الهيئات القضائية المكلفة بالفصل في نزاعات التحفيظ العقاري

إن الهيئات القضائية المكلفة بالبث في قضايا التحفيظ العقاري، وكذا النزاعات المتعلقة به، هي نفس الهيئات القضائية التي يحددها التنظيم القضائي المغربي والمتمثلة في المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف ومحكمة النقض.

المطلب الأول: المحاكم الابتدائية:

تعتبر المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة للنظر في جميع القضايا المدنية والتجارية والعقارية والاجتماعية، وقضايا الاحوال الشخصية والميراث.

وحسب تنظيم هذه المحاكم فإنه يمكن تقسيمها إلى عدة أقسام حسب نوعية القضايا، وبالرجوع إلى المبادئ العامة نجد بأن الدعاوى التي تحمي الحقوق العينية العقارية تعتبر دعاوى عقارية ويجب إقامتها أمام المحاكم الابتدائية[1].

وبالرجوع إلى ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري نجده يشير إلى اختصاص المحاكم الابتدائية بصفة صريحة للنظر في قضايا التحفيظ العقاري في أكثر من فصل، وعلى سبيل المثال الفصل 32 في فقرته الأخيرة التي جاء فيها:

“… خلال الثلاثة أشهر الموالية لانصرام الأجل المنصوص عليه في الفصل 23 يوجه المحافظ على الأملاك العقارية مطلب التحفيظ والوثائق المتعلقة به إلى المحكمة الابتدائية التي يقع العقار بدائرتها”.

وبما أن المحاكم الابتدائية تعتبر ذات الولاية العامة للفصل في جميع القضايا، فمن البديهي أن تكون جميع الدعاوى والنزاعات المتعلقة بالعقارات المحفظة من اختصاص هذه المحاكم تبعا للفصل 5 من التنظيم القضائي المغربي الذي جاء فيه:

“تختص المحكمة الابتدائية بما فيها المصنفة – إذا نص قانون صراحة على إسناد الاختصاص إلى محكمة غيرها – ابتدائيا او انتهائيا أو ابتدائيا مع حفظ حق الاستئناف بالنظر في جميع الدعاوى طبقا للشروط المحددة بمقتضى ق.م.م. أو ق.م.ج أو نصوص خاصة عند الاقتضاء”.

وعليه يمكن القول بأن محكمة الدرجة الأولى المكلفة بالنظر في النزاعات المتعلقة بالتحفيظ العقاري هي المحكمة الابتدائية التي يوجد العقار في دائرتها.

المطلب الثاني: محاكم الاستئناف ومحكمة النقض:

نص الفصل 9 من الظهير المتعلق بالتنظيم القضائي، في معرض بيانه لطرق الطعن بأن محكمة الاستئناف تختص بالنظر في جميع الأحكام الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الابتدائية وكذا في جميع القضايا الأخرى التي تختص بالنظر فيها بمقتضى ق.م.م. و ق.م.ج. أو نصوص خاصة عند الاقتضاء.

ويمكن أن نستوحي من هذا النص، بأن جميع الأحكام الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الابتدائية في قضايا التحفيظ العقاري بجواز استئنافها لدى محكمة الاستئناف.

حيث أكد الفصل 134 من ق.م.م على هذا الحق حيث جاء فيه:

“استعمال الطعن بالاستئناف حق في جميع الاحوال عدا إذا قرر القانون خلاف ذلك”.

وبالرجوع إلى الفصل 41 من ظهير التحفيظ العقاري نجده ينص صراحة على مبدأ الاستئناف دون اعتبار لقيمة الدعوى أو قيمة العقار، حيث جاء فيه:

“يقبل الاستئناف في موضوع التحفيظ مهما كانت قيمة العقار المطلوب تحفيظه”.

وبالتالي إذا لم يلق حكم المحكمة الابتدائية رضى الأطراف فإن لهؤلاء أو بعضهم اللجوء إلى هيئة أخرى أعلى درجة وهي محكمة الاستئناف قصد إعادة بسط القضية من جديد وتصحيح الحكم الابتدائي إن كان في حاجة إلى تصحيح أو تصديقه إن كانت المحكمة الابتدائية على صواب في حكمها[2].

هذا بخصوص محاكم الاستئناف، أما بخصوص محكمة النقض فمهمتها تنحصر في مراقبة صحة الأحكام الصادرة عن المحاكم مدى قانونيتها.

ولهذا نجد بأن حالات الطعن بالنقض قد وردت على سبيل الحصر طبقا لما جاء في الفصول: 353 و359 و379 من قانون المسطرة المدنية.

وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون الأحكام الانتهائية الصادرة في قضايا التحفيظ العقاري تقبل الطعن بالنقض إذا ما توفرت فيها شروط طلب الطعن، حيث أكد على هذا الحق الفصل 47 من ظهير التحفيظ العقاري الذي نص على أنه:

“يبلغ القرار الاستئنافي وفق الكيفية المقررة في قانون المسطرة المدنية ويمكن الطعن فيه بالنقض داخل الأجل المحدد في نفس القانون”.

وتجدر الإشارة إلى أنه من المستجدات التي جاء بها القانون 14.07 المتعلق بالتحفيظ العقاري اقتصار الطعن القضائي في مادة التحفيظ العقاري على الطعن بالاستئناف والنقض، حيث نص الفصل 109 من هذا القانون على أنه:

“لا تقبل الأحكام الصادرة في مادة التحفيظ العقاري الطعن إلى بالاستئناف والنقض”.

ويتبين من خلال هذا أن الهيئات القضائية المكلفة بالبث في النزاعات المتعلقة بتطبيق نظام التحفيظ العقاري هي المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف ومحكمة النقض، حيث منح المشرع للأطراف حق تتبع الدعوى والطعن في الأحكام الصادرة بشأنها حتى يستنفذوا جميع طرق الطعن المقررة في القانون ويصل الحكم إلى مرحلته الأخيرة لكي يحوز قوة الشيء المقضي به بين أطراف النزاع، ويكتسب الحكم بذلك الدرجة القطعية حيث يصبح نهائيا وقطعيا في آن واحد.

وتجدر الإشارة بأن هذه الهيئات لا ينحصر دورها في النزاعات التي تقع بين طالبي التحفيظ والمتعرضين بل حتى بين طالبي التحفيظ أو المتعرضين والمحافظة على الأملاك العقارية، وذلك في حالة رفض المحافظ لبعض طلبات التحفيظ حيث يحق لطالب التحفيظ أو المتعرض للطعن في قرارات المحافظ إذا كان متضررا منها أمام القضاء.

إلا أن الملاحظ في هذا الصدد أن الطعن في قرارات المحافظ تتجاذبها عدة جهات قضائية فأحيانا تكون الجهة القضائية المختصة هي المحاكم العادية، وأحيانا أخرى تكون الجهة القضائية المختصة هي المحاكم الإدارية، هذا ما سنحاول التطرق إليه في المبحث الثاني.

[1] محمد خيري، قضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، المساطر الإدارية والقضائية، الطبعة الخامسة 2009.

[2] محمد خيري، مرجع سابق.

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super