تحليل السياسات العامة كفرع علمي من فروع علم السياسة من إعداد الدكتور الكيرع المهدي*

تحليل السياسات العامة كفرع علمي من فروع علم السياسة
من إعداد الدكتور الكيرع المهدي*

هو فرع علمي حديث داخل علم السياسة، تشكل في البداية في الولايات المتحدة الأمريكية في الخمسينيات من القرن العشرين ، كعلم للنشاط العام وكمساهمة للخبراء في دراسة طرق إعداد وتنفيذ قرارات السلطات الحكومية ، إلا أن هذه الدراسات كانت ذات توجه براغماتي ونفعي بالأساس لان الهاجس الأول الذي حكم دائرة اهتمامها هو الرغبة في تقديم يد العون للمقررين وتحسين الأداء الحكومي ، وقد كان للنزعة الامبريقية التي هيمنت على النشاط العلمي والأكاديمي في الولايات المتحدة تأثير على ظهور هذا الحقل المعرفي، فهو تطور أولا في العلوم الطبيعية قبل أن يتأثر به علم الاجتماع وعلم النفس الأمريكي، وهو يعتبر أن مصدر المعرفة هو كل ما ينتج عن التجربة، ويقوم على الملاحظة الحسية

تبدو أهمية تحليل السياسات العامة في طبيعة الأسئلة الجديدة التي طرقها، متجاوزا بذلك الدراسات الكلاسيكية السائدة في علم السياسة إذ انصب اهتمام هذا الأخير بالأساس على دراسة القضايا السياسية في مفهومها الضيق، حكومة وأحزاب، ونسقا سياسيا وجماعات ضغط….. حيث ظلت دراسة القرارات العمومية بعيدة عن دائرة اهتمامه، صحيح أن هناك مساهمات فكرية حاولت التطرق لموضوع القرار كدراسة D.EASTON”” والتي ركزت على العلاقات التي يقيمها النسق السياسي مع البيئة الخارجية مهملا بذلك ما يجري داخل بنية النسق نفسه (العلبة السوداء) ومعتبرا القرارات العمومية (المخرجات) مجرد متغير تابع للمطالب.

ساهمت اعمال D. EASTON “” على المستوى المنهجي في تطوير المنهج ألنسقي الذي سوف يستفيد منه فيما بعد ولمدة طويلة تحليل السياسات العامة.
تحليل السياسات العامة يعتبر أيضا نقيضا للمدخل القانوني الذي يولي أهمية للتقنيات والقواعد الشكلية التي تحكم القرار، كما يركز على العلاقات بين الفاعلين الرسميين( رئيس، دولة،حكومة، برلمان ) متجاهلا بذلك المراحل التمهيدية للقرار وتدخل باقي الفاعلين في صيرورة القرارات ، يتعين الإشارة أيضا إلى أن تشبع المجموعة العلمية بالثقافة القانونية طيلة القرن التاسع عشر كانت وراء التعثرات التي واجهها تحليل السياسات العامة ، حيث لم يظهر هذا الأخير في فرنسا إلا في سنوات الثمانينات من القرن العشرين .

من جهة أخرى يجب التأكيد على أن هناك ثلاث تيارات فكرية كبرى، شكلت الخلفيات النظرية التي قادت إلى ظهور تحليل السياسات العامة :

  • فالتفكير حول البيروقراطية أنتج مساهمات فكرية اختلفت باختلاف المنطلقات الفكرية للباحثين خصوصا ” هيكل”، “ماركس’، ماكس وييبر” ، لكن هذه المساهمات أجمعت جميعها على تطور وتعقد الجهاز المسمى “دولة” وأيضا على تصاعد دور الإدارة وتعقد مهامها وهو ما اقتضى حسب “ماكس وييبر ” ظهور شكل جديد للتسيير يقوم على مبدأ الفعالية والتنظيم العقلاني
  • ظهور “سوسيولوجيا المنظماتكانت أيضا إيذانا بقرب ميلاد تحليل السياسات العامة حيث ستطرح إشكالات قريبة من تلك التي سيؤسس لها هذا الأخير خصوصا ما يتعلق بطبيعة السلوك الإنساني أمام وضعية معقدة .
  • الخلفية الفكرية الثالثة تمثلت في” نظرية التدبير العموميحيث ستطرح حدود العلاقة بين القطاع العام والخاص كما ستتولد تمثلات جديدة حول دور الدولة وعلاقتها بالمجتمع نتيجة إدخال أساليب ومناهج عقلية داخل الإدارة العمومية.

عرف تحليل السياسات العامة عدة تحولات جذرية ، أهمها ذلك الانتقال من التركيز على مدخلات النظام، الذي ساد خلال الستينات إلى التركيز على مخرجات النظام، بالإضافة أيضا إلى التحول من التركيز على السياسة ذات الطابع الكلي، إلى نوع من التحليل السياسي الجزئي للطابع التجريبي والمحدد السياق، انه انتقال من التركيز على النسق الذي تمارس فيه السياسة ، إلى التركيز على إستراتيجية النشاط السياسي، ويقتضي التركيز على الإستراتيجية ضرورة النظر إلى السياسة العامة في سياق حل المشكلات وفي سياق الاختيار العام، وذلك على نقيض الذي ينظر إليها بوصفها نتاجا لنظام سياسي بعينه.

بالرغم أن تحليل السياسات العامة كفرع جديد داخل علم السياسة لم يحاول بناء إطاره ألمفاهيمي وأدواته المنهجية إلا في النصف الثاني من القرن العشرين فقد ظهرت قبل ذلك دراسات اهتمت بمنتجات النشاط الحكومي ك ( النظريات النيوماركسية والنيوفبيبرية والدراسات التي انصبت حول مجموعات الضغط …) ، لكن هذه المساهمات الفكرية اصطدمت بعائق منهجي أساسي تمثل في عدم تطور أدوات ومناهج التحليل، حيث سادتها الأحكام المسبقة والانطباعات البعيدة عن منهج التحقق العلمي .
من الناحية التاريخية، يعتبر ظهور “دولة الرفاهية” أيضا من العوامل المفسرة لتطور تحليل السياسات العامة،حيث ستتقوى وستتصاعد وتيرة التدخلات العمومية خصوصا ما بعد الحرب العالمية الثانية في مجال الصحة ، السكن ، التعليم … كما يعتبر ظهور دولة الرفاهية بمثابة تكريس للحقوق الاجتماعية لمواطنين بعد الاعتراف بالحقوق المدنية والسياسية.

قادت صيرورة تطور النسق الإنتاجي الرأسمالي في بلدان أوروبا الغربية – وهو النسق الذي ينبني أساسا على المصلحة الخاصة وهاجس البحث عن الربح – إلى تفجير تناقضات طبقية واجتماعية ، كان من نتائجها اندلاع أزمات اقتصادية خطيرة أشهرها الأزمة الاقتصادية لسنة 1929 ،وهي الأزمة التي أفرزت النظرية الكينزية، والتي حاول من خلالهاكينز” صياغة نظرية جديدة في التحليل الاقتصادي تستهدف بالأساس مواجهة المضاعفات الاجتماعية لهذه الأزمة والتي كادت أن تعصف بالصرح ألمفاهيمي الذي شيده الاقتصاديون الكلاسيكيون في القرن الثامن عشر حول الليبرالية الاقتصادية( ادم سميت، ريكاردو، مالتوس…) وشكل مؤلف ” كينز” الشهيرالنظرية العامةالإطار النظري الذي اعتمده في تحليل ومعالجة قضية تكتسي خطورة بالغة في الاقتصاد الرأسمالي الحديث ألا وهي قضية البطالة ، وتتلخص أهم مبادئ هذه النظرية في المناداة بضرورة تدخل الدولة وذلك باتخاذ مجموعة من الإجراءات الاقتصادية تهم مجال الإنتاج ، السياسة الجبائية، إعادة توزيع المداخيل لصالح الطبقات الاجتماعية الفقيرة ، وأدت تحليلاته إلى إعادة النظر في العلاقات الاجتماعية عبر التقليص من الفوارق الاجتماعية وتوطيد علاقات الدولة- العناية بالديمقراطية الاجتماعية بما يتطلبه ذلك من توافق اجتماعي بين الدولة التي تمثل الرأسمال، والنقابات التي تمثل الطبقة العاملة .
تعتبر فكرة تدخل الدولة في الاقتصاد في حد ذاتها فكرة ثورية لأنه حتى حدود العشرينات من القرن العشرين كانت الحكومات تحرص قدر الإمكان على عدم التدخل احتراما للمبادئ الاقتصادية الليبرالية الكبرى التي يلخصها الشعار الذي حمله الاقتصاديون الكلاسيكيون “دعه يعمل دعه يمر” بيد انه ينبغي الإشارة إلى أن كينز لم يكن منظرا ثوريا هدفه القضاء على النظام الرأسمالي ، إذ كان يرمي من وراء نظريته إلى تقديم بعض الأفكار والأدوات للمحافظة على الرأسمالية وانقادها من السقوط ، مبينا حدود وشروط تدخل الدولة في الاقتصاد الرأسمالي ، فالأمر بالنسبة له لم يكن يعني تحقيق اشتراكية الدولة أو تحميل هذه الأخيرة ملكية وسائل الإنتاج إنما يقتصر فقط على إشراك الدولة في الاقتصاد إلى جانب القطاع الخاص للقيام ببعض الوظائف الاقتصادية ضمن آليات وميكانيزمات الاقتصاد الحر ، غير انه في نهاية السبعينات ، لم يعد بإمكان الدولة- العناية تجاوز المسالة الاجتماعية من جديد وأصبحت غير قادرة على إرساء توازنات اقتصادية واجتماعية جديدة بالنظر إلى تفاقم وتضخم حجم الأزمة ، فكان سؤال ما العمل ؟ السؤال الرئيسي العريض الذي اطر المرحلة .
على المستوى النظري حاولت عدة أطروحات سنوات الستينات والسبعينات تفسير أسباب ظهور وتطور دولة الرفاهية، من هذه الأطروحات ما ركز على العامل الاقتصادي كالتفسير النيوماركسي الذي يرى :انه بالموازاة مع تطور الرأسمالية ستظهر العديد من التناقضات الاجتماعية مما سيقود إلى تدخل الدولة وذلك بسن مجموعة من القوانين والإجراءات الاجتماعية كان هدفها في نهاية المطاف إعادة الإنتاج الاجتماعي والضروري لتلبية حاجيات الرأسمالية .كأطروحة بولنتزاس في فرنسا، وكتابات o’cnor و off بالولايات المتحدة الأمريكية .
في مقابل ذلك أولت دراسات أخرى أهمية اكبر للعوامل السياسية ، دور المنافسة السياسية في الانتخابات ، تطور وتعدد السياسات الاجتماعية ، تأثر السياسة العمومية بالانتماء السياسي الحزبي ، في حين أن العوامل الإدارية والثقافية ستحظى بنصيب أوفر في التفسير بالنسبة لبعض المساهمات الفكرية وأخرى ( تأثير البيروقراطي والموظفون الكبار في مسلسل اتخاذ القرار ، اختلاف أنظمة الحماية الاجتماعية باختلاف القيم والتقاليد الثقافية بين الدول .).

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super