عبثية الإبقاء على نهائية الرسم العقاري المؤسس على تدليس

         

  عبثية الإبقاء على نهائية الرسم العقاري المؤسس على تدليس

عزيز العباسي

طاب باحث في القانون المدني

مقدمة:

             

  يعد العقار محورا أساسيا، لمعظم المعاملات: الإقتصادية والإجتماعية وغيرها، وأرضية صلبة لكل المشروعات المنتجة .بل لايمكن تصور انطلاق أي مشروع كيف ما كان نوعه، إلا بعد التوفر على عقار، هذا الأخير، لا يستطيع أن يقوم بالدور المنوط به، إلا بتوفره على الوضعية المادية والقانونية الثابتة. فنجد أن الإنسان، ونظرا للقيمة التي يمتاز بها العقار،  يرتبط به ارتباطا وثيقا، منذ ولادته إلى مماته، يشكل العقار إذن، علاقة وطيدة مع الأشخاص الذين لا يمكنهم العيش بدونه، وهنا تكمن أهميته لهم، ومدى ارتباطهم به. ويتمثل هذا الإرتباط الوثيق بالعقار، في المكانة المهمة التي يحتلها، وما يوفره من استقرار اجتماعي واقتصادي. ولهذا قد يسعى الإنسان إلى تملك العقار، حتى وإن لم يكن له الحق في ملكيته، لأن حب التملك والإستئثار تبقى غريزة متجدرة فيه، خاصة لما يتعلق الأمر بالملكية العقارية والحقوق المترتبة عنها. لهذا، قد نجد في بعض الحالات يتم اللجوء إلى الوسائل الاحتيالية، بقصد تملك الثروة العقارية، سواء من طرف طالب التحفيظ أو من طرف المحافظ العقاري، وهذا ما يؤدي إلى الإضرار بالحقوق العقارية، ومحو آثارها العينية مع تأسيس الرسم العقاري.هكذا فقد يستغل بعض سيئي النية مقتضيات التحفيظ العقاري، لأجل تثبيت بعض الحقوق العقارية في إسمهم، وحرمان غيرهم من الحق الذي كان مشروعا لهم، ومعه يضيع الحق الأساسي لصاحبه، خاصة وأن نظام التحفيظ العقاري بالمغرب، يقوم على مجموعة من الأسس والمبادئ، أبرزها قاعدة التطهير، والتي تحصن العقار من اي ادعاء بعد تحفيظه، مما قد تضيع معه بعض الحقوق العقارية، اثر إقدام المستفيد من التحفيظ، أو المحافظ العقاري على التدليس، أثناء عملية التحفيظ، فهل استطاع المشرع أن يوفر حماية كافية للحقوق المتضررة بفعل التحفيظ الناتج عن التدليس؟

لمعالجة إشكالية الحماية التي يوفرها ظهير التحفيظ العقاري للحقوق الضائعة بفعل التحفيظ الناتج عن التدليس، ارتأينا أن نقسم الموضوع إلى فصلين، خصص الأول لأثر الطبيعة القانونية للتدليس الوارد في الفصل 64 من ظ.ت.ع. على الحقوق العقارية، في حين خصص  الفصل الثاني لضعف الحماية المقررة لهذه الحقوق.

الفصل الأول : أثر الطبيعة القانونية للتدليس الوارد في الفصل 64 من  ظ.ت.ع.على الحقوق العقارية

يعتبر ظهير التحفيظ العقاري من القواعد الموضوعية والإجرائية للعمليات العقارية، والتي تهدف بالخصوص إلى تثبيت الملك العقاري، ووضع حالة مدنية له، بقصد ضبطه وجعله خاضعا لنظام التحفيظ العقاري، خاصة القسم الثاني من القانون 14.07المتعلق بالتحفيظ العقاري، والقانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية. وحدد المشرع، لجعل العقار محفظا، مسطرة طويلة، يشرف عليها المحافظ العقاري، قد تتعرض للخرق من طرفه او من طرف طالب التحفيظ، بواسطة التدليس الذي يقبر الحقوق العقارية على أصحابها.

أولا: طبيعة التدليس الوارد في الفصل 64 من ظ.ت.ع.

التدليس العقاري ليس هو التدليس المنصوص عليه في الفصلين 52و53 من ق.ل.ع. بحيث يتضح ، أن سوء النية يبقى العنصر الوحيد، الذي يحدد مفهوم التدليس الذي نص عليه المشرع في ظ.ت.ع.، وبالتالي فإن أي عمل يهدف إلى إبعاد المالك الحقيقي لأي حق عقاري، كأن يتم إخفاء وثائق من شأنها أن تعدم هذا الحق، وتمنع ظهوره على الرسم العقاري، مع العلم  بهذا الإبعاد، يكون صاحبه بذلك، قد قام بالتدليس من أجل الوصول إلى هذا الحق، ويلزم بضمانه. وهو بالإضافة إلى اختلافه عن التدليس في الميدان العقدي، يختلف أيضا عن الخطأ الجسيم، الذي لا يمكن تصوره، إلا من المحافظ العقاري وبمناسبة مهامه. ويشكل التدليس المنصوص عليه في الفصل 64 من ظ.ت.ع. بهذا الشكل، مخالفة صريحة للمبادئ الدستورية، ليس فقط في الإعتداء على الملكية العقارية، بل أيضا في عدم الطعن في قرار المحافظ العقاري المؤسس على التدليس، وكما هو معلوم فإن الفصل 118 من الدستور المغربي، وفي إطار مبدأ التقاضي، يجعل جميع القرارات الإدارية قابلة للطعن أمام المحاكم الإدارية، وبما أن قرار المحافظ العقاري قرار إداري، ينبغي أن يخضع بدوره لرقابة القضاء الإداري، خاصة إذا كان مبنيا على تدليس

ثانيا: أثر التدليس على الحقوق العقارية

مما لا شك فيه أن التدليس الذي يلجأ إليه طالب التحفيظ، أو المحافظ العقاري، له نتائجه التي تنعكس على الحقوق العقارية، ولهذا يكون من البديهي أن تتأثر هذه الحقوق من جراء العملية التدليسية، وذلك بتعرضها للتضرر مما يفقد  صاحبها الأصلي الحق فيها. ويتمثل الأثر الذي ينتجه التدليس ضد الحقوق العقارية، في ضياعها على أصحابها، وهذا ما يصطلح عليه بالضرر الذي يأخذ مفهوما خاصا،لكونه يصيب الملكية العقارية، والحقوق المترتبة عليها، ويكون هذا الضرر بالأساس ماديا يتعلق بالذمة المالية العقارية للمتضرر، كما يكون هذا الضرر معنويا يرتبط بمشاعر وأحاسيس المتضرر. والحقوق التي يلحقها الضرر من التدليس تجد سندها القانوني في المادة 9 من مدونة الحقوق العينية، فكل الحقوق العقارية سواء كانت ناتجة عن العقد، أو عن إرادة منفردة، أو غير ذلك، هي التي قد تتعرض للضياع بالمعنى المنصوص عليه في الفصل 64 من ظ.ت.ع. وتتحول لتصبح حقوقا شخصية حسب مقتضيات الفصل السابق الذكر لأن مالك هذه الحقوق لا يمكن أن يطالب بها عينا وهذا خروجا عن المبادئ العامة للقانون ومن بينها أن الحق العيني لا ينشأ ولا بقانون ولا يزال إلا بقانون. وهنا تجدر الإشارة إلى أن بعض الحقوق لا يطالها الضرر من نهائية الرسم العقاري المؤسس على التدليس، كحق الارتفاق مثلا والحقوق المرتبطة بالمياه.

الفصل الثاني : ضعف الحماية المقررة للحقوق المتضررة بفعل التحفيظ الناتج عن التدليس

قد خص المشرع–كما سلف القول- الفصل 64 من ظ.ت.ع.، لمقاضاة مرتكب التدليس، غير أن الظاهر من نص المشرع على دعوى التعويض هذه، هو غياب المطالبة العينية بالحق  العقاري المفقود، والاقتصار على دعوى تعويض شخصية تقوم على أسس ومبادئ دعوى المسؤولية التقصيرية شكلا ومضمونا. هذه الدعوى تبقى ضمانة أصلية للتخفيف من حدة آثار التحفيظ الناتج عن التدليس، وتبقى مع ذلك ضمانة ضعيفة لتعويض المتضرر لأنه تم الإقتصار على دعوى التعويض الشخصية، وأقر المشرع أيضا ضمانات إضافية لتحقيق التعويض المقدر على محددات وأسس تقدرها المحكمة، ومع ذلك لا تستطيع الحد من الأثر السلبي لقاعدة التطهير، لأن حماية الحق العقاري لا تتأتى إلا  بسلك الدعوى التي تناسب الحق المفقود، والدعوى المناسبة هنا هي الدعوى العقارية، وليست الدعوى الشخصية كما أقرها المشرع في الفصل 64 من ظ.ت.ع.

أولا: الاقتصار على دعوى التعويض الشخصية

جعل المشرع دعوى التعويض الشخصية، السبيل الوحيد للحصول على تعويض مقابل فقدان الحق العقاري من جراء تحفيظ نتج عن تدليس، وذلك بموجب الفصل 64 من ظ.ت.ع.، ولهذا فإنه لا يوجد أي مجال للمطالبة بالتعويض العيني الذي يقوم على أساس استرجاع الحق الضائع. ولإثارة الدعوى الشخصية هذه، لابد من سلك مجموعة من الاجراءات والقيام بها قبل سقوطها بالتقادم، ورفعها أمام المحكمة المختصة نوعيا ومجاليا، هذا فيما يتعلق بالإجراءات المسطرية، أما بخصوص الأساس الموضوعي لهذه الدعوى، فقد جعل المشرع الفصل 64 من ظ.ت.ع.، الأساس الظاهر والأول للمطالبة بتعويض الحقوق الضائعة بفعل التحفيظ الناتج عن تدليس، ومع ذلك قال معظم الباحثين في المجال العقاري والقضاء، بالإحتكام إلى قواعد موضوعية أخرى، والمنصوص عليها خاصة في قانون الإلتزامات والعقود، باعتبار أن دعوى التعويض هذه، تم الحسم في طبيعتها القانونية، على أنها دعوى تنبني على أساس المسؤولية التقصيرية، الأمر الذي يسهل تطبيق بعض قواعد هذه المسؤولية المنصوص عليها في ق.ل.ع.،إضافة إلى قواعد أخرى، من قبيل دعوى الإثراء بلا سبب حسب الفصل 66 من ق.ل.ع.، ودعوى استرداد ما دفع بغير وجه حق حسب الفصل 70 من نفس القانون، ولهذا يمكن القول أن الأساس الموضوعي لدعوى التعويض عن فقدان الحق العقاري بسبب التدليس قد يكون بناء على قواعد ق.ل.ع.، أو استنادا للفصل 64 من ظ.ت.ع.، مع العلم أن كل هذه الأسس لا توفر الحماية الكافية للحقوق المتضررة في حد ذاتها باعتبارها عقارية، كما أن المنطق وعدالة القاعدة القانونية تقضي بأن الحق العيني العقاري لا يمكن حمايته إلا بدعوى عقارية.

ثانيا: قصور تقدير التعويض وضمانات الحصول عليه

للحكم بتعويض المتضرر من التحفيظ الناتج عن التدليس، لا بد من الارتكاز على أسس وعناصر موضوعية، تستطيع التقريب من تغطية فقدان الحق العقاري، ولهذا يجب على المحكمة أن تكون حريصة على الملائمة بين الضرر وتعويض الضرر. وبما أن التعويض يبقى تقديرا نقديا فقط، وليس بالتعويض العيني، فإنه يكون من المنطقي ألا يرضى المتضرر بهذا التعويض على أساس أن التعويض العيني هو الأصل. والمحكمة مقيدة بأحكام الفصل 98 من ق.ل.ع. إضافة إلى نوع الضرر في حد ذاته والذي يتعلق بالملكية العقارية، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه مهما كانت قيمة التعويض فإنها لا تكفي لدرئ الضرر، لأن الأمر يتعلق بالمكية العقارية، وأحيانا قد يجد المتضرر نفسه أمام ضررين الأول يتعلق بفقد حقه العقاري، والثاني بتقاعس المحكوم عليه في الأداء، مما يفرض عليه الأمر من جديد اللجوء للقضاء، ولأجل هذه المشكلة، أحدث المشرع المغربي، صندوقا التأمينات بموجب الفصل 100 من ظ.ت.ع.، ليقوم محل المحافظ العقاري في حالة إعساره،ويعوض عند الإقتضاء من يكون قد حرم من حق الملكية، أو من حق عيني آخر نتيجة التحفيظ. هذا الصندوق يتميز بمجموعة من الخصوصيات، تحد من فعاليته، وجدوى قيامه، إضافو إلى محدودية تدخله، والتي تنحصر فقط على المحافظ العقاري، دون المستفيد من التحفيظ.

      خاتمة:

ختاما، سنحاول اقتراح بعض الحلول من أجل ضمان الحماية الحقيقية للحقوق عنوان الموضوع، وفي نفس الوقت الحفاظ على استقرار الملكية العقارية وضمان السلم والأمن القانونيين :

  جعل دعوى التعويض دعوى  عقارية، وتحديد أجل متوسط لممارستها لا يتعدى سنة من تاريخ تأسيس الرسم العقاري، وفي حالة عدم إثارة هذه الدعوى في الأجل المحدد لها يمكن للمتضرر آنذاك، المطالبة بالتعويض الشخصي كما هو منصوص عليه في الفصل 64 من ظهير التحفيظ العقاري.

    إعادة النظر في القرار الوزيري المؤرخ في 4 يونيو 1915، الذي يعطي إمكانية إعادة النظر في الأغلاط والإغفالات والمخالفات التي تطال الرسم العقاري، بحيث كلما ثبت أن حقا من الحقوق العقارية قد ضاع بسبب التحفيظ الناتج عن التدليس، إلا ويعاد النظر في هذا الرسم العقاري بإدخال صاحب الحق عليه

     إذا كان العقار بصفة عامة، وحق الملكية بصفة خاصة، محميا من طرف الدستور نفسه، فإنه من الواجب احترام المقتضيات الدستورية، وهذا الإحترام لا يتأتى إلا بإرجاع الحقوق العقارية الضائعة لأصحابها، ولهذا لا يوجد مانع من التشطيب على المدلس المستفيد من التحفيظ، وتعويضه بصاحب الحق الأصلي في سجل الرسم العقاري، مع الإشارة في هذا السجل إلى الأسباب التي غيرت مركز المستفيد من التحفيظ .

    مراعاة عنصري حسن وسوء النية لدى المستفيد من التحفيظ، وتقرير غرامات مالية إضافية للمدلس سيء النية .

     تقوية تدخل القضاء في مسطرة التحفيظ،  وتكوين قضاة مختصين في المجال العقاري، لأجل الوقوف فعلا عن أسباب تملك العقار والحقوق الواردة عليه

    وفي الأخير جعل التدليس استثناء من قاعدة التطهير استنادا للقاعدة الفقهية المشهورة “ما بني على باطل فهو باطل”، لأنه لا يمكن أن تقبل ملكية قانونية مؤسسة على غش أو سوء نية، وعلى العموم عن تدليس، وإلا أصبحنا نمنح الشرعية لما هو غير مشروع، والإبقاء على نهائية الرسم العقاري المؤسس على التدليس، من شأنه أن يفتح المجال أمام التحايل على الملكية العقارية، ومنه التحايل على القانون باسم القانون.

 

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super