دراسة تقييمية لأسلوب التدبير 1المفوض.

تعتبر المرافق العامة وسيلة لتدخل الدولة في مختلف القطاعات إقتصادية، اجتماعية وثقافية… وذلك من أجل إشباع الحاجيات العامة وبتنوع مختلف هذه الانشطة تنوعت هذه المرافق، وتنوعت طرق إدارتها والتي اصبحت تدار بالاضافة الى أشخاص القانون العام من أشخاص خاصة أو هما معا. وللإدارة السلطة التقديرية في إختيار الطريقة التي سيدار بها المرفق.

وتعدد أنواع المرافق العامة أدى الى إختلاف الاساليب المتبعة في تدبيرها، بين الاساليب العامة للتدبير والتي تتمثل في تدخل الدولة أو أحد الاشخاص المعنوية للقانون العام بتدبير المرفق بشكل مباشر بواسطة عمالها (الموظفون العموميون) وأموالها (الاموال العامة) وبين الاساليب الخاصة للتدبير والتي تتمثل في ان تعهد الدولة او احد اشخاص القانون العام الى احد الاشخاص الطبيعيين او المعنويين للقانون الخاص بإدارة المرفق العام والذي غالبا مايكون ذو طبيعة اقتصادية او اجتماعية وذلك بالاعتماد على وسائل القانون الخاص مع الاستفادة من امتيازات القانون العام كما تتخذ اساليب تدبير المرافق العامة من لدن الخواص عدة صور تختلف تبعا لإختلاف علاقة الادارة بالمرفق فقد تتجلى في اسلوب الاستغلال غير المباشر او في اسلوب الامتياز او في اسلوب التدبير المفوض الذي هو موضوع بحثنا.

ويعتبر التدبير المفوض إحدى الطرق الحديثة في ادارة وتدبير المرافق العامة الاقتصادية ولاسيما المرافق العامة المحلية، والتي تقضي بقيام هيئة عامة بإسناد تسيير أحد مرافقها الى الخواص. هذا الاسلوب الذي أملته الحاجة الى التدبير العقلاني والفعال والملائم إنسجاما مع التوجه السياسي والاقتصادي.

فإذا كان تدبير المرافق العامة من قبل الخواص أخذ يعرف توسعا على مستوى الممارسة في السنين الاخيرة فإن بوادر تطبيقه في الواقع يعود الى فترة الحماية، بل إلى معاهدة الجزيرة الخضراء الموقعة سنة 1906، حيث تم التنصيص على الامتياز كأحد اساليب تسيير المرافق العامة لتسهيل دخول وؤوس الاموال الاجنبية الى المغرب، وقد عرفة مرحلة الحماية إبرام مجموعة من العقود نذكر منها العقد الذي أبرم مع شركة توزيع الماء و الكهرباء المسماة smd) ). وبعد الاستقلال كانت شركات أجنبية تتحكم في هذا القطاع الحيوي، سيطر بعدها المكتب الوطني للكهرباء على مجمل النشاط وطنيا وقسم المجال جزئيا لبعض الشركات كالشركة الفاسية للكهرباء الموجودة بمدينة فاس.

الى ان جاءت فترة التسعينات من القرن الماضي لتعرف تطبيقات متنوعة لتدبير الخواص للمرافق العامة وذلك من خلال االتدبير المفوض والتي إبتدأت بالعقد الذي أبرمته المجموعة الحضرية للدار البيضاء مع شركة “لاليونيز دي زو” ( lydec)، وأصبح منذ ذلك الحين التدبير المفوض الاكثر استعمالا لذا الجميع.

ولقد أعطيت للتدبير المفوض عدة تعريفات متعددة. حيث عرفه الاستاذ أحمد بوعشيق بأنه ” عقد إداري تعهد بموجبه السلطة المفوضة للمفوض إليه داخل المجال الترابي المحدد في مدار التفويض باستغلال وتدبير المرفق العام الصناعي والتجاري المحلي لمدة محددة تنتهي بانقضاء مدة العقد” [1]، أما عبد الله حداد، فيعرفه على انه ” طريقة جديدة من بين الطرق المعتمدة لتسيير المرافق العامة. تتشابه مع عقد الامتياز، وتختلف عنه  لأن المدة الزمنية لعقد الامتياز تكون أطول، كما ان الملتزم يتعهد  بتوفير الاموال والمستخدمين بينما في التدبير المفوض تبقى التجهيزات في ملك الادارة كما يحتفظ المفوض له بالمستخدمين مع مراعات حقوقهم.”

وينظم عقد التدبير المفوض القانون رقم 54-05 الصادر في 14 فبراير 2006، وهو بذلك عقد إداري بقوة القانون ولمدة محددة، كما ينصب على تدبير مرفق عام.

وتكمن أهمية الموضوع في تسليط الضوء على أسلوب التدبير المفوض كأحد أهم طرق تدبير المرافق العامة الاقتصادية ولاسيما المرافق العامة المحلية، وأخد أهم أوجه الشراكة بين بين القطاعين العام والخاص في تدبير الشأن العام في ظروف اقتصادية ومالية تطبعها المطالب المتزايدة على التجهيزات الاساسية.

هذا الموضوع يطرحنا أمام إشكالية كبيرة تتمحور حول مدى نجاعة هذا الاسلوب في حل مشكلة تدبير المرافق العامة المحلية ؟

وتتفرع عن هذه الاشكالية الأسئلة التالية: ماهي أسباب اللجوء الى عقد التدبير المفوض؟ وما هي نواقص القانون 54.05؟ وماهي أهم تطبيقاته و انعكاساته ؟ وهل حقق فعلا ماكان مرجو منه؟  للإجابة على هذه الأسئلة سوف نقسم الموضوع وفق تصميم التالي:

 

 

التصميم

 

مقدمة:

المبحث الأول :دراسة تقييمية لأسلوب التدبير المفوض.

        المطلب الأول: أسباب اللجوء إلى عقد التدبير المفوض

        المطلب الثاني: نواقص قانون 54.05

المبحث الثاني: تطبيقات عقد التدبير المفوض وانعكاساته.

         المطلب الأول :نماذج تطبيق أسلوب التدبير المفوض  

         المطلب الثاني :انعكاسات أسلوب التدبير المفوض

خاتمة.

 

المبحث الأول : دراسة لأسلوب التدبير المفوض.

تبنى المشرع المغربي قانون 54-05  مضطرا بعد ما كان الواقع قد عرف تطبيقا لهذا الاسلوب سنة 1997 فحتمت عليه الضرورة سنة 2006 تقنين هذا العقد لعدة أسباب(المطلب الاول) إلا أن هذا القانون جاء مشوبا بمجموعة من النواقص(المطلب الثاني) .

المطلب الأول:أسباب اللجوء إلى عقد التدبير المفوض.

إن لجوء السلطة العمومية لتفويت بعض القطاعات الحيوية للشركات الخاصة من أجل تسييرها،وتحمل ذلك العبء عنها جاء نتيجة أسباب متعددة.

وفي مقابل ذلك كان للتدبير المفوض انعكاسات شتى في كل الميادين، ويمكن إجمال هذه الأسباب في نوعين، حيث هناك أسباب مرتبطة بالقانون العام الداخلي و مؤسسات الدولة (الداخلية)، وأسباب فرضتها المتغيرات الدولية وواقع الاقتصاد الدولي (خارجية).

الفقرة الأولى:الأسباب الداخلية

إن اللجوء إلى هذا النوع من عقود التدبير المفوض جاء نتيجة جملة من الأسباب منها ما هو قانوني ، تقني ، اجتماعي ،اقتصادي .

1_ من الناحية القانونية :

التدبير المفوض يبقي الدولة جزئيا بمعزل عن تحمل المسؤولية و المخاطر، حيث الشركات المتعاقدة في هذا الخصوص هي التي تتحمل مخاطر و خسائر المشروع ، و مؤسسات الدولة لاسيما على المستوى المحلي تبقى بعيدة عن مشاكل سوء التسيير أو الأضرار التي تلحق بالغير ، وبالتالي تغيب ولو جزئيا العلاقة المباشرة للمفوض من الجماعة والتي تدخل بصفتها كمراقب فقط وليس كطرف مباشر مدعى عليه.

2_ من الناحية التقنية :

تتميز الشركات الخاصة بالإمكانيات التقنية و اللوجستيكية ما يؤهلها لتسيير بعض القطاعات الكبرى (كقطاع الماء و الكهرباء و تطهير السائل…) التي تتطلب تقنيات كبيرة و الوسائل التكنولوجية الحديثة و المتطورة ، وهذه المزايا متوفرة لدى القطاع الخاص ، والتي غالبا ما تعجز الدولة عن التحكم فيها وتوفير الجودة وأداء الخدمات في حينها . وفي أغلب الفرضيات تقوم هذه الشركات بناءا على مقتضيات عقود التدبير المفوض بإعادة تأهيل المجالات التي تتدخل فيها . على سبيل المثال تقوم شركة (أمانديس) بتجديد شبكات المياه و تأهيل القنوات و إصلاح الطرق …

 3_ من الناحية الإجتماعية :

لعل النمو الديمغرافي الذي عرفه المغرب خلال العقود الأخيرة ، و عدم مسايرة الدولة لهذا الارتفاع ، وكذا تزايد حاجيات المواطنين، وما كان له من انعكاسات سلبية نتج عنها بالدرجة الأولى ارتفاع كبير في نسبة البطالة ، و الهجرة القروية ، و ارتفاع تكاليف العيش و ضعف القدرة الشرائية للمواطنين ، حيث أصبحت الدولة مرغمة للبحت عن حلول لهذه الإشكالية عن طريق البحت عن الاستثمار و إعطاء الأولوية للقطاع الخاص لتسيير بعض المرافق العمومية التي تساهم نوعا ما في تخفيف هذه الظواهر و استيعابها كلما حلت محل القطاع العام الذي أصبح يكتفي بوضع ضمانات لمستخدمي المرافق العمومية تحقيقا للأمن الاجتماعي و للحفاظ على المصالح العامة.

4_ من الناحية الإقتصادية :

التدبير المفوض مبدئيا يوفر الأعباء على الخزينة العامة ، و يشكل وسيلة إضافية لتمويل استثمارات الدولة و بنياتها التحتية و هي أهداف يصعب تحقيقها بالاعتماد على الموارد المالية الذاتية للخزينة العامة للدولة ، و كذا الأسباب التقليدية في التسيير .

إن المجهودات التي يبدلها القطاع الخاص قد تساهم في تقوية الإقتصاد المحلي، فمن جهة و من خلال الإستثمارات التي توظفها في مجال البنيات التحتية تؤدي إلى مضاعفة و تكثيف النشاط المحلي ، فيتم تشغيل اليد العاملة، و من جهة أخرى فإن البنوك تقوم بتصريف و ترويج رؤوس الأموال المحلية ، و عليه أصبح التدبير المفوض حلا  “لا بديل عنه” حسب التعبير الخاص لوزارة الخوصصة :

  • لا بديل عنه بالنسبة للخواص: لأن هذه السياسة ستفتح مجالات جديدة تكون نسبة المردودية فيها جد مرتفعة بالمقارنة مع تلك التي تحققها القطاعات التقليدية، لاسيما في ظل آلية الاستغلال المباشر التي أصبحت متجاوزة .
  • لا بديل عنه بالنسبة للدولة : لأنها طريقة تمكن من الحفاظ على مواردها المالية لتمويل القطاعات الإجتماعية.

الفقرة الثانية :الأسباب الخارجية

إن المغرب و في إطار الشراكة التي تربطه بالإتحاد الأوربي ، و كذا اتفاقيات التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية و التي دخلت حيز التنفيد ، مطالبا هو الآخر بتكييف قوانينه في هذا المجال بشكل يسمح بضمان الإنسجام مع التطورات التي تعرفها بلدان الجوار ، و هذا ما جعل القانون الجديد حول التدبير المفوض يضع مجموعة من القواعد المتعلقة بالإشهار ، و الدعوة و المنافسة ، و كذا لفتح المجال للمقاولة الأجنبية .

إلا أن السؤال المطروح ما هو موقع المقاولة الوطنية في ظل هذه المنافسة ؟

في هذا المجال ذهب التشريع المغربي من خلال المرسوم الصادر في 30 دجنبر 1998 حول الصفقات العمومية ليضع مقتضيات هامة تعطي الأفضلية للمقاولة الوطنية بنسبة %15 بالمقارنة مع المقاولة الأجنبية.

المطلب الثاني:نواقص القانون رقم 54,05المتعلق بالتدبير المفوض

سنتناول في هذا المطلب نقطتين رئيسيتين تتفرع عنهما مجموعة من النقط، الحدود المتعلقة بالتصور المفاهيمي(الفقرة الاولى) والحدود ذات الطابع العملي للقانون(الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى:الحدود المتعلقة بالتصور المفاهيمي

تتمثل النواقص في هذه النقطة في مايلي:

التدبير المفوض و المرفق العام

المادة الاولى تعطي تعريفا عاما للتدبيرالمفوض ينضوي تحته جميع اشكال التفويض،ومن خلال بعض المواد التي تتمحور حول التدبير المفوض يظهر ان مقتضياته تشكل مرجعا لعقود الامتياز الصرفة، والتي تبقى شكلا من اشكال تفويض المرفق العام، وهذا يظهر جليا في المواد 13،15،16و24 هذه الاخيرة تنص على ان المفوض له يسير المرفق المفوض على مسؤليته ويتحمل اخطاره، وهذا المقتضى يستثني العاملين الذين لا يستثمرون شيئا،والاشكال الاخرى لتفويض التدبير مثل الإنابة ومشاطرة الاستغلال،والتي يكون فيها المدبرين غير ملزمين بالاخطار،وبهدف التصدي لهذه الفراغات ،كان يجب ادخال تعريف جميع اشكال تفويض المرفق العام وذالك ليكون مجال التطبيق اكثر وضوحا.

المادة الرابعة تتحدت عن ضروريات المرفق العام ،في حين كان يجب تحديد و تبرير حاجة إنشاء وتسيير المرفق العام من طرف المفوض على الاقل.

الاستعجال و النهاية المقننة للعقد

المادة السادسة تنص على انه من بين الطرق الاستثنائية لاختيار المفوض اليه في التفاوض المباشر، وهذا هو المظهر الاستعجالي في ضمان استمرارية المرفق العام .

الممارسة تبين ان مفاوضات هذا النوع من العقود تكون طويل جدا ،خاصة اذا تعلق الامر بالمدن الكبرى وبفاعلين اقتصاديين مهمين ،وتستطيع ان تدوم لسنوات ،مما يفتح تساؤلا عما اذا كان الاستعجال يبرر اللجوء الى التفاوض المباشر.

في حين انه كان على المشرع التنصيص على خصائص هذا الاستعجال،لان الحق في المرفق العام يعبر عن طابع اجتماعي.

المادة العاشرة تتضمن المقتضيات التالية:

. إقالة المفوض له المقررة من طرف المفوض في حالة الخطأ البالغ الجسامة .

. فسخ العقد من طرف المفوض له في حالة الخطأ البالغ الجسامة المرتكب من طرف المفوض.

. فسخ العقد في حالة القوة القاهرة.

عموما وصف الخطأ ببالغ الجسامة المرتكب من طرف أحد الاطراف المتعاقدة يبقى غير مطلق وذاتي اي شخصي، وصعب التطبيق سواء أكان قائما او مبنيا على حجج علمية ،أكان ذلك من اجل المفوض او مفوض له ،نفس الشيئ يمكن قوله بخصوص القوة القاهرة.

المراجعات التعريفية

أقر المشرع في المادة الثالثة على ان للمفوض له ان يضمن خدماته بأقل سعر او تكلفة ،وفي المادة الرابعة أشارت الى ضرورة الاخذ بعين الاعتبار بلوازم المرفق العام وبتعويض المفوض له بطريقة عادلة،وبهذا فهو يذكر الطابع الاجتماعي للمرفق العام ،وبإنشائه بهدف الاستجابة لمتطلبات المواطنين والتي تسمح لهم بولوج المرفق العام ،ومن هذه الالتزامات العقدية خاصة في المادة التعريفية ،المشرع منح هذه الميزة للمفوض له بجعله مسؤولا امام المستغلين في هذه المادة والتي تشكل نواة التسيير المفوض للمرافق العامة ،وفي نفس المنحى نصت المادة 29 على ان عقد التدبير المفوض يحدد مبادئ وطرق او تعويض المرفق المفوض وكذلك شروط وقواعد الوضع والتعديل او مراجعة الاسعار.

هذه البنود التعريفية او الخاصة بالأجرة يجب ان تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط التوازن المالي للتدبيير المفوض ولكن أيضا نجاح المنتوجية ، و التوفيرات المترتبة عن تطور تسيير ومردودية المرفق العام المفوض،وهكذا نجاح الانتاجية يكون صعب التدقيق بالنسبة لفاعلين كبار وفي عقود كبرى ،الشيء الذي يترك مجالا للشك حول مراجعة تخفيض الاسعار،و مرافق الماء و تطهير السائل لا تستطيع مسايرة تكاليف الاستثمارات الضرورية على ان يتم تأدية مساهمات مهمة وأسعار جد مرتفعة.

بالإضافة إلى أن القانون لا يطرح ميكانيزمات متعلقة بتوزيع الأسعار حسب مبدأ التضامن : المستغلون ذوو القدرة والإمكانيات يعوضون جزءا للمستغلين الفقراء.

وفي هذا الإطار ، متابعة البنود التعريفية ومراجعتها ويجب أن تقوم بها لجنة من الخبراء في الميدان ونظرا لأهميته وتأثيره في شب أو تفادي النزاعات الاجتماعية ،  بالإضافة إلى أن بنود العقود المستقبلية يجب أن تتضمن مقتضيات تشترط المراجعات التعريفية للأسعار نحو الخفض بعد تحقيق وإنجاز الاستثمارات للمفوض له والأهداف العامة للعقد.

الفقرة الثانية : الحدود ذات الطابع العملي للقانون

تتجسد هذه الحدود في:

  • المساعدة التقنية ومتابعة المفاوضات والعقود

 

بالنسبة للعقود الكبرى ، المساعدة التقنية تمثل أحد البنود الأكثر أهمية بالنسبة للملتزمين لأنها تعد الخط الذي فيه يصرف جزء مهم من القرض

وحسب المصادر المطلعة ، هذه المساعدة تشكل أفضل طريقة تسمح بتسرب الأموال والقانون لم ينص على أي بنود أو مقتضيات لتأطيرها ، وحسب بعض المنتخبين الجماعيين لمدينة الدار البيضاء فإن 460 مليون درهم من الأرباح قد وزعت على ثلاث سنوات في حين أن عقد التدبير المفوض قد حدد مدة عشر سنوات لتحويل الأموال.

ولتجاوز مثل هذه المشاكل العديد من المتخصصين في الميدان ينصحون المفوضين بإلزام المفوض لهم بتضمين المساعدة التقنية أنظمة بحث وتطوير ، بالإضافة إلى تعويض المستخدمين المدمجين وبفرض مخاطر المراقبة.

كان لغياب أساس قانوني ، وكذلك لغياب الكفاءات والمؤهلات لدى المفوضين الأثر البالغ على المفاوضات التي كانت تعقد بطريقة سيئة ، وهؤلاء المفوضين اللذين يلجؤون  في العموم إلى مسؤولين من مختلف المصالح الوزارية في غياب المختصين في الميدان.

وبهدف تدعيم خبرة اللجنة المحلية ، لجأت مدينتا طنجة وتطوان إلى الاستعانة بخبراء دوليين وخبراء يمثلون أهم المصالح الوزارية المعنية بمرافق توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل.

بالإضافة إلى مشاركة ثلاث وكالات للتوزيع بطنجة وتطوان وفاس ، وفي هذا الإطار وجب إعادة التأهيل أو النهوض بالجماعات ، ويجب على هؤلاء المتخصصين أن يتابعوا تكوينات مستمرة حتى يتمكنوا من المتابعة والمساعدة على اتخاذ القرار أثناء المفاوضات وتكوين ارتسامات وتقديرات أكثر ضبطا حول المشاريع التي هي قيد الإنجاز ، وأن يكونوا تقييما مفصلا لحاجيات الجماعة ، وإنشاءات وتجهيزات المفوض قبل المرور إلى تفويض المرفق العام.

التفاوض المباشر وأموال ومستخدمي التدبير المفوض.

لقد جاءت المادة الخامسة بالدعوة إلى المناقشة وذلك لضمان مشاركة مكثفة لكافة المستثمرين المحليين والأجانب ، فكان لزاما التأكيد على مبدأ المنافسة الذي من شأنه  ضمان الشفافية في اختيار المرشحين على غرار المسطرة المتبعة في شأن الصفقات العمومية ، بينما جاءت المادة السادسة باستثناء التفاوض المباشر وبذلك ألغت الشفافية التي دعت إليها المادة التي جاءت قبلها وفتحت بذلك الباب أمام السلطة الوصية لكي تتعاقد خارج إطار المنافسة والشفافية.

ومع أن الاستثناء لا يقاس عليه فعلى المشرع ضبط هذا الأخير لكي يضمن عدم التحيز في اتخاذ القرارات وأن تكون مسطرة إبرام عقد التدبير المفوض موضوع إشهار مسبق.

 

المبحث الثاني:تطبيقات عقد التدبير المفوض وانعكاساته.

سيتم التطرق في هذا المبحث لنماذج تطبيق أسلوب التدبير المفوض(المطلب الأول) على أن نتحدث عن انعكاسات أسلوب التدبير المفوض(المطلب الثاني)

المطلب الأول :نماذج تطبيق أسلوب التدبير المفوض .

انصبت عقود التدبير المفوض على مجالات حيوية تهم توزيع الماء والكهرباء و التطهير السائل و جمع النفايات و النقل الحضري وكرست احتكار شركات أجنبية أوربية فرنسية واسبانية مثل “لاليونيز دي زو” و”فيفاندي” لمعظم العقود المبرمة في هذا المجال  وتطبيق أسلوب التدبير المفوض لم يبدأ إلا مع سنوات التسعينات من القرن الماضي، وهو أسلوب تدبيري حديث العهد يحظى بدعم المؤسسات الاقتصادية الدولية كالبنك العالمي، وبالتالي فان تجربة هذا الأسلوب لم يحقق تراكما يمكن من خلاله تقييم حصيلته.

الفقرة الأولى: بالنسبة لتوزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل.

إن إشراك الخواص في تدبير المرافق العمومية تم بموجب عقود الامتياز كمرحلة أولى وتطور عن طريق تفويت مجموعة من المؤسسات العمومية المحلية بموجب عقود التدبير المفوض، خاصة في مجالات توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل، وتحظى هذه الوسيلة بدعم المؤسسات الاقتصادية الدولية كالبنك الدولي الذي يرى ضرورة توسع مجال التدبير ليشمل تفويت العديد من المرافق العامة.

إن تجربة التدبير المفوض ابتدأت في المغرب سنة 1997 من خلال إبرام كل من المجموعة الحضرية للدار البيضاء والشركة الفرنسية لاليونيز دي زو “ليديك” عقدا للتدبير المفوض لمرفق توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل، فشركة ليديك تقوم منذ فاتح غشت 1997 بتدبير مرفق الماء والكهرباء والصرف الصحي للمجموعة الحضرية للدار البيضاء وكذلك لمدينة المحمدية ولجماعات مجاورة (مديونة،النواصر،دار بوعزة،تيط مليل،..) وينص العقد على استثمار ليديك ل 30 مليار درهم على امتداد مدة العقد التي تبلغ 30 سنة وموزعة كما يلي: 9765 مليون درهم في السنوات العشر الأولى 1997-2006 و 10493 مليون درهم خلال عشر سنوات الثانية: 2007-2016 و 9742 مليون درهم خلال السنوات العشر الأخيرة 2017-2026.

وتحصل ليديك على مقابل خدماتها من المنتفعين وقد تم تحديد أسعار الماء والكهرباء والتطهير السائل كما يلي:

بالنسبة للتطهير حدد معدل سعر المتر مكعب ب 1,56 درهم للمتر المكعب في السنة الأولى على أن يرتفع إلى 2,22  للمتر المكعب إبتداءا من السنة الخامسة إلى نهاية مدة العقد.

أما بالنسبة للماء الصالح للشرب فحدد سعر المتر مكعب ب 2,21 درهم للمتر مكعب في السنة الأولى والذي سيرتفع إلى 7,07 درهم للمتر مكعب من السنة الثالثة إلى نهاية العقد.

كما أن ليديك تطبق زيادات على أسعار كل من الماء والكهرباء والتطهير السائل، مما يؤدي لارتفاع سنوي لرقم معاملاتها.

إن تسيير مرفق توزيع الماء والكهرباء والتطهير عن طريق المؤسسات العمومية كان يضمن للمرتفق خدمة أقل جودة، لكن بأسعار معقولة يستطيع تحملها، هذا بالإضافة إلى إمكانية لجوءه للمحاكم الإدارية التي تضمن حقه في حالة وقوع نزاع مع الوكالة المستقلة، لأن كل الأعباء تقع على عاتق المؤسسة العمومية التي تتحملها باسم الصالح العام، وهو ما لا يوجد عند تسيير هذا المرفق عن طريق الخواص، لأن القطاع الخاص يستثمر أمواله لتحقيق الأرباح. لذا فنجاح التدبير المفوض  رهين بتحقيق المعادلة الصعبة التي تجمع بين تحقيق الصالح العام وضمان الأرباح.

إن التدبير المفوض لمرفق عمومي يتم بموجب اتفاقية تحدد فيها حقوق والتزامات كل طرف، فإلزام القطاع الخاص بضوابط سير المرفق العمومي واحترام الصالح العام يتحدد من خلال العقد والمبادئ العامة والقوانين التي تحكم العلاقة بين المفوض والمفوض له، غير أن الرقابة هي التي تمكن من التأكد من احترام المفوض له لالتزاماته.

تمارس الرقابة من قبل المفوض أو السلطة المفوضة وبعض الهيئات العليا(كوزارة الداخلية ووزارة المالية). كما قد طرح أحد المسؤولين بوزارة الاقتصاد والمالية على أن الرقابة الممارسة من قبل الجهات المفوضة ووزارة الداخلية لا تستجيب للمعايير المحددة ويضيف ” بأن غير قادرين على ممارسة رقابة فعالة على عقود التدبير المفوض” وهذا يرجع بالخصوص لقلة الخبراء المختصين لدى الجهات المختصة بالرقابة ولعدم توفر إطار قانوني ينظمها. وهو ما يدفع الجهات المفوضة للتعاقد مع مكاتب التدقيق و الافتحاص.

كما يعتبر التدقيق من أكثر الوسائل الرقابية نجاعة، لأنه يمكن من معرفة أوضاع المؤسسة ومكامن الخلل بها غير أن دور السلطات المفوضة في تتبع ومراقبة المرفق، تبقى ضرورية لحماية المستهلك وللحيلولة دون المساس بحقوق المستخدمين، الذين ما فتئوا منذ تولي “ليديك” تدبير مرفق توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل بالدار البيضاء في تنظيم اعتصامات سواء لضمان حقوقهم في التسجيل في الضمان الاجتماعي، التعويض عن حوادث الشغل، أو للاحتجاج على بعض ممارسات إدارة ليديك.

مجال الماء و الكهرباء وتطهير السائل:

العقد الذي أبرمته المجموعة الحضرية للدار البيضاء 1997/04/28 مع الشركة الفرنسية “ليونيز دي زو” لمدة 30 سنة.
المجموعة الحضرية للرباط سلا و الصخيرات وتمارة وبعض الجهات الحضرية والقروية الأخرى في مارس 1999 لصالح مجموعة إسبانية برتغالية –ريضال-.
المجموعة الحضرية لطنجة مع شركة أمانديس 2002.


الفقرة الثانية : في مجال النقل الحضري وجمع النفايات

إن تدبير مرفق النقل الحضري من لدن الخواص بالمغرب ليس وليد اليوم، إذ تولى القطاع الخاص منذ الثلاثينات تدبير هذا المرفق بأسلوب الامتياز حيث تم إحداث شركات للنقل الحضري للقطاع الخاص، حيث طبق أسلوب التدبير المفوض في هذا القطاع في العديد من المدن المغربية، منها مدينة مراكش التي فوضت تدبير هذا المرفق لشركة اسبانية تحت اسم “ألزا” كما تم تفويت نفس المرفق بمدينة الدار البيضاء للشركة المغربية الفرنسية ” نقل المدينة” في غشت 2004 هذا بالإضافة لمدن أخرى فوضت للخواص تدبير هذا المرفق.

 

 

 

المجال المتعلق بالنقل

إنجاز محطة أرضية لوقوف السيارات بساحة المامونية وتنظيم وقوف السيارات بواسطة العدادات في وسط مدينة الرباط في إطار شراكة بين المجلس البلدي والقطاع الخاص.
المجموعة الحضرية لطنجة مع شركة النقل أوطاسا 2001.
تفويت تدبير ميناء طنجة الأطلسي من جهة وزارة التجهيز والشركات.

 

أما فيما يتعلق بعقود التدبير المفوض في مجال جمع النفايات، فنجد عقد التدبير المفوض المبرم بين جماعة الرياض-أكدال بالرباط مع شركة سيجيديما التابعة لمجموعة “بيزورنو”  لتدبير مرفق جمع ونقل النفايات بجميع أنواعها وتنظيف الأرصفة والشوارع والأزقة، ومن بين أهداف هذه الشركة القيام بالأهداف الأساسية المتمثلة في إعادة توزيع مناطق جمع النفايات المنزلية ، ووضع الوسائل المادية والبشرية اللازمة للقيام بهذا الغرض خصوصا تدعيم فرق جمع النفايات، تجهيز مرآب الشاحنات الضاغطة، وضع سلات رمي الأوراق في الشوارع والأزقة، الكنس اليدوي والآلي لبعض الشوارع الرئيسية.

 

 

المجال المتعلق بالنظافة

العقد الذي أبرمته جماعة أكدال الرباط مع شركة سيجديما ابتداءا من شهر أبريل 2001.
شركة سيسبا-نظافة- فازت بعقد التدبير المفوض لتفريغ النفايات المنزلية و التنظيف بالجماعات الحضرية لتطوان الأزهر وكذا الجماعة الحضرية لطنجة.

 

المطلب الثاني :انعكاسات أسلوب التدبير المفوض

إذا كانت المرافق العامة تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، وحاجيات أساسية فان ذلك معناه أن تتخلى المجالس الجماعية عن بعض مهامها عن طريق تفويت التسيير، الذي سيكون له انعكاسات مختلفة منها المباشرة وغير المباشرة.

الفقرة الأولى:الانعكاسات المباشرة

تتجلى الانعكاسات المباشرة في مجالين أساسيين:

المجال القانوني:

إن أهم ملاحظة يمكن إبدائها بهذا الخصوص هو الفراغ التشريعي الذي صاحب تجربة أسلوب التدبير المفوض قبل سنة 2006، بحيث أن أول تجربة لأسلوب التدبير المفوض بالمغرب تعود لسنة 1997 بين المجموعة الحضرية لمدينة الدار البيضاء و شركة “لا ليونزدي زو” في حين أن القانون المنظم لأسلوب التدبير المفوض لم يصدر إلا سنة 2006، وتفاديا لهذا الخلل شكلت الحكومة لجنة وزارية في فبراير 1999، عهد إليها صياغة وبلورة إطار قانوني شامل لجميع أشكال التسيير المفوض قادرة على أداء الخدمة العمومية في وقتها المناسب لأعلى جودة ممكنة لاسيما وأن المغرب يتوفر على ترسانة قانونية في شتى المجالات، ومن غير المعقول ألا يتوفر على ترسانة قانونية تنظم عملية تفويت التسيير.

وأهمية هذا المعطى لها ما يبررها إذا أخدنا الصعوبات التي واجهت عقود التدبير المفوض إبان العمل بها، وهي صعوبات ذات تقنية اقتصادية و مالية وتنظيمية، هذه الصعوبات كانت من الأسباب الرئيسية في نفور المستثمرين في هذا المجال بسبب غياب ضمانات فعلية.

وهو الأمر  الذي أكده التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات عندما قام برصد جملة من التجاوزات والاختلالات التي تقوم بها هذه الشركات المفوض لها خاصة في مجال الماء والكهرباء والصرف الصحي.

وهكذا كشف التقرير أن أداء شركة ليدك بالبيضاء لم يكن مطابقا لمقتضيات عقد التفويض،

فأكد التقرير أنها لم تحترم البنود التعاقدية المتعلقة بأداء تكاليف الربط، ولم تشرع في تنفيذ ما يناهز 264 مشروعا استثماريا تمت برمجته خلال الفترة 2002 – 2008 بقيمة 832 مليون درهم، كما تم توظيف أجانب بطرق غير قانونية بتكاليف مالية بلغت بين 2002 و 2007 حوالي 132 مليون درهم. أكد تقرير المجلس الأعلى للحسابات، أن أداء شركة ليدك جاء مخالفا لعقد التدبير المفوض، إذ لم يتم التحرير الكلي لرأسمال الشركة بمبلغ 800 مليون درهم إلا في سنة 2003 عوض الأجل التعاقدي المحدد في 1999، مما يشكل خرقا للقوانين والأنظمة المعمول بها.

المجال الاجتماعي:

تتجلى هذه الانعكاسات في التأثير على المستهلك بسبب ارتفاع تكاليف الخدمة، ثم إن ارتفاع ثمن تفويت التسيير أو التدبير المفوض الذي كان يفترض فيه إسداء الخدمة بأقل تكلفة بعيدا عن منطلق الربح و المحسوبية،الذي هو هدف المستثمر بالدرجة الأولى لم يتحقق.

وفي نفس السياق قامت عدة شركات و مقاولات بتسريح العمال تماشيا مع الظروف الاقتصادية للمرفق وإكراها ته المالية، وهو واقع ساهم في تعميق المشاكل الاجتماعية المستعصية، فيما كانت الدولة ملزمة على الدفع بالمتعاقد معها على احترام قانون الشغل و الاتفاقيات الجماعية و مدى مراقبة احترامه لأداء الحد الأدنى من الأجور…، فالتدبير المفوض من هذا المنطلق إذا كان يساهم في تطوير المرافق العامة وتخفيف العبء على الدولة فإنه بمقابل ذلك كرس انعكاسات سلبية على المستوى الاجتماعي.

فمن بين الاختلالات التي كشفها تقرير المجلس الأعلى في المجال الاجتماعي هي تزويد شركة ليديك أحياء بماء مشبع بالصدأ أي ما يسمى بالمياه الحمراء”، مضيفا أن هذه الظاهرة ترجع إلى قنوات الفولاذ الرمادي العتيقة التي تسرب مادة الصدأ في الماء الصالح للشرب. وقد تم تسجيل عدة شكايات منذ سنة 2006 لم يتم أخذها بعين الاعتبار إلى حدود نهاية مهمة المراقبة وعدم إنجاز العديد من المشاريع والتأخر الكبير في إنجاز أخرى بالإضافة إلى ضبط مداخيل مخصصة للصندوق لم يتم تسجيلها من لدن ليدك.

قطاع آخر حيوي يعاني الخصاص ألا وهو قطاع النفايات المنزلية. وتستحوذ على الحصص الكبرى من هذه الصفقة الشركات الإسبانية (تكميد)، والأمريكية (ايكوميد)، والفرنسية (سوجيديما) التابعة لمجموعة بيزورنو للبيئة، و(سيتا) ، و(فيوليا بروبرتي).

بحيث بعد مدة وجيزة بدأت تتراكم الأزبال وتظهر إساءة معاملة المستخدمين وتقليص وتيرة مرور الشاحنات الخاصة بجمع الأزبال بهدف الاقتصاد في المحروقات ، والنتيجة هي أزبال منتشرة في كل مكان وروائح كريهة وشوارع مليئة بالأوساخ.

فهذا هو المشهد سواء في الرباط أو تمارة أو سلا وحتى بمدن أخرى كطنجة ومراكش والدار البيضاء ، ومؤخرا بالناظور.

كما تنتقد الجماعات غياب الجدية لدى هذه الشركات، في حين تتهم هذه الأخيرة الجماعات ب”التماطل في الأداء”، ليظل الضحية الأول والأخير لهذا الوضع هو المواطن دافع الضرائب ، الذي يجد نفسه وسط نزاع لا ناقة له فيه ولا جمل.

و بلغت وضعية جمع الأزبال المنزلية في مقاطعة اليوسفية بالرباط حدا لا يطاق حيث تتهم السلطات الشركتين المفوضتين بعدم احترام بنود دفتر التحملات.

وفي هذا السياق صرح رئيس الجماعة السيد ابراهيم الجماني لوكالة المغرب العربي للأنباء أن شركتي “تيك ميد” و”سيطا البيضا” أبانتا عن “إهمال في تدبير هذا القطاع الحيوي”.

وفي الناظور، أكد رئيس مجموعة جماعات من أجل البيئة وعمدة المدينة السيد طارق يحيى مؤخرا للوكالة أنه استنفذ جميع السبل لدفع شركة فيوليا إلى الوفاء بالتزاماتها واحترام دفتر التحملات، مشيرا بالخصوص إلى”القصور” الواضح في خدمات جمع الأزبال، و”عدم احترام تواقيت مرور شاحنات” جمع الأزبال .

وإذا كان المغرب قد فتح هذه القطاعات الحيوية أمام الرأسمال الخاص خاصة الأجنبي خلال تسعينات القرن الماضي من أجل ضمان الجودة و النجاعة، فإنه يواجه اليوم وضعية تدفعه لإعادة التفكير في آليات التدبير هاته التي أبانت عن محدوديتها.

فبمجرد أن تسلم لها الممتلكات والخدمات التي تلتزم بأنها ستقوم بتدبيرها “تدبيرا جيدا” من خلال دفتر تحملات ثقيل بالفعل من حيث الشروط، تباشر هذه الشركات أنشطتها بما تسميه “مخططات اجتماعية” تقوم على “إحالة الكبار على التقاعد” و”تخفيض كلفة الإنتاج”، و”التقشف”.

وبالفعل فإن هذه المقاولات التي تبالغ في قدرتها على التدبير، لا تلبث ، بعد بضعة أشهر ، أن تشرع في التلكأ تحث ذريعة “صعوبات مالية” تاركة وراءها عجزا غالبا ما يكون مهما، وفاتورة اجتماعية ثقيلة.

هذا السيناريو، تجدد بمدينة الرباط من خلال شركة (ستاريو) التابعة لشركة (فيوليا) المكلفة بالتدبير المفوض لمرفق النقل العمومي، والتي وقعت سنة 2009 عقدا لاستغلال هذا المرفق لمدة 15 سنة، قبل أن تقدم الحصيلة بعد 16 شهرا فقط من تاريخ توقيع العقد.

مسار شركة (ستاريو) كان حافلا بالارتجال منذ انطلاقها: غياب التنظيم اللوجيستكي، إضرابات المستخدمين ، واستخدام حافلات رخيصة.

كما أن إضرابات مستخدمي شركات النقل السابقة بالمدينة تعددت، وهم يطالبون بتعويضات عن البطالة وبإعادة الإدماج.

وكان لهذه الوضعية نتائج سلبية على حسن سير هذا المرفق: مدة انتظار طويلة أمام محطات الحافلات، استفحال ظاهرة النقل السري (الخطافة)، ارتفاع أصوات التنديد والاستنكار والشجب وسط صفوف ساكنة المدن واستمرار أزمة النقل بالمدينة دون أن يلوح حل في الأفق.

ورغم أن سلطات المدينة أحدثت شركة جديدة لتدبير هذا المرفق، فإن غيمة أزمة النقل الحضري بالمدينة لم تنقشع بعد.

 

الفقرة الثانية :الانعكاسات غير المباشرة

التأثير على مفهوم المرفق العام:

عملت معظم الدول المتبنية للنهج الليبيرالي على تفويت أغلب أنشطتها عبر الخوصصة أو تفويت التسيير، وهذا المعطى مس بشكل واضح المفهوم الكلاسيكي للمرفق العام، وبخصوص الأنشطة التي يقوم بها الخواص يبدو من غير المنطقي الاعتراف بوجود مرافق عامة إدارية معهود بتدبيرها لمقاولة خاصة، من هنا يتضح أن المفهوم الكلاسيكي للمرفق العام لم يعد يستوعب المتغيرات المتلاحقة، وبالتالي وجب الحفاظ على المرافق العامة وعدم المساس بمقوماتها،لأن المساس بها يجعل مصلحة المرتفقين مهددة.

التأثير على علاقة المواطن بالمرفق العام:

إن تفويت تدبير المرافق العامة المحلية للخواص يؤدي إلى تجاهل الحاجيات الأساسية، لا سيما في الدول المتخلفة لعدم استمرارية الدولة و الجماعات المحلية في مراقبة الخواص مما يجعل مصالح المواطن عرضة للتلاعب في أيدي الشركات و المقاولات الخاصة، و هو واقع يدعمه غياب ثقافة المواطنة، وكذا في ظل ضعف القطاع الخاص و محدودية القدرة الاستهلاكية لعموم المواطنين، ما يؤدي لتجسيد أوضاع هشة بمجرد انتقال هذه المرافق إلى الخواص، فالمواطن يفقد حس الاطمئنان بالمقارنة مع الدولة أو الجماعة المحلية التي تقوم بتقديم خدمات معينة بثمن مناسب لاسيما وأن القطاع الخاص يبحث عن مرد ودية النشاط والإنتاجية بشتى الوسائل بدل التركيز على هدف النشاط المتجلي في تقديم خدمة عمومية بأقل تكلفة ممكنة.

خاتمة:

وانطلاقا مما سبق ذكره يمكن القول بأن المشكلة التي تواجهها الجماعات المحلية بخصوص عقود التدبير المفوض بصفة عامة ترتبط بضعف قدرتها الرقابية و الإشرافية، ومنه عدم قدرتها على تقييم عمل هاته الشركات وجديتها في تطوير أداء مهمتها، كما أن الدولة بانسحابها من تدبير المرافق الحيوية لقطاع الماء و الكهرباء و التطهير و النظافة وقطاع النقل الحضري، تعلن استقالتها من تسيير الشأن العام، وتفوضه للإستثمار الأجنبي الذي بدأ نفوذه يتزايد بوتيرة مخيفة، وأصبح المواطن والحالة هذه، تابع سياسي لدولة يتراجع دورها باستمرار، وتابع اقتصادي لشركات ومجموعات مالية أجنبية تتحكم في مصيره بشكل متصاعد.

[1]  د. أحمد بوعشيق، المرافق العامة الكبرى على ضوء التحولات المعاصرة،ص200

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super