التهرب الضريبي الدولي

مقدمة :

منذ تسعينات القرن الماضي، شهدت الساحة الاقتصادية تطورات متسارعة و غير مسبوقة تمثلت أساسا في فتح الأسواق و إزالة مختلف القيود. و الزيادة السريعة للسلع و الخدمات.

و إن أخذت ظاهرة العولمة بعدا كبيرا و اهتماما متزايدا من لدن الكتاب و الاقتصاديين فلما يترتب عليها من اثأر مباشرة و غير مباشرة على الاقتصادية الوطنية. و في فضاء العولمة الاقتصادية برزت على الساحة كيانات اقتصادية عملاقة تجوب منتجاتها مختلف أرجاء المعمور، و هي الشركات متعددة الجنسية[1]، غير أن تواجد هذه الشركات في مناطق مختلفة من العالم يؤدي إلى خلق مشكلات متعددة في مجالات مختلفة منها المجال الضريبي، أي الضريبة على مداخيل هذه الشركات و مدى تأثير التهرب الضريبي على السيادة الضريبية، و من تم يطرح إشكال التوفيق بين الحفاظ على الخصائص المميزة لنشاط الشركات متعددة الجنسية و إشكالية الحفاظ على مبدأ السيادة الضريبية[2].

من هنا تأتي أهمية دراسة التهرب الضريبي الدولي و مدى انعكاسه على اقتصاديات الدول المتضررة منه.

و يقصد بالتهرب الضريبي الدولي ممارسة تهدف إلى الاستفادة من امتيازات أو التملص من نظام ضريبي لدولة معينة، و ذلك دون الخرق الواضح للنصوص القانونية، و باللجوء إلى تشويه واقع التحويلات المالية[3].

و إلى جانب التهرب الضريبي الدولي évasion fiscale internationale  هناك الغش الضريبيfraude fiscale، و هما مفهومان متقاربان و الحدود بينهما صعبة التحديد، فالغش الضريبي هو عمل مخالف للتشريعات الضريبية[4]، في حين التهرب الضريبي فيكون عن طريق التجنب و عدم الالتزام بالضريبة و لكن بشكل لا يخالف القوانين المعمول بها، بل يبحث عن الثغرات الموجودة داخل النظام التشريعي و استغلالها[5].

انطلاقا مما سبق نستطيع صياغة إشكالية الموضوع على الشكل التالي :

  • مدى إمكانية محاربة التهرب الضريبي الدولي مع المحافظة على الاستثمارات الأجنبية ؟

و تتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية، نوجزها في ما يلي :

  • ما هو التهرب الضريبي الدولي ؟
  • ما هي أسبابه و ما هي مظاهره؟
  • ما هي الآليات المعتمدة في تطوير هذه الظاهرة؟
  • ما هي سبل الوقاية منها؟

و تقوم هذه الدراسة على فرضيتين :

  • التهرب الضريبي الدولي يتزايد بفعل تخلف القوانين الداخلية و تطور تقنيات التهرب.
  • محدودية الاتفاقيات الدولية في مقاربة الظاهرة.

و قد تمت معالجة الموضوع وفق التصميم التالي :

مقدمة :

المبحث الأول ، أسباب الهرب الضريبي الدولي و آليات إنتاجه

المطلب الأول : أسباب التهرب الضريبي الدولي

المطلب الثاني : آليات التهرب الضريبي الدولي

المبحث الثاني : الانعكاسات الاقتصادية لظاهرة التهرب الضريبي الدولي و سبل التصدي لها

المطلب الأول : تبعات التهرب الضريبي الدولي على الاقتصاديات الوطنية

المطلب الثاني : سبل مكافحة ظاهرة التهرب الضريبي الدولي

خاتمة :

 

المبحث الأول: أسباب التهرب الضريبي الدولي و آليات إنتاجه

المطلب الأول: أسباب التهرب الضريبي الدولي

يرتبط التهرب الضريبي الدولي كظاهرة حديثة، بوجود علاقات مترابطة بين الدول النامية و المنظومة الاقتصادية الرأسمالية، و تنقسم إلى أسباب داخلية و أخرى خارجية.

أ- على المستوى الوطني:

يساهم ضعف النظام الجبائي في الدول النامية في تزايد حدة ظاهرة التهرب الضريبي، و يرجع ذلك بالأساس إلى أسباب تتعلق بالنظام القانوني المليء بالثغرات و الغامض في أحيان كثيرة.

فعلى مستوى التغيرات القانونية نجد:

– الاعتماد على نظام التصريح الذي يسهل عملية التهرب الضريبي.

– عدم تجانس نظام الإعفاءات الضريبية.

– اعتماد القوانين الجبائية على أسلوب التقدير الجغرافي.

هناك كذلك الأسباب المرتبطة بالإدارة الجبائية و تشجيع الاستثمارات الأجنبية و تتجلى هذه الأسباب في :

– ضعف الرقابة الجبائية، بحيث يصعب تفعيل نظام الرقابة من طرف الإدارة الجنائية الوطنية ومرد ذلك إلى غموض التشريعات الجبائية وتعقد المعاملات التجارية الدولية.

– عدم كفاءة الإدارة الجبائية، و يتضح ذلك في عدم قدرة الإدارة الجبائية في دول العالم الثالث على مراقبة الشركات الكبرى التي تستعمل تقنيات متطورة.

 

 

ب- على المستوى الدولي:

ذلك أن عدم تجانس النظم الجبائية على المستوى الدولي احد أهم الأسباب، فالاتفاقيات التي تهدف إلى معالجة ظاهرة التهرب الضريبي الدولي بين الدول النامية أو بينها وبين الدول المتقدمة لم تساهم في حل هذا المشكل و يرجع ذلك إلى اختلاف الأسعار الجبائية و تقنيات إخضاع الرساميل الأجنبية للضريبة.

بالإضافة إلى وحدة الأصول الاقتصادية للتهرب الضريبي في الدول النامية، و المقصود بوحدة الأصول الاقتصادية للتهرب الضريبي في هذه الدول، أن التهرب الضريبي ظاهرة طبيعية في كل دولة متخلفة على المستوى الاقتصادي. فالتهرب الضريبي لا يختلف حجما و كيفا و لو اختلفت درجة النمو الاقتصادي في هذه البلدان.

كما أن أي سياسة اقتصادية في هذه الدول النامية تقوم على وسائل مستمدة من الرأسمالية الدولية،  و من بين هذه الوسائل الإطار الجبائي الذي يتم تسخيره لتنمية الموارد المالية، رغم أن الدول المتقدمة أصبحت تنظر إلى الإدارة الجبائية كأداة للتنمية و ليس كأداة للتمويل، ذلك أن السياسة الضريبية من المفروض تكون وسيلة لتحقيق أهداف و خدمة إستراتيجية.

أما ابرز مظاهر هذه الظاهرة فيتمثل في:

أ- عدم التصريح بالمداخيل و النفقات الحقيقية:

و عدم التصريح يتخذ نوعان، إما أن يشمل جميع المداخيل التي يحققها الطرف المتهرب أو جزئيا لا يشمل إلا بعض عناصر هذا الدخل.

1- عدم التصريح بجميع المداخيل: و تعتبر هذه العملية إخفاء عيني و حسابي لقيمة الدخل القابلة للضريبة، لكن الأمر يختلف حسب الأشخاص الملزمين بالتصريح و كذلك من حيث وضعهم القانوني أمام القوانين الجبائية الوطنية.

بالنسبة للأشخاص الأجانب المقيمين في بلد معين: فكثير من الدول تخضع الأجانب للمقتضيات الجبائية تطبيقا لمبدأ السيادة بالنسبة للأرباح التي يحققونها داخل البلد الذي يقيمون فيه أو خارجه، بحيث يرفض هؤلاء التزامهم بالتصريح الفعلي و الحقيقي لمختلف المداخيل التي يحققونها في بلد اقامتهم، و قد ينتقلون من بلد لأخر و داخل نفس السنة فيتفادون بذلك الخضوع الضريبي لهذين البلدين.

2- عدم التصريح ببعض عناصر الدخل: فعدم التصريح قد يمس الرواتب و الأجور و قد يمس الأرباح الصناعية و التجارية.

المطلب الثاني: اليات التهرب الضريبي الدولي

يرى العديد من الاقتصاديين أن استفحال ظاهرة التهرب الضريبي الدولي يرجع بالأساس إلى قيام الشركات متعددة الجنسية، التي يقوم نشاطها على أساس فتح أسواق جديدة[6]. و لما كان الهدف الرئيسي لهذه الشركات تحقيق أقصى ربح و بأقل التكاليف و عبئ ضريبي ممكن، فقد لجأت هذه الشركات إلى التقليل من هذا العبئ أو التخلص منه كلية عن طريق آليات و هي :

آلية الملاجئ الضريبية Les Paradis Fiscaux .

شهد التهرب الضريبي الدولي رواجاً واسعا لانفتاح اقتصاديات دول العالم على بعضها بعضاً وهذا بسبب

زيادة نشاط الشركات متعددة الجنسيات التي تشكل اليوم شبكات ضخمة لتهريب رؤوس الأموال و البحث

عن سبل ومنافذ للتخفيف من حدة الاقتطاعات الجبائية التي تمس أرباحها، وهذا باللجوء إلى دول ذات نظام

ضريبي متميز و التي  تتميز ب :

– استقرار السياسي لهذه الدول الذي يضمن استقرار القواعد القانونية.

– قطاع مصرفي وقضائي متطور وذو كفاءة عالية.

– شبكة الاتصالات والربط متطورة.

– غياب الرقابة على الأفراد غير المقيمين، الذي يسمح بتنظيم حرية مطلقة لحركة رؤوس الأموال.

– معدلات ضريبية منخفضة ومنعدمة في بعض الحالات، بحيث نجد في بعض الدول غياب الضرائب المباشرة على الدخل، وعلى القيمة الزائدة، وعلى الأرباح، وعلى رأس المال أو على الثروة، أو بمعدل ضعيف لهذه الاقتطاعات.

– غياب الاتفاقيات الضريبية التي تفرض تبادل للمعلومات لمواجهة التهرب الضريبي.

– السرية المصرفية المطلقة التي تمثل أهم أسباب جذب العملاء.

– سهولة خلق أو إنشاء مؤسسات في دول الملاجئ الضريبية.

إن توفر بعض الدول على هذه الخصائص يجعلها قبلة لرؤوس الأموال، فبعضها يقدم ميزات للأشخاص الطبيعيين مثل موناكو او أندور Andore.

و بعضها للأشخاص الطبيعيين مثل جرسيJersey  او الباهاماس Bahamas، كذلك السرية المعرفية في هذه الدول تعرف درجات مختلفة من الحماية، في سويسرا مثلا نجد أن النظام المعرفي محاط بسرية مطلقة لا ترفع الا في حالات نادرة كالتحقيقات في الجريمة المتعلقة بغسيل الأموال.

و يتم التهرب الضريبي عن طريق :

  • إنشاء الشركات الوسيطة sociétés intermédiaires في دول الملاجئ الضريبية :

وهو المبدأ الذي يرتكز عليه النظام والتركيب الدولي، هذه المنشآت في الواقع لها دور في الوساطة وفي تمركز مداخيل منظمي هذه التعاملات والذين يتمنون أن لا يتم ضبطهم من قبل الإدارة الضريبية في بلد  إقامتهم إذ ينهض كيان الشركة الساترة على مجموعة عناصر معينة، وهذه العناصر هي:

– أنها شركة يتم تأسيسها في بلد ذي معدل ضريبة منخفض أو لا تفرض ضرائب فيها نهائيا.

– يتم تأسيس هذه الشركة والسيطرة عليها من قبل أشخاص طبيعيين أو اعتباريين مقيمين في بلد ذي

معدل ضريبة مرتفع.

– استخدام مناورة التهرب الضريبي الدولي من خلال هذه الشركة يقوم على أساس إدارة الإيرادات و توجيهها

من الشركة الأم إلى الشركة الوسطية، لأجل تمكين الشركة الأم من التهرب من الضرائب ذات السعر المرتفع

المفروضة في دولة الأصل.

والصعوبة في هذه الطريقة تحديد هوية المالكين الحقيقيين لهذه الشركات ومكانهم، فالمقر في الجنة الضريبية

وهمي، في حين أن المقر الحقيقي في البلد الأم، ومن هناك تقوم هذه الأخيرة بالإدارة والتوجيه.

 

2- تخفيض التكاليف : ومنه تقليل من العبء الضريبي إلى أقصى حد ممكن في الدول ذات النظام الضريبي المرتفع وتزيد منه في الدول ذات الجنات الضريبية.

3-  بعد توزيع الأرباح فإن الشركات الوليدة الموجودة في الجنات الضريبية لا تقوم بتحويل أرباحها إلى

الشركة الأم حتى لا تفرض عليها ضرائب مرتفعة، وإنما تعيد استثماره في الجنات الضريبية نفسها أو تحويلها إلى

دول أخرى أقل خضوعاً للضريبة[7].

 

  • آليات الأسعار القابلة للنقل و القابلة للتحويل:

في البداية ما المقصود بالأسعار القابلة للتحويل؟

يمكن القول إنها أسعار تتعلق بالسياسات الإدارية المتعلقة بالعمليات التي تتم ما بين الشركة الأم و الفروع التابعة لها أو بين الفروع فيما بينها و التي قد تتمثل في تحويل المنتجات و الخدمات و التحويلات النقدية و غيرها. إذن فالمقصود بهذه الأسعار هو القيمة التبادلية للعناصر السابقة ما بين الشركة الأم و توابعها في دول أخرى غير دولة الشركة[8].

ففي مجال الشركات المتعددة الجنسية، قد تقوم إحدى الشركات بتحويل أموالا و تقديم خدمة لإحدى فروع الشركة الأم، فمن الناحية الاقتصادية ليس هناك بيع، بل تحويل بسيط للأسعار. و هذا التحويل هو حقيقة قانونية قد ترتب تأثيرات ضريبية، حتى و لو لم يكن هناك مجال للشك في حسن النية. فالشركات المتعددة الجنسية قد تقوم بتحويل الأسعار من اجل التقليل من العبء الضريبي العام، محاولين إظهار الفائدة حيث يكون العبء الضريبي اقل[9].

يتم التهرب الضريبي باستخدام أسعار التحويل، و ذلك على النحو التالي :

– إذا قامت إحدى الشركات التابعة أو احد الفروع ببيع إحدى المدخلات إلى شركة تابعة أخرى أو فرع أخر للشركة نفسها و في بلد أخر، فان الأسعار الجارية و المتداولة في الأسواق لا تؤخذ بالحسبان، وإنما تقوم الشركة متعددة الجنسية الأم و فروعها في الخارج بتسجيل أسعار الصفقات المعقودة بينها في الدفاتر المحاسبية على نحو اعتباطي تاركة المجال للتلاعب بالأسعار.

-التلاعب في المادة الخاضعة للضريبة سواء بالزيادة أو بالنقصان في النفقات من جانب الشركة الأم لتستفيد من التباين في الأنظمة الضريبية في الدول المختلفة، بحيث تخفض من النفقات. ومن تم تزيد من المادة الخاضعة للضريبة في الدول ذات الجنات الضريبية و العكس في الدول التي تتميز بنظام ضريبي متشدد[10].

عند توزيع الإرباح و يتم ذلك عن طريق إنشاء شركات وسطية من طرف الشركة الأم، و هي شركات مالية تقوم بالاحتفاظ بالأرباح المحققة من شركات أخرى، تم يعاد تحويلها إلى الشركة الأم، و ذلك في ظروف أفضل ووفق حاجة المجموعة. و من تم التهرب من معدل الضريبة المرتفع في البلد الأم.

 

– آلية المنشاة التابعة:L’établissement stable

 

لقد استقر الفقه الضريبي الدولي على مبدأ مهم و هو ألا تخضع أرباح الشركات الأجنبية للضريبة في البلد المضيف إلا إذا كانت ناتجة عن تنظيم محدد يسمى بالمنشاة التابثة.

و في هذا الإطار حاول مختلف المنظمات الدولية و الاتفاقيات الضريبية الصادرة عن بعض الهيئات الدولية تبنى فكرة المنشاة التابثة لمحاسبة الشركات متعددة الجنسيات، لكن ما المقصود بالمنشاة التابثة؟

يمكن رصد اتجاهين أساسيين توصل إليهما الفقه الاقتصادي في هذا الصدد:

  • الاتجاه الأول: نظرية تحقق الدخل: تعرف هذه النظرية المنشاة الثابتة بأنها كل مؤسسة تمارس نشاطها يسهم إسهاما مباشرا في تحقيق الربح، أي أن هذه النظرية قد ربطت بين فكرة المنشاة الثابتة و تحقيق الربح.
  • الاتجاه الثاني: نظرية التبعية الاقتصادية: طبقا لهذه النظرية يرتبط مفهوم المنشاة الثابتة بالمنشات كلها التي تعد جزءا متكاملا من اقتصاد الدولة، سواء أسهم إسهاما مباشر أم غير مباشر في تحقيق دخل أو إيراد، باعتبار أن النشاطات التي تزاولها تعد نشاطات حيوية و متكاملة مع النشاط الاقتصادي للدولة. أما منظمة OCDE و في المادة الخامسة فمصطلح المنشاة الثابتة يشير إلى منشاة تابثة للأعمال تمارس الشركة الأم من خلالها كل أو جزء من نشاطها، و أضافت في الفقرة الثانية من المادة نفسها أن المنشاة الثابتة تتضمن خصوصا:

1– مقر الإدار، الفرع، مكتب، مصنع، مشغل، منجم، بئر البترول او الغار مكان استخراج الموارد الطبيعية، موقع البناء و التركيب.

و قد نصت المادة الخامسة على ضرورة ممارسة أي من النشاطات المذكورة سابقا مدة 12 شهرا.

و حسب المنظمة يجب توفر ثلاث عناصر أساسية حتى نكون بصدد منشاة تابتة:

1- تموقع مادي أو إقامة أعمال.

2- ديمومة الإقامة.

3- أن تمارس المؤسسة نشاطها بواسطة هذه الإقامة.

و يتم التهرب الضريبي باستخدام المنشاة التابتة باحدى الطرق التالية:

  • إما أن تقوم الشركة الأم بإنشاء المنشاة الثابتة لها في دولة تعفي هذه المنشاة كليا من الضرائب.
  • أما في حالة إنشاء هذه المنشاة في دولة لا تعفيها من الضرائب و لا تقدم امتيازات ضريبية، فإنها تلجا إلى إضفاء صفة غير حقيقية على هذه المنشاة بتقسيمها إلى وحدات اقتصادية في مناطق مختلفة تقوم كل منها بنشاط معين، بحيث انه لو اخدت كل واحدة منها على حدى لا تمثل منشاة ثابتة، و من تم فان الأرباح التي تحققها لا تخضع إلى الضريبة لأنها ليست منشاة ثابتة، و من تم تستطيع الشركة الأم تخفيف عبئها الضريبي[11].

 

المبحث الثاني: الانعكاسات الاقتصادية لظاهرة التهرب الضريبي الدولي و سبل محاربته.

المطلب الأول: تبعات التهرب الضريبي الدولي على الاقتصاديات الوطنية.

تزداد حدة التهرب الضريبي الدولي و أثاره السلبية عندا يتعلق الأمر بالدول النامية، فأمام ضعف اقتصاديات هذه الأخيرة فان الشركات متعددة الجنسية تساهم بتهربها الضريبي في خلق عدة مشاكل جبائية و اقتصادية كما تؤدي الىا دعم التخلف الاقتصادي الدولي و إلى تعميق التبعية الدولية للدول المتخلفة.

بالنسبة للآثار و المشكلات الجبائية و تظهر على مستويين: الأول يتمثل ي النقص الكبير الذي يمكن أن يحصل في الموارد الجبائية المعمول عليها من طرف الدولة.

و تزداد حدة هذا المشكل بالنسبة للدول النامية التي تعتمد في تسديد نفقاتها العامة على الموارد الجبائية مما يعمق من اختلال توازن الاقتصاد الجبائي.

أما على المستوى الثاني فيتمثل في الحد من دور السياسة الجبائية المشجعة للاستثمارات. اذ ما الفائدة من مثل هذه التشجيعات إذا كان بإمكان هذه الشركات التهرب من أداء الضرائب؟

 

أما فيما يتعلق بالآثار و المشاكل الاقتصادية :

يطرح مشكل التهرب الضريبي الدولي إشكالية توفير الموارد المالية اللازمة للتنمية الاقتصادية، كما يؤثر على الحجم الكمي للإنتاج و بالتالي على حجم رأس المال الوطني.

و من مساوئ هذه الظاهرة انها تسبب في إنقاص السيولة المالية اللازمة للاقتصاد مما يمنع قيام اقتصاد نقدي جيد في هذه الدول. و خلق مشكل اقتصادي سيتبعه بالضرورة إعاقة للتنمية. و الآثار السلبية هاته يقابلها أثار ايجابية تستفيد منها الشركات متعددة الجنسية مما يسهم في عدم تكافؤ العلاقة الاقتصادية بين الدولة النامية و الشركة التي تمارس التهرب الضريبي[12].

في المقابل، فان أثار التهرب الضريبي الدولي لا تقتصر على الدول النامية، بل يمتد ليطال الاقتصاد الدولي نظرا لوجود علاقة وطيدة بين اقتصاد الدول النامية و الدول المتقدمة، بحيث يؤكد خبراء الاقتصاد أن التهرب الضريبي الدولي يؤثر على استراتيجيه التنمية الدولية.

و السبب في تأثر الدول المتقدمة  بهذه الظاهرة هو التناقض بين وظائف الدولة المتطلب لمزيد من الموارد الجبائية، و كذا التناقض بين مبدأ تشجيع الاستثمار و مبدأ المساواة في تحمل التكاليف الضريبية. و قد أكدت بعض التقديرات حول حجم التهرب الضريبي الدولي للدول الغربية وجود خسائر جسيمة و ذلك على النحو التالي:

ألمانيا: 5 في المائة من إجمالي مداخيلها الجبائية.

الولايات المتحدة الأمريكية : 8 بالمئة من ناتجها الداخلي الإجمالي.

السويد: 6 في المائة من ناتجها الداخلي الإجمالي.

سويسرا : 10 في المائة من إجمالي مداخيلها الجبائية.

فرنسا:  10ملايير فرنك فرنسي سنويا.

فلندا: 3 في المائة من اجمالي مداخليها الجبائية.

بلجيكا:200 مليار فرنك بلجيكي سنويا.

و الملاحظ أن العديد من الدول الغربية تصدت في الآونة الأخيرة لهذه الظاهرة عبر مجموعة من الإجراءات القانونية التي جرمت الظاهرة و اعتبارها جناية معاقب عليها قانونيا[13].

 

 

 

المطلب الثاني: سبل مكافحة التهرب الضريبي الدولي

 

يجمع العديد من الباحثين على أن الاتفاقيات الدولية الثنائية و المتعددة الأطراف أهم سبل العلاج، إلا أن الدولة يمكنها استعمال طرق وقائية أو جزائية للتقليل من ظاهرة التهرب الضريبي على المستوى الدولي.

لذلك ستتطرق في هذا المطلب إلى إجراءات محاربة هذه الظاهرة على المستويين الداخلي و الخارجي.

  • أولا: على المستوى الدولي :

تستطيع الدولة لما لها من سلطة و سيادة على أراضيها سن نصوصا تشريعية و إجراءات صارمة و فرضها لعقوبات ردعية )غرامات التاخير، عقوبات جبائية و جنائية( بهدف فرض التزام أكثر على المكلفين بأداء الضريبة.

I- الإجراءات الوقائية: و المتمثلة في الإجراءات القانونية المختلفة و منها:

أ- الإجراءات الجبائية :

و هي وسيلة من الوسائل المتاحة، فهنالك مثلا اعتماد التصريح الفعلي الذي يعتمد فيه على دفاتر حسابية خصوصا و أن الضريبة على الإرباح المهنية تشكل أهم ضريبة تفرض على الشركات الأجنبية بدول العام الثالث. و يكفل مبدأ السيادة الضريبية الحق للإدارة الجبائية من ان تتحقق من المعلومات التي تقدمها الشركات الأجنبية لهذه الإدارة.

ب- الإجراءات الخاصة بنظام الصرف: و تتمثل في مراقبة الصرف حتى لا يتم تصريف العملات الأجنبية خارج الضوابط القانونية و ذلك عن طريق إلزام المصاريف التي تتم عن طريقها التحويلات المالية بخصم قيمة الضرائب المستحقة على المداخيل المحولة الى الخارج من طرف الأجانب و الناتجة عن مشاريعهم الاستثمارية داخل الوطن و توريدها إلى مصلحة الضرائب المختصة[14].

ج- إقامة محاسبة وطنية متطورة:

فالمعروف أن الشركات متعددة الجنسية تتوفر على مستوى عال من التقنيات المحاسبية مما يفرض على الدول أن تطور نظام محاسبتها، حيث يمكن للإدارة الجبائية عن طريق تسهيل مراقبة هذه الشركات. و رغم هذه الإجراءات المتحدة من طرف الدول النامية، تبقى الشركات متعددة الجنسية قادرة على كشف هذه الثغرات و النفاذ منها لتحقيق التهرب الضريبي.

II- الإجراءات الرادعة:

لضمان فعالية الإجراءات السابقة، لا بد إن يصحب ذلك عقوبات جنائية رادعة، و ضبط التهرب على المستوى الدولي يستوجب بالضرورة التنسيق على المستوى الداخلي بين هياكل الإدارة و مصالحها، للتمكن من مراقبة التهرب و وضع اليد عليه. الا ان التنسيق الداخلي يبقى عاجزا عن الإلمام بعناصر الظاهرة و محدود الفاعلية دون تنسيق دولي محكم[15].

 

ثانيا: على المستوى الخارجي

حسب الاتفاقيات يمكن تقسيم الاجراءات الدولية كالتالي:

1- إجراءات تبادل المعلومات:

و هي اداة جد فعالة، اذ بفضلها يمكن لكل دولة التوفر على المعلومات الخاصة بالمواد الخاضعة للضريبة، مما ينبه الدولتين الى كثير من الحقائق التي تكون غير معروفة. و تمكن هذه الملومات من متابعة حركات المداخيل المتنقلة من دولة الى اخرى، و كذا التعرف على الاجراءات المتخدة من طرف احد الدولتين فيما يخص الاعفاءات الضريبة.

2- تقديم المعلومات تحت الطلب:

و هي طريقة جد عادية تتمثل في قيام الدولة المتعاقدة بارسال طلب مستعجل للدولة المتعاقد معها، تطلب فيه ايفادها بالمعلومات الضرورية، و التي يمكن ان تتعلق ب :

– المعلومات الخاصة بالاوضاع الجبائية للخاضعين للضريبة، و ذلك من اجل تحديد وعاء الضريبة او التحقق من الدخل المصرح به.

– المعلومات المتعقلة بمستوى الاثمان لنوع معين من المعاملات.

– التقديم الاختيار للمعلومات، حيث تقوم الدولة المصدرة لراس المال بتقديم معلومات بشكل تطوعي عندما يتبن لها ان هناك معلومات تخص البلد المضيف.

3- الاجراءات الخاصة بثمن التحويل:

و من بين الحلول المقترحة في هذا الصدد الإجراءات الخاصة بثمن التحويل عن طرق اتحاد ثمن البيع كأساس لاحتساب الضرائب، إلا أن هذا الإجراء يتطلب من الدول النامية الحصول على معلومات كافية بالعناصر المتعلقة بمصدر البضاعة و طبيعتها و حجمها. و بالتالي فهو إجراء صعب التحقيق.

4- الإجراءات الجنائية الدولية، و يمكن تقسيمها الى ما يلي :

أ-تنسيق الأنظمة الجبائية : و يصعب تنسيق الأنظمة و التشريعات الجبائية نظرا لتعددها، كما ان أي دولة لا يمكنها التنازل على سيادتها في حالة فرض اجراءات من الخارج تمس مصالحها الاقتصادية. مما يعني ان التنسيق لا يمكن ان يتم الا بين الاقتصاديات التي تتسم بصفات مشتركة.

ب-تنسيق السياسات الضريبية : في هذا الصدد تم تقديم تصور مفاده و ضع ضريبة على الدخل الدولي للشركات الاجنبية في دول العالم الثالث، الا انه اتضح ان هذا التصور غير قابل للتطبيق بسبب عدم الرغبة في التنازل عن المنافسة في مجال التشيجيعات الجبائية الخاصة برؤس الاموال.

و على صعيد اخر فقد و فرت تكنولوجيا المعلومات و تحرير حركة رؤس الاموال زيادة امكانية التهرب الدولي بنوع من السهولة التي لم تكن متوفرة من قبل. و هذا ما جعل التعاون الدولي ضرورة حتمية. و يكون ذلك في إطار التعاون الدولي لتبادل المعلومات في شكل اتفاقيات و معاهدات ثنائية.

و  يمكن اعتبار أهم المحاولات للحد من الظاهرة على الصعيد الدولي تلك التي قمت بها منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية OCDE، و منظمة أخرى كالأمم المتحدة و مجلس الاتحاد الأوربي، و التي أوصت جميعها بضرورة تبادل المعلومات مع دول الجنات الضريبية، كما تم عقد عدة اجتماعات مع كبار الاقتصاديين المتخصصين في الضريبة.

بالنسبة للجهود المبذولة على مستوى الأمم المتحدة، فقد تبنى المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في منظمة الأمم المتحدة القرار 1978/14 نموذج اتفاق يتضمن خطوات مكافحة التهرب الضريبي.

و في إطار هذه الجهود اقترح خبراء الأمم المتحدة :

أولا : إنشاء شبكة عالمة متكاملة للضرائب هدفها المساعدة التقنية في جباية الضرائب، و هي تكتل من الموارد المتداولة فيما بين البنك الدولي و صندوق النقد الدولي و منظمة التنمية و التعاون الاقتصادي.

ثانيا : تعيين لجنة من الخبراء الماليين من قبل الأمين العام للأمم المتحدة و هذا في سنة 2001 بغرض تأسيس منظمة عالمية لفرض الضرائب لها مهمات عديدة منها : تقديم المساعدة التقنية للدول و تامين منتدى لتطوير المعايير العالمية للضرائب و الحد المنافسة الضريبة غير المنطقية الهادفة إلى استقطاب الشركات متعددة الجنسية. ص 431 من مجلة دمشق.

بدورها عقدت منظمةOCDE  ومنظمات أروبية في السنوات الأخيرة اتفاقيات ثنائية قصد التقليل من ظاهرة التهرب الدولي خصوصا مع الأزمة المالية التي مر بها العالم في أواخر 2008 ، .و هي :

– اجتماع سنة 2006 للجنة التشاور في البرلمان الاوربي للمجموعة الاقتصادية و الاجتماعية الاوربية في اطار تطوير استراتيجية للتنسيق بقصد مواجهة التهرب الضريبي، و تركزت المشاورات على مكافحة التهرب في مجال الضريبة على القيمة المضافة للدول الاعضاء. و هدف الاجتماع الى تنبني استراتيجية مقاومة للتهرب.

– اجتماع  21 يناير 2008 حول إدارة الضرائب من أجل وضع برامج لتخفيض الأعباء الإدارية الناتجة عن القواعد والقوانين الضريبية في بعض البلدان، وأهم ما جاء فيه وما يتعلق بموضوعنا هو وجوب تقليص مدة المراقبات الضريبية وعددها من طرف الإدارة الضريبية وتقليلها للمراقبات التي تحصل منها على مداخيل جبائية قليلة أو معدومة، لأن المراقبات الضريبية يمكن أن تخلق أعباء إدارية معتبرة لدى المكلفين، واقترحت في ذلك عدة برامج بهذا الخصوص.

– عقدت OCDE، خامس اجتماع حول الإدارة الضريبية في باريس 2009، أهم ما جاء فيه هو التعاون لتحسين الإدارة الضريبية في العالم وإعطائها فعالية أكثر لخدمة المكلف وتطوير النظام الضريبي على المستوى الوطني والدولي، وضرورة مواصلة الجهود لمراقبة التشريعات الضريبية لتكون أكثر شفافية خصوصاً في القطاع المصرفي، والتحاور مع الأفراد الأكثر ثراء لاحترام واجباتهم الضريبية، لهذا الغرض طالب أصحاب الاجتماع بخلق وحدات خاصة مكلفة بالأفراد الأكثر ثراء و ذلك لتتبع هؤلاء و مقاضاتهم في حالة تهربهم.

– أقيمت اجتماعات مشتركة بين لجنة الأعمال الضريبية ولجنة المساعدة للتطوير سنة 2010، حول الضريبة والتطوير، أهم ما خلصت إليه هو الإلزام بالتنسيق بدقة وبالتعاون مع  البلدان النامية لمحاربة التهرب الضريبي  باستغلال الإمكانات الموجودة في محيط دولي أكثر شفافية، ما جاء ايضا دعم الحوار الصادق و الدائم و خاصة الحوار الضريبي الدولي لإشراك كل الجهات المتعاقدة لتسهم في مساعدة البلدان النامية و امكانية و ضع برنامج مشترك بالتعاون مع منتدى دولي حول الشفافية و تبادل المعلومات[16].

كذلك اخر المجهودات المبذولة في هذا المجال ما اقرته دول مجموعة العشرين خلال القمة التي جمعتهم في نوفمبر 2001 بمدينة كان الفرنسية بخصوص عقد معاهدة جديدة لتعزيز التعاون الضريبي و التبادل التلقائي للمعلومات و إجراءات التفتيش المتزامنة  و العمل على توفير ضمانات متينة لحماية السرية المعلوماتية المتبادل[17].

 

خاتمة :

 

يشكل التهرب الضريبي الدولي خطراً على الاقتصاد العالمي، فهو لا يهدد دولة واحدة فقط و يرجع دلك للتوسع والانفتاح الاقتصادي والتدويل المستمر لعناصر الإنتاج، وسيطرة الشركات العملاقة كالشركات المتعددة الجنسيات على الاقتصاد العالمي واستغلالها للدول النامية، لأن هذه الأخيرة بحاجة لرؤوس أموال واستثمارات أجنبية لتنمية اقتصادها، فلا تملك هذه الدول سبيلاً لذلك إلا بتقديم امتيازات وتسهيلات، أهمها: الإعفاءات الضريبية، لكن الشركات الدولية تستغل هذا النظام الضريبي المميز وتتهرب من دفع مستحقاتها الضريبية، وبهذا تتضرر الدول النامية بحرمان خزينتها من إيرادات مهمة. والجدير بالذكر أن الدول المتقدمة تسعى من خلال الاتفاقيات الدولية المبرمة للحد من هذه الظاهرة

إلا أنّه يندرج أولاً وأخيراً لمصلحتها الخاصة وتعظيم إيراداتها.

 

[1] -زهرة حبو “التهرب الضريبي الدولي “، مجلة دمشق للعلوم الاقتصادية و القانونية، المجلد 27، العدد الاول، 2011، 418.

-فاطمة حمدان، الوضع الجبائي للشركات متعددة الجنسية بالمغرب، ص 147 [2]

[3] -Jonathan BURGER, les délits pénaux fiscaux : une mise en perspective des droits français, luxembourgeois et internationaux, thèse de doctorat, université Nancy 2, 2011, p 23.

[4] -op.cit, p 10

-عبد الفتاح بلخال، الضرائب في المغرب وفق أخر التعديلات المدرجة في قانون المالية 2009، الجزء الأول، دار أبي رقراق للطباعة و النشر، الرباط 2009، ص 41.[5]

[6] – زهرة حبو، مرجع سابق، ص 421.

– زهرة حبو، مرجع سابق، ص 425-426 [7]

-سهام محمد ع حسن، أسعار التحويل في الشركات متعددة الجنسية و النظام الضريبي : دراسة مقارنة، مجلة الملك عبد العزيز، الاقتصاد و الإدارة، 1998، ص 223[8]

[9] -Jacques MALHERBRE, Droit Fiscal International, impôts sur les revenus, théorie générale, droit belge, élément du droit comparé, Maison Larcier, Bruxelles, 1994, p 537.

-زهرة حبو، مرجع سابق، ص 427[10]

– زهرة حبو، مرجع سابق، ص 430 [11]

-فاطمة حمدان بحير، الوضع الجبائي للشركات متعددة الجنسية بالمغرب، دبلوم الدراسات العليا المعمقة، الرباط-اكدال، 1992، ص 148-149[12]

[13] – www.froum.kooora.com//ospx ? 25593816/23/01/2012

 

– زهرة حبو، مرجع سابق، ص 430[14]

– زهرة حبو، مرجع سابق، ص 432[15]

– زهرة حبو، مرجع سابق، ص 433[16]

[17] www.france24.com

 

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super