مفهوم السياسة العمومية

* تعريف للسياسة العمومية:
1ـ المعهد العالي للدراسات العمومية في فرنسا يعرفها ـ السياسة العمومية ـ على أنها : “هي مجموع القرارات والأعمال والتدخلات المتخذة من قبل الفاعلين المؤسساتيين والإجتماعيين لأجل إيجاد الحلول لمشكل جماعي ما”.
2ـ بينما يذهب الباحثين الفرنسيين ـ مينه و جون كلود ـ في كتابهما السياسة العمومية ويعرفانها على أن:
” السياسة العمومية برنامج عمل حكومي في قطاع اجتماعي أو مجال جغرافي”.
* السياسة العمومية لها ارتباط كبير بالسياسة.
ـ فالسياسة في مجال الممارسة لها بعدين:
# السياسة كإدارة ؛ هذا يحيلنا إلى مفهوم التعريف الأول للسياسة العمومية(م.ع.د.ع) في فرنسا.
# السياسة كاستراتجية ؛ وهذا البعد له ارتباط كبير بتعريف آلفقيهين (مينه و جون كلود).
* ما هي صيرورة ومراحل السياسة العمومية ؟
تقدر هذه المراحل في خمسة أشواط:
ـ الوضع في الأجندة.
ـ التفكير أو الإعداد للعمل
ـ صيرورة اتخاذ القرار.
ـ البدء بالتنفيذ.
ـ التقييم.
1ـ بالنسبة للوضع في الأجندة ؛هناك ثلاث شروط وجب توفرها و هي:
# الوزن والأهمية: أي عدد المواطنين المعنيين بالمشكل.
# القوة والكثافة: أي ما مدى تأثير هذا المشكل على المواطنين.
# المدة الزمنية: منذ متى و المشكل مطروح.
عموما: المواضيع التي تطرح في الأجندة يتم تحليلها من زاويتين:
المشكل الجديد كليا + المشكل الموجود أصلا.
السياسات العمومية والحكم التشاركي
نحو فهم سوسيولوجي
ورد عبد المالك
في اللحظة التي مازال فيها الجدال حارا حول تحولات السياسات العمومية والفعل العمومي في البلدان ذات الاقتصادات القوية- البلدان الأوربية تحديدا- سواء من جهة الأكاديميين، السياسيين، رجال المال والاقتصاد أو منظمات المجتمع المدني، فإن نظراءهم في العالم المتخلف غالبا ما يستخدمون مفهوم الحكامة أو الحكم الجيد أو الصالح دون أي مساءلة جدية أو تأمل. تجدهم يتهافتون على استعماله في خطاباتهم ومؤتمراتهم بحق أو غير حق واهمين بأنه المنقذ “لمشروعيتهم”- في زمن لم يعد فيه لوجودهم من معنى بل في زمن اللامعنى- ،أمام جيوش من العاطلين والمهمشين والمحرومين الدين تتزايد أعدادهم باستمرار.
لدا ارتأينا تقديم بعض الإيضاحات بصدد تحولات مجال السياسيات العمومية وانبثاق نظرة ومقاربة جديدة تجعل من توريط مختلف الفاعلين سندها بامتياز تحت ما يعرف الآن بالحكم التشاركي[1] .La gouvernance.
فإذا كان مصطلح الحكم gouvernement يرادف مصطلح القيادة (قيادة زورق) أو الإدارة، فإن مختلف القواميس الفرنسية تكاد تجمع على أن للمفهوم صلة وطيدة بالحقل السياسي عندما يتم تعريفه بالإدارة السياسية أو ممارسة السلطة السياسية أو مجموع القوانين العامة التي تدير الدولة، إلخ … ومن هذا المصطلح ينبثق مصطلح حكومة، الذي يدل على طاقم حديث في إدارة وتسيير الشأن العام[2]. وقد عرف هذا المصطلح تطورا مهما في أساليبه وممارساته حيث لم يعد حكرا على فئة جد محصورة، بل كان لانبثاق ثقافة سياسية جديدة دورا حاسما في ذلك، بما يعنيه ذلك من إعادة هيكلة النسق السياسي والحد من الميولات الأحادية في صناعة القرار السياسي.
الحكم المحلي
إن بداية الحديث عن الحكم المحلي gouvernement local Le هو بداية الإعلان عن فشل أطروحة الحكم من المركز وإلى المركز، حيث كان الهم الأساسي للسلطة هو إرساء دولة مركزية قوية قادرة على إخضاع الأطراف وسحق التمردات وكل محاولة للاستقلال، وبما أنها ترمز للسيادة الوطنية كذلك أمام التهديدات الخارجية، فهي لا تعمل إلا على تقوية وتعزيز هذه السلطة.
وما مفهوم الدولة ـ الأمة إلا التعبير الأسمى عن هذا التصور للمجال السياسي الذي لا موقع فيه للحديث عن سلطة أخرى أو فاعلين آخرين إلى جانب الدولة التي تحتكر لنفسها سلطة تأثيث هذا المجال.
غير أنه سرعان ما أمدتنا السوسيولوجيا التاريخية بمحدودية هذا التصور في الزمان والمكان لحظة عجزه عن إدارة الشأن العام لوحده وانبثاق مطالب اجتماعية جديدة برهانات مغايرة، تضع من اللامركزية ومن المشاركة في اتخاذ القرار السياسي مرتكزا لها.
وهنا إذن سيبرز مفهوم الحكم المحلي كإعلان عن منظور جديد للحكم وممارسة السلطة السياسية، ومطلب لهيكلة جديدة للقرار، تقوم على إعطاء الأولوية للفاعل المحلي المنبثق عن فعل الاقتراع في إرساء سياسة منسجمة مع الوقائع المختلفة بالضرورة. وهكذا ستبرز جماعات ترابية ذات استقلال مالي وشخصية معنوية كنتيجة لهذا الخطاب الذي طالب بضرورة مراعاة الفروقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمناطق والجهات في أي برمجة أو تخطيط وطني، حيث لا مجال لأي تنمية بدون إدماج البعد المحلي المعبر عنه أساسا في الجماعة الحضرية أو القروية، والجهة فيما بعد.
وإذا أمكن اعتبار هذه الفلسفة نتيجة لعدم انسجام المكونات المجالية وطنيا من جهة، ولانسحاب الدولة من مجموعة من القطاعات من جهة أخرى، فإنها مع ذلك لم تعرف نفس التجسيد وتأرجحت ما بين تطبيق إداري وآخر سياسي يستجيب وطبيعة النظام السياسي السائد في كل مجتمع في تفاعله مع هذه الثقافة السياسية واستثماره التفضيلي لهذا البعد دون الآخر. المهم في كل هذا، ومهما كانت درجة التحفظ التي يحملها الفاعلون السياسيون تجاه تطبيق اللامركزية، فإنه مع ذلك هناك إقرار مشترك بأهمية المؤسسة التمثيلية المحلية في إرساء فعل سياسي فعال وعقلاني قادر على التنبؤ وإضعاف خطورة المفاعيل غير المرغوب فيها.
وفق هذا المنظور إذن، يكون مفهوم الحكم المحلي جد قريب إلى المقاربة المؤسساتية التي لا تسائله إلا باعتماد مفهوم المنتخب أو المستشار الجماعي باعتباره فاعلا محليا أساسيا إلى جانب المؤسسات الإدارية أو الاجتماعية المحلية في إرساء تنمية محلية وازنة. وكل الرهانات في هذا الإطار تجعل من الانتخابات موضوعا ممتازا لها، حيث يحتدم الجدال حول مدى تحقيق انتخابات نزيهة وشفافة وبالتالي بلوغ جماعات محلية تمثيلية وديمقراطية، تجعل من الفعل السياسي المحلي فعلا ممكنا بالاعتماد على مساطر وتشريعات موازية.
إنه إذن الطابع المسطري الذي يوجه الحكم المحلي وبتعبير أكثر دقة إن الحكم المحلي يرتكز على مشروعية مسطرية تؤطر كل رغبة لإصلاح مؤسسات الحكم وإعادة هيكلة القرار السياسي، على أن تبقى هذه المشروعية محصورة بين فاعلين أساسيين ألا وهما الدولة والجماعات المحلية، وكل هيكلة سوسيومجالية أو البحث عن توازنات جديدة والحد من ثنائية مركز ـ هامش إلا وتندرج في إطار إعادة النظر في هذا النسق.
الحكم التشاركي
تجدر الإشارة بأن مصطلح gouvernance في القاموس الفرنسي هو الاسم الذي كان يطلق في عهد الإقطاعية على بعض المحاكم في منطقة ArtoisوLa Flandre الفرنسيتين، لأن حكام هذه المناطق كانوا أول القضاة في هذه المرحلة[3]. ويحمل المصطلح الأنجليزي governance نفس دلالة مصطلح gouvernement الذي يعود في النظرية السياسية الأنجلوأمريكية على المؤسسات الرسمية للدولة والسلطة القهرية المشروعة التي تحتكرها. غير أن الأعمال الكثيرة التي أنتجت في الموضوع تبين أن استعمال ودلالة هذا المصطلح قد تغيرت بحيث أصبح مصطـلح La gouvernance الآن بمثابة تعريف جديد للحكم، تنظيم جديد للسلطة أو شكل جديد لحكم المجتمع[4]).
وببحثه في التراث الإنساني يجد [5]Bob Jessop أن هذا المصطلح الأنجليزي منغرس في الثقافة اللاتينية الكلاسيكية وفي اليونانية القديمة بحيث كان يفيد “قيادة” السفن في هاتين الثقافتين، ثم تطور المفهوم فيما بعد ليدل على فعل أو طريقة الحكم، ولمدة طويلة بقي استعماله محصورا أساسا في المسائل التشريعية والدستورية التي تهم ” شؤون الدولة ” غير أنه منذ خمسة عشر سنة، يقول Jessop، أصبح المفهوم يستعمل في سياقات عديدة، عبارة عن مفتاح لجميع الأبواب، إنه مفهوم موضة à la mode قد يدل عن كل شيء وقد لا يدل عن أي شيء، وهذه خلاصة يتقاسمها العديد من الباحثين في الحقل. وفي إطار بحثه ورسمه لتمييز بين gouvernance وgouvernement يقول الكاتب، بأن المفهوم الأول يشير إلى أشكال وطريقة الحكم، في حين يشير الثاني إلى المؤسسات وإلى من يحكم.
وإذا كان الحكم التشاركي قد استطاع أن ينفذ إلى الأوساط العلمية المهتمة بالفعل العمومي بقوة، فإنه مع ذلك لم يتمكن من تجاوز الالتباس في نظر Christian Lefevre[6] حيث يشير المفهوم في الآن نفسه إلى الفاعلين وإلى الفعل الجمعي دون أن يتمكن من رسم الحدود وتوضيح الحكم التشاركي الخاص بالفاعلين والذي يمثل التحالفات التي تخص حكم المدينة، أي التحالف بين القطاعات الخاصة والعامة.
ويستمر الالتباس عندما يمزج الحكم التشاركي بين الوسائل والأهداف، حيث على مستوى الوسائل، يكون الحكم التشاركي هو مجموعة من الأنشطة التي تسمح بإنتاج أفعال مترابطة (أنشطة التنسيق، التعاون، إلخ…) وفيما يخص الأهداف، يتطابق الحكم التشاركي مع الحكامةgouvernabilité أي القدرة على إنتاج التماسك والالتحام. لكن ومهما يكن، فوراء مفهوم الحكم التشاركي ينبثق ما نسميه اليوم بالأشكال الجديدة للفعل العمومي، المؤسسة على الشراكة، التعاون والمرونة[7]. فإشكالية الحكم التشاركي إذن تندرج في إطار تجاوز معوقات الحكم وخلق دينامية تفاعلية جديدة بين الدولة والمجتمع، تجعل من التنسيق بين مختلف التنظيمات والقطاعات مشكلها الجوهري لإنتاج سياسة عمومية منفتحة تستند إلى فاعلين ومشروعيات مختلفة، وخصوصا القطاع الخاص.
ويجد الحكم التشاركي في البعد المحلي دعامته بامتياز حيث بدا كما سبق أن أشرنا من غير الممكن تقويم الفعل العمومي والسياسات العمومية دون الانطلاق من منطقة أو مدينة بعينها و فاعليها سواء كانوا منتخبين، مقاولات، سلط محلية، جمعيات، منظمات دولية، أفراد، إلخ… على عكس الحكم المحلي الذي بقي في حدود المقاربة المؤسساتية بعقلانيتها الأحادية. فالحكم التشاركي يتجه نحو الاختلاف، المرونة الكبيرة، تعدد الفاعلين، تحول في أشكال الديمقراطية المحلية وتعقد أشكال المواطنة، وتصبح السلطة المحلية فاعلا مهما حقيقة، كالدولة أيضا، لكن فاعلا من بين آخرين[8].
إن السياسات العمومية وفق هذا المنظور أصبحت مرتهنة لتدخل متعدد الأطراف ولعقلانية متوافق عليها ومتفاوض حولها، ولا تغليب لتصور على آخر ولمشروعية على أخرى إلا في مدى ارتباطها بالمصلحة العامة.
وإذا كان المفهوم قد وجد في الولايات المتحدة التربة المناسبة للنمو، بالنظر إلى تاريخية المؤسسات والديمقراطية المحلية، بل الثقافة المحلية التي هي نتاج عادات المهاجرين الأوائل، فإنه لم يكن من السهل ترسيخه في المجتمعات الغربية الأخرى حيث أخذت الدولة فيها مسارا مغايرا، اللهم في أنجلترا التي تتقاطع مع الولايات المتحدة في قوة التنظيمات المدنية وضعف البروقراطية، بحيث يمكن الاستنتاج بأن الحكم في هذين المجتمعين كان بواسطة المجتمع المدني. فما “يميز الولايات المتحدة كليا عن عدد كبير من بلدان أوربا هو غياب الماضي الإقطاعي، فلكي يتكون المجتمع الأمريكي كأمة، لم يكن مضطرا لإلغاء أملاك إقطاعية واسعة ولا لمحاربة أية أرستقراطية. وحتى قبل أن يولد كأمة، لم يكن المجتمع الأمريكي مؤلفا من مجموعة سلطات مستقلة: وبالتالي لم يحتج لدولة كي يحطمها.”[9]. فالدولة الفدرالية الأمريكية تفرض تنظيما لا مركزيا وفاعلية محلية من جانب، ومن جانب آخر يحضر عالم الأعمال بقوة في المجال السياسي، وتدبير الشؤون العامة، حيث تغزو النخبة الاقتصادية عالم السياسة، فعلى غرار بريطانيا العظمى، يقول بادي، “نجد رجال الأعمال بنسبة كبيرة سواء في الكونغرس أو في الحكومة… حوالي 80 %من أعضاء الحكومة، منذ نهاية القرن19 حتى يومنا هذا، يقيمون علاقات وثيقة مع عالم الأعمال”[10].
لا غرابة إذن في أن يكون هناك تمازج بين المبادرة الخاصة والمصلحة العامة وفي أن تكبر رغبة استيراد جل المجتمعات لهذه العلاقة بالنظر إلى مستوى التطور الذي حققه المجتمع الأمريكي وتأثيره البالغ في مختلف مظاهر حياة المجتمع الدولي.
على هذا الأساس، يكون الحكم التشاركي هو إقحام مختلف الفاعلين في الفعل العمومي وخصوصا المقاولة وما يمكن أن تساهم به في تحقيق المصلحة العامة، وخلق مجتمع تتوافق فيه المصلحة الخاصة مع مصلحة الجماعة. إنه، أي الحكم التشاركي حسب S.Biarez مجموعة مركبة من المؤسسات والفاعلين، تتموقع خارج المنظور الوحيد وخارج المنظور التراتبي الذي يشكل أساس الحكم، وليست هناك استقلالية كاملة في علاقات الحكم التشاركي، بحيث لا يمتلك الفاعل سواء كان عموميا أو من الخواص الموارد الضرورية ليتصرف بطريقة أحادية[11].
الحكم التشاركي والمؤسسات الماليـة الدولية
يشير [12]Ali Kazancigil إلى أن تعريف المفهوم من طـرف البنك الدولـي (1994، BIRD) وبرنامج الأمم المتحدة للتنميةPNUD,1997)) ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE,1996) عاني الالتباس والغموض والاستعمال المحدود في التحليل والتطبيق، فهي لا تتمكن من تمييز الحكم التشاركي عن الحكم الديمقراطي المشاركاتي.
ويختزل البنك الدولي مثلا المفهوم في إدخال مبادئ الكفاءة والمسؤولية على الحكم[13] بدون استجلاء الفروقات السوسيوسياسية والاقتصادية بين المجتمعات وانعكاساتها على إرساء فلسفة أو تصور معين للحكم بعيدا عن كل منحى نحو توحيد نمط وشكل الحكم.
وتجدر الإشارة بأن المفهوم سيعرف انتشارا واسعا في نهاية سنوات الثمانينات، أي المرحلة التي خصص فيها البنك الدولي العديد من المنشورات للموضوع، خصوصا “الحكم التشاركي والتنمية”(1992)، “الحكم التشاركي: تجربة البنك الدولي”(1994)، والتي حاول فيها تفسير الأزمة الاقتصادية لإفريقيا بقصور أساليب الحكم وهيمنة الأشكال اللاديمقراطية من شخصنة السلطة، الفساد، غياب آليات العقاب، غياب مشاركة السكان في تدبير شؤونهم إلخ….[14] وقد منح المفهوم كذلك دفعة وشحنة أساسية لهذه المؤسسات أمام تمأزقها وعدم قدرتها على تقديم إجابة دقيقة عن إشكالات التنمية خلال السنوات الأخيرة. فقد تمكنت بفضل هذا المفهوم من الخروج من الورطة الفكرية والتطبيقية التي دخلت فيها بفعل سياستها الليبرالية.
هكذا تم اعتماد صيغة “حسن التدبير” كمقابل لهذا المفهوم إلى جانب الإصلاح المؤسساتي الذي رافق البرامج الاقتصادية النيوليبرالية. وتلك هي الميزة الرئيسية التي طبعت سنوات الثمانينات وبداية التسعينات والتي تؤرخ في الآن نفسه لتفاقم أزمات الدول الدائنة. غير أن التأكيد على “حسن التدبير” لم يرافقه بتاتا أي مجهود لتغيير السياسة الاقتصادية في البلدان التي تفاقمت مديونيتها وتعمقت تبعيتها، وبقيت السياسة الاقتصادية خاضعة لهذه المؤسسات، خارج أي مساهمة ونقاش عمومي داخلي. فدائما كانت هناك روابط بين الإصلاح الليبرالي، حسن التدبير، الديمقراطية والمجتمع المدني في خطاب المؤسسات المالية الدولية، دون أن تكون هناك إرادة حقيقية لإنعاش الديمقراطية[15] ودعم ثقافة المشاركة والاختلاف. فالأنساق المالية الدولية أصبحت تواجه ضعفا في التقعيد أمام تقلبات أثمان البضائع مثلا، الاختلالات البيئية الكبرى، انهيار المعايير الدولية للأجور تحت تأثير المنافسة، إلخ… فكيف لها أن تخلق مناخا ملائما للرفع من حظوظ نجاح الديمقراطية ؟
عموما، ولتبسيط المفهوم أكثر، نقول بأن الحكم التشاركي هو نتيجة مباشرة لثلاث عمليات متداخلة: المشاركة، الشفافية والمسؤولية، للوقوف ضد انحرافات السلطة وزيغ صانعي القرار. وإذا كان استعمال مفهوم الحكم التشاركي من طرف الباحثين والمنظمات الدولية مصطلحا جديدا لوصف السياسي لسببين اثنين: واحد ابستيمولوجي، وآخر سياسي، فقد لاقى المفهوم تحديدات واستعمالات عديدة “وكانت هذه الخاصية ميزة أكثر منها عيبا، حيث تمكنت المنظمات الدولية من الاختفاء وراءه لطرح العديد من القضايا الحساسة، مثل الفساد، والديمقراطية، والمشاركة وحقوق الإنسان”[16]).
إن الحكم التشاركي، في نظر البعض، مفهوم:
ـ مرن، فهو في رأيهم عبارة فضفاضة Un catch word، كلمة تعني كل شيء، وهو ما جعل البنك الدولي، في أحد تقاريره (1993)، يعتبر هذا المفهوم “متسامحا مع مستعمله”. هذه المرونة ليست سوى قوة له في منظورهم، لأنها تمكنه من التكيف مع أوضاع مؤسساتية مختلفة، فهو يستعمل لوصف اشتغال مقاولة Corporate governance كما يستعمل لتحديد سيرورة القرار في بلدية Local governance ، أو دولة أو اشتغال النظام الدولي Global governance.
ـ دينامي: فهو يشمل مجموع الفاعلين الحاضرين في اللعبة السياسية.
ـ بهندسة متغيرة: لأن تطور استعمال مفهوم الحكم التشاركي غير منفصل عن قدرته على إعادة ربط مختلف مستويات السياسي. إنه يمكن من وصف وتحليل العلاقات بين الفاعلين من نفس المستوى (بلدية، جهة، مقاولة، إلخ)، لكن أيضا بين فاعلين من مستويات مختلفة.
ـ إنه مفهوم ينفلت من التراب: فهو يتجاوز التحليلات السياسية، الاقتصادية أو السوسيولوجية التقليدية المتميزة بقوة بتراب معين. وهو ما يمكن حقيقة من الإجابة عن متطلبات العولمة حيث الحدود الترابية أقل فأقل أهمية. لا يمتد القروي دون الحضري، المحلي دون العالمي. فللفاعلين انتماءات وعلاقات متعددة، ويطرحون أجوبة في مستويات مختلفة.
ـ مفهوم محايد سياسيا: يعتبر البنك الدولي أول منظمة دولية تبنت مفهوم الحكم التشاركي للإجابة بالخصوص عن وضعية وقضايا القارة الإفريقية. ويفسر هذا الشغف، بقدرة المفهوم على الكلام في “السياسي” دون قصد ذلك صراحة. فقد ظهر الحكم التشاركي في اللحظة التي احتد فيها النقاش داخل البنك الدولي بين من يؤيدون التدخل في السياسي علنا ـ حتى ولو أدى ذلك إلى تغيير قوانين البنك ـ ومناصري الوضع الراهن، ولم يحصل التوافق إلا لأن مفهوم الحكم التشاركي يمنح ذلك[17]). وهذا هو ما يؤدي إذن إلى نجاح المفهوم من وجهة نظر أصحاب هذا المنظور. لدا فإن هده التوضيحات والملاحظات تسمح لنا بمشروعية التشكيك في مفهوم المشاركة المرتبط بهده المقاربة وبالتساؤل حول الطبيعة الإيديولوجية والسياسية للموضوع، خصوصا وأن مفهوم المشاركة في مجتمعات الجنوب أصبح مرتهنا لتمويلات المؤسسات الرسمية والمنظمات غير الحكومية في بلدان الشمال.

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super