 من الدستور التونسي والمادة 35 من القانون التنظيمي للمالية المغربي) يتضح ان الحكومة لها كامل الصلاحيات في تجاوز سلطات البرلمان في الموافقة من خلال تنفيذ نفقات مشروع قانون المالية بالنسبة ل 3 أشهر الاولى تكون قابلة للتجديد بمقتضى أمر رئاسي في تونس. أما بالنسبة للمغرب فيتم فتح بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العامة.

وبعبارة أخرى إذا لم يتم في نهاية السنة المالية التصويت على قانون المالية، فإن الحكومة يمكنها أن تستغني عن ترخيص السلطة التشريعية وتبدأ في تنفيذ الميزانية ، وهذا يعني السماح للجهاز التنفيذي بالشروع في تنفيذ مشروع قانون المالية بواسطة نص تنظيمي، ويعتبر جزاء للبرلمان على تماطله في القيام بدوره حسب الجدول الزمني المحدد له .
إذن ومن خلال ما سبق يظهر بأن الحكومة لها كامل الصلاحية في تجاوز سلطات البرلمان في الموافقة، والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا الإطار هو، ما الغرض من هذه الموافقة أو المراقبة السياسية مادام للسلطة التنفيذية كافة الوسائل القانونية التي تخول لها تنفيذ برنامجها؟

  1. حدود حق الاقتراح والتعديل

ينص الفصل 63 من الدستور التونسي على انه مقترحات التعديل المقدمة من قبل النواب لاتكون مقبولة إذا كان إقرارها يخل بالتوازنات المالية للدولة التي تم ضبطها بقوانين المالية[2].

ونجد نفس الشيء بالنسبة للمغرب، اذ ينص الفصل 77 من الدستور المغربي الذي نص على أنه ” للحكومة أن ترفض بعد بيان الأسباب،المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود[3].”

المبادرة في التشريع المالي منعدمة بالنسبة لأعضاء البرلمان، متى كان الهدف منها إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود، وبالتالي فمن شأن التمسك الصارم بهذا الفصل أن يؤدي لشل المبادرة التشريعية للبرلمان.

ثانيا : السلطات الواسعة للحكومة في تجاوز الاختصاص البرلماني

 

  1. :حصر سلطة البرلمان في التشريع المالي :

إذا كانت الصلاحية التشريعية تعد من أهم الصلاحيات التي يضطلع بها البرلمان باعتباره صاحب الاختصاص الأصيل في هذا الميدان، فإن الدستور المغربي قد ضيق إلى حد كبير من اختصاص البرلمان في المجال التشريعي، وذلك نتيجة توسيعه من نطاق المجال التنظيمي على حساب مجال القانون المحدد بالفصل 65 من الدستور، بالإضافة إلى تخويله الحكومة الدور الأساسي في المسطرة التشريعية من خلال نصه في نفس الفصل على ” يدخل في مجال السلطة الترتيبية العامة المواد التي لاتدخل في مجال القانون”. ومن بين هذه الامور مشروع قانون المالية. و بالتالي أصبحت الحكومة بمقتضى هذا الفصل مشرعاعاديا.

  1. : تأخير تقديم مشروع قانون المالية

ان تاريخ ايداع مشروع قانون المالية لدى البرلمان محدد بنص دستوري ، فالفصل 66 من الدستور التونسي نص على ان: ” يقدم مشروع قانون المالية للمجلس في اجل اقصاه 15 اكتوبر ويصادق عليه في اجل اقصاه 10 دسمبر…”

الا ان الممارسة العملية افرزت ان ايداع مشروع قانون المالية في التاريخ المحدد قلما يحترم، فالحكومة دائما ما تتجاوز هذا التاريخ المحدد لها.

هذا بالاضافة الا انه لايوجد اي نص يفرض عقوبات على الحكومة في حالة تأخير تقديم مشروع قانون المالية.

 

المبحث الثاني : المحدودية العملية لتراجع اختصاصات البرلمان

مما لاشك فيه ان هيمنة السلطة التنفيذية على المجال المالي راجع لوظائفها، فهي على دراية بالمعرفة التقنية لادارة شؤون المالية العامة، بينما لايتوفر البرلمان على اية وسائل للقيام بالوظبفة التشريعية في المجال المالي.

أولا : ضعف المعلومات البرلمانية

لاشك ان المستوى الثقافي لأغلبية النواب وقلة وعيهم السياسي يضعف أدائهم، بالاضافة الى غياب المعلومات عنهم وعدم إلمامهم بالمجال المالي الذي يعتبر مجالا تقنيا من عوامل هيمنة الحكومة على المجال المالي.

هذا بالاضافة الى توفر الادارة أو الحطومة على ادارات مالية ومفتشيات وكذلك على أطر متخصصة في المجال المالي وهذا يجعلها الجديرة بالتشريع في الميدان المالي.

 

ثانيا : ضعف الرقابة البعدية للبرلمان

تمارس هذه الرقابة عند التصويت على قانون غلق الميزانية، لكن تأخير إيداع مشروع قانون غلق ميزانية الدولة يفقد هذا القانون لمضمونه، فالممارسة العملية أبانت عن تأخير وزير المالية لإيداع مشروع قانون غلق ميزانية الدولة لدى البرلمان، والذي يصوت عليه طبق نفس الشروط المتعلقة بالتصويت على مشروع قانون المالية ( حسب الفصل 48 من القانون الاساسي للميزانية ).

نفس الشيء بالنسبة للمغرب، فتأخير لإيداع قانون التصفية أمام البرلمان يقلل من أهميته كأسلوب رقابي يمارسه البرلمان تجاه الحكومة خاصة أنه لاتوجد عقوبات زجرية تلزم الحكومة بإيداع مشاريعها في الآجال المحددة.

 

ثالثا : الاكراهات البشرية

تتجلى الاكراهات البشرية للبرلمان في غياب هذه المؤسسة عن الحياة السياسية في فترات معينة، وفي غياب النواب داخل المؤسسة البرلمانية عندما تكون هذه المؤسسة قائمة ، وكذلك في تركيبة البرلمان ذاته، حيث أن العديد من النواب ليسوا مكونين ولا يتوفرون على المعلومات الضرورية للتقصي والبحث ومراقبة الحكومة، وبالتالي فنسبة هامة لا تمتلك الوسائل الملائمة للمساهمة بفعالية في الإنتاج التشريعي وخاصة المالي. فمثلا نلاحظ أن إعداد الميزانية أصبح أمرا معقدا جدا يتعذر على نسبة هامة من النواب الإحاطة به وفهمه على حقيقته. وبالإضافة إلى هذه البنية الفكرية نجد أن تشكيلة البرلمان تتميز بتمثيل قوي لبعض الفئات داخل مجلس النواب، كما أن وجود أغلبية مساندة للحكومة تفوق عدديا أصوات المعارضة يضمن لمشاريع القوانين شبه حصانة لا تؤثر فيها التعديلات إلا إذا حظيت بقبول الحكومة.

كذلك لايخفى علينا ان للإعتبارات الحزبية تأثيرات على صلاحيات البرلمان في المجال المالي، فالحكومة تلجأ الى أغلبيتها داخل البرلمان لتسهيل تمرير مشروعها المالي مع قلة كفاءة النواب في هذا المجال

 

 

لائحة المراجع :

  • الدستور التونسي الجديد ( دستور 26 يناير 2014 )

 

  • القانون الاساسي للميزانية

 

  • دستور 2011 المغربي

 

  • القانون التنظيمي للمالية 14.00

 

 

[1] – الفصل 66 دستور 26 يناير 2014

2- الفصل 63 من دستور 26 يناير 2014

 

3- الفصل 77 من الدستور المغربي

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super