أساليب وضع وتعديل الدستور

ف ظروف الدول وأحوالها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فتكون طرق وأساليب غير ديمقراطية وهي التي تستبد فيها ارادة الحاكم وحده سواء أن كان ملكا أم إمبراطورا أم ديكتاتوريا ،’ في وضع الدستور ، أو تتلاقى إرادته بإرادة الشعب في صورة عقد وقد سمي هذا الأسلوب بالأسلوب الغير الديمقراطي لأن إرادة الشعب لا تستقل تماما في وضع الدستور .

أو أساليب ديمقراطية في وضع الدساتير وهي التي تستقل فيها إرادة الشعب عن إرادة الحاكم في وضع الدستور أي أن يكون وليد الإرادة الشعبية وحدها.

  • الأساليب الغير الديمقراطية

يتخذ الأسلوب الغير الديمقراطي مظهرين تبعا لانفراد الحاكم في وضع الدستور أو إشراكه مع الشعب في وضعه ففي الحالة الأولى يسمى منحة، والثانية يطلق عليه اسم العقد.

  • صدور الدستور في شكل منحة (الدستور الممنوح)

يكون الدستور ممنوحا إذا استقل الحاكم في صياغته ووضعه بإرادته المنفردة دون أن يشاركه فيه الشعب. ويتحقق ذلك عن طريق تنازل الحاكم بوصفه صاحب السيادة عن بعض سلطاته للأمة في صورة عهود أو مواثيق لا يتصور صدور الدستور في صورة منحة إلا في ظل الأنظمة ذات الحكم المطلق. وهنا يكون الحاكم بناء على هذا الدستور الممنوح قد انتقل من الحكم الملكي المطلق إلى الحكم الملكي المقيد المحدود بما منح من الدستور.

ومن أبرز الأمثلة على هذا النوع من الدساتير:

الدستور الفرنسي الصادر عام 1814 الذي منحه لويس الثامن عشر للشعب بعد عودة الملكية، الدستور الايطالي لسنة 1848. الياباني الصادر سنة 1889، الدستور الروسي الصادر سنة 1906، الدستور المصري لسنة 1923، دستور إثيوبيا 1931.

  • صدور الدستور في شكل عقد

ينشأ الدستور في هذه الصورة عن طريق اتفاق أو تعاقد يتم بين الحاكم والشعب، والدستور بهذا المعنى يعتبر وليد إرادتين: إرادة الحاكم من جانب  والشعب ، الذي يكون ممثلا بمجلس النواب من جانب آخر، ولذا سمي بالعقد ، تعتبر هذه الوسيلة خطوة إلى الأمام في إقرار النظام الديمقراطي، في وضع الوثائق الدستورية.

ومن أمثلة الدساتير التي تمت بطريقة التعاقد:

دستور فرنسا الصادر عام 1830 الذي تم بين الشعب ممثلا ف نوابه ، والملك لويس الذي وافق على مشروع الدستور الذي وضعه نواب الشعب وأقسم على احترامه قبل اعتلائه العرش، حيث صرح في خطاب العرش في يناير 1831 بأننا نبحث عن أسلوب يجعلنا نركن إلى موقف وسط بحيث نبتعد عن تجاوزات الحكم الشعبي وتجاوزات الحكم المدني.

  • دستور اليونان لعام 1944
  • دستور رومانيا الصادر سنة 1861
  • دستور الكويت لسنة 1962

وصدور الدستور بهذه الطريقة يترتب عليه أن الحاكم لا يستطيع أن يسحب الدستور إلا باتفاق بين الطرفين المتعاقدين ، نظرا لكون الدستور قد صدر بتلاقي إرادتي كل من الشعب والحاكم، كما أنه يعتبر أكثر ديمقراطية من الأسلوب السابق.

 

  • الأسلوب الديمقراطي

يقتضي الأخذ بالأسلوب الديمقراطي في وضع الدساتير أن تكون ممارسة السيادة للشعب، حيث يساهم في سلطة صياغة ووضع الدستور، وذلك خلافا للأسلوب الغير الديمقراطي ، فالدستور بهذا المعنى يعتبر من عمل الشعب وحده بوصفه مصدر السلطات ويلتزم به الحكام والمحكومين على السواء ويتم وضع الدستور بمقتضى هذا الأسلوب بإحدى الوسائل التالية: الجمعية التأسيسية ، الاستفتاء الدستوري، مبدأ التوافق والإجماع.

  • وضع الدستور بواسطة الجمعية التأسيسية

وفق هذا الأسلوب ينتخب الشعب رئيس جمعية تأسيسية مهمتها الأساسية وضع دستور للدولة، أي أن الشعب يتولى وضع الدستور بطريق غير مباشر عبر ممثلين ينتخبهم وتكون مهمتهم وضع الدستور للدولة ، أي أنه يجوز تشكيل الجمعية عن طريق التعيين ، كما لا يجوز أن تتولى السلطة التشريعية مهمة وضع الدستور مع أن أعضائها منتخبين من قبل الشعب، لأن مهمة هذه السلطة هي التشريع وسن القوانين، وليست تأسيسية أصلية، كما أنها لم تنتخب لهذه الغاية لوضع الدستور.

هذا الأسلوب يعد تطيقا لفكرة التمثيل في المجال الدستوري، باعتبار أن السيادة للشعب يمارسها عن طريق ممثلين له (الإنابة)، ترجع هذه الوسيلة في أصولها إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد استقلالها عام 1787 حيث تم وضع الدستور هذا من طرف جمعية تأسيسية.

كما اتبعت فرنسا نفس الأسلوب في دساتير 1848 ، 1875، كذلك اتبع هذا الأسلوب بالنسبة لمعظم الدساتير الديمقراطية الحديثة التي ظهرت عقب الحرب العالمية الأولى، حيث كانت من وضع جمعية تأسيسية منتخبة لهذا الغرض مثل الدستور الألماني (دستور فيمار) الصادر سنة 1919 ، دستور النمسا لعام 1920، دستور بولونيا لعام 1921 ، الدستور الاسباني 1931.

كما اتبعت هذه الطريقة في الكثير من الدساتير التي وضعت بعد الحرب العالمية الثانية، الدستور الألباني 1946، دستور يوغوسلافيا 1946، الدستور الايطالي 1948، دستور رومانيا 1948، دستور المجر 1948.

وما يميز هذا الأسلوب أن يكون الدستور نافذا بمجرد وضعه من طرف الجمعية المنتخبة       ( التأسيسية ) دون الحاجة إلى عرضه على الشعب للموافقة عليه. أما إذا كان بحاجة الشعب للتصديق فان ذلك يخرج عن هذا الإطار (أي طريقة الجمعية التأسيسية ).

وتنتهي مهمة الجمعية التأسيسية بمجرد وضع الدستور، باعتبار أنها جمعية منتخبة لفترة زمنية محددة ولمهمة خاصة.

  • وضع الدستور بواسطة الاستفتاء الدستوري

يقصد بالاستفتاء اصطلاحيا إبداء رأي الشعب، بشأن قضية أو موضوع معين قد يكون أساسيا ، دستوريا ، تشريعيا ، أو حتى خاص بالأمور المرتبطة بالعلاقات الخارجية (كالاستفتاء الخاص بشأن معاهدات الاتحاد ) والاستفتاء الذي يعنينا هو الاستفتاء الدستوري ، أو التأسيس كما يطلق عليه أحيانا .

والدستور بهذه الطريقة لا يصبح ساري المفعول إلا بعد الموافقة الشعبية عليه بواسطة

(الاستفتاء الدستوري) مهما كان الجهاز الذي وضع الدستور.

ووضع الدستور عن طريق الاستفتاء الدستوري يتخذ صورتين :

الأولى: أن تقوم جمعية منتخبة خصيصا لإعداد مشروع الدستور على أن يعرض بعد ذلك باستفتاء عام للموافقة عليه، وأبرز مثال على ذلك الدستور الفرنسي للجمهورية الرابعة لعام 1946.

الثانية : أو تقوم لجنة حكومية، بإعداد مشروع الدستور ثم يعرض على الشعب للموافقة عليه، وأبرز مثال على ذلك الجمهورية الخامسة لعام 1958.

أو يضعها الحاكم بمحض إرادته، أو بمساعدة لجنة خاصة، ولكن يبقى أن الأساس في هذا الأسلوب  هو أن تعرض الوثيقة على الشعب ليقول كلمته فيها بالتصويت لصالحها أو يرفضها، هذا ما جرى بالمغرب باستفتاءات 7 ديسمبر 1962، حيث ثم إعداد مشروع الدستور الأول من طرف الملك الحسن الثاني  ونوقش محتواه مع بعض أعضاء الحكومة التي كان قد شكلها بتاريخ 2 يونيو 1961، ومن بينهم علال الفاسي، أحمد رضا كديرة ، المحجوبي أحرضان ، وذلك قبل عرضه على الاستفتاء يوم الجمعة 7 ديسمبر 1962.

 

  • مبدأ التوافق أو الإجماع

هناك ما يسمى بدستور التوافق أو الإجماع كآلية جديدة لوضع الدساتير تجاوزت فيها آليات الوضع التي يقدمها الفقه الدستوري الكلاسيكي ، هذه الآلية قادرة على تمثيل كل مكونات الميثاق السياسي وان احتفظت بصيغ الاستفتاء كإخراج نهائي للوثيقة الدستورية، هذه الآلية تم اللجوء إليها من خلال تجارب الانتقال الديمقراطي لبعض الدول القائم على مأسسة الحوار وعبر الإيمان بمحددات عقلانية المبادئ الإجراءات الدستورية، الإيمان بمفهوم السيادة الشعبيةـ لنكون أمام وثيقة دستورية  كنتيجة لتداول الأطراف حول آلياتها ، فالنص الدستوري اليوم لم يعد نتاجا لسلوك التصويت أو الاستفتاء ولا تجسيدا لثقافة الغلبة أو الانتصار بل مؤسسيا لتنمية مبدأ التوافق التي تلازم طريقة وضع الوثيقة الدستورية بحضور وتمثيل مختلف الأطراف السياسية ومكونات المجتمع المدني.

هناك أمثلة أفرزتها التجارب الديمقراطية لتأطير دستور التوافق أو الإجماع غيرت بشكل كير من شروط ممارسة السلطة التأسيسية من قبيل:

الميثاق الدستوري والتوافق الذي يتأسس انطلاقا من مفاوضات الأطراف السياسية داخل اطار معين يتم بمقتضاه الاتفاق على الحد الأدنى من المبادئ الدستورية تلهم واضعي الدستور النهائي، مع تقيد الأطراف السياسية اشتغال السلطة التأسيسية الأصلية بحدود مرجعية تم الاتفاق عليها في تشكيل مضمون الميثاق الدستوري . وهذا يعني أن الوثيقة الدستورية تحتاج للحوار الدستوري الذي قام ين مختلف الأطراف السياسية ومكونات المجتمع المدني، بحيث كان الدور الوحيد للسلطة التأسيسية إلا الترسيم النهائي للوثيقة الدستورية ومثالنا على ذلك دستور جنوب إفريقيا.

وهناك المفاوضات الدستورية والإخراج الديمقراطي، كالدستور الاسباني لسنة 1978.

 

المطلب الثاني : أنواع الدساتير من حيث التعديل

  • الدستور المرن:

هو ذلك الدستور الذي يمكن وضعه وتعديله بالأصول والأشكال التي توضع وتعدل بها القوانين العادية دون حاجة إلى إتباع طريقة خاصة ، أي ليس هناك تمييز شكلي بين القوانين الدستورية والعادية، كما أن الدساتير المرنة لا تتضمن أي أسلوب لتقييد الحكم من طرف الدستور  ، بمعنى أن المؤسسات لا تتقيد بنصوص أعلى من تلك التي تتكفل بوضعها كما هو الشأن بالنسبة للبرلمان الذي يسن القانون ويستطيع في نطاق الدساتير المرنة تغيير أحكام الدستور دون الخروج عن الطريقة التي يتم بمقتضاها وضع القوانين العادية.

ومن أمثلة الدساتير المرنة : الدستور الانجليزي الذي يعد نموذجا للدساتير المرنة، حيث يستطيع البرلمان الانجليزي أن يغير القواعد الدستورية بنفس الطريقة التي تعدل فيها القوانين العادية، ولقد عبر عن ذلك أحد الكتاب الانجليز وهو السيراموس في مؤلفه الدستور الانجليزي: أن البرلمان يستطيع بين يوم وليلة أن يلغ العهد الكبير ووثيقة الحقوق ويستطيع أن يلغي نفسه أو يسلم الحكم إلى اتحاد نقابات العمال … بنفس الإجراءات التي يتبعها نظام المجلس البلدي لمدينة لندن. ولذلك فان البرلمان الانجليزي يستطيع فعل أي شيء إلا أن يجعل الرجل امرأة أو المرأة رجلا.

كما أن هناك دساتير مكتوبة ولكنها مرنة في نفس الوقت مثل:

دستور فرنسا لعام 1814، 1830.

دستور ايطاليا لعام 1848 هذا الدستور استمد طابعه المرن من عدم وجود أي نص فيه يحدد طريقة تعديله الأمر الذي يعني إمكانية تعديله بنفس الطريقة التي تتم فيها تعديل القوانين العادية .

ونجد اليوم إضافة إلى الدستور الانجليزي المرن أن دولة نيوزيلاندا قد جعلت دستورها لعام 1975 في مرتبة القوانين العادية، والصين التي سمحت لجمعيتها التشريعية منذ 1975 بحق تعديل الدستور بدون شروط أو أغلبية خاصة.

وإذا كان للدساتير المرنة من ايجابيات تتلخص في فكرة سهولة مواكبتها للتطور الذي يعرفه المجتمع السياسي فان سلبياتها تتمثل فيما يلي:

الإقلال من قدسية وهيبة هذه الدساتير لدى الهيئات الحاكمة.

الدساتير المرنة تغري الهيئة التشريعية بإدخال تعديلات عليها قد لا تكون ضرورية.

قد يكون الدافع إلى إدخال تعديلات على الدستور المرن لدوافع شخصية أو حزبية، الأمر الذي قد يؤدي إلى عدم استقرار المؤسسات السياسية وإضعاف مصداقية العمل السياسي.

لذا فالحكم على دستور معين أنه مرن يتوقف على طريقة تعديله، فمتى تماثلت هذه الطريقة مع طريقة تعديل القانون العادي كان الدستور مرنا (أي التماثل بين القانون العادي والقانون الدستوري يكون من حيث الشكل لا الموضوع).

  • الدستور الجامد

يعرف الدستور الجامد بأنه ذلك الدستور الذي لا يمكن تعديله، بإتباع نفس الإجراءات التي تتخذ لتعديل القوانين العادية، وإنما يجب لإجراء التعديل إتباع مسطرة خاصة أكثر تعقيدا وأشد صعوبة في تلك التي تتبع في تعديل القوانين العادية. أي هو الدستور الذي لا يجوز تعديله بقانون أو بالطريقة التشريعية العادية.

يترتب على جمود الدستور أنه يتمتع بنوع من الحصانة في مواجهة السلطة التشريعية عبر مراجعته أو تعديله بقانون عادي، حيث لا يجوز لهذه السلطة أن تتناول الدستور بالتعديل أو حتى بالإلغاء دون إتباع الإجراءات والأشكال التي يقررها الدستور ذاته، أي ينبغي هذه المراجعة بواسطة جهاز خاص أو على الأقل بناء على مسطرة خاصة.

كذلك بالإضافة إلى كون المشرع لا يسمح له في الأنظمة الخاضعة للدساتير الجامدة بمراجعة الدستور، فانه لا يحق كذلك بواسطة قانون عادي أن يخالف نصا دستوريا، وأن فعل ذلك فان القانون العادي هذا يعتبر في هذه الحالة مخالفا للدستور وبالتالي غير دستوري.

وإذا كان من المفروض دائما في الدساتير القابلة للتعديل، لمسايرة مختلف التغييرات التي تطال المجتمعات فالدول على السواء، إلا أنه من الممكن وجود حالات أو ظروف تجعل الدساتير تعرف جمودا مطلقا في جزء منها أو خلال فترة زمنية معينة من جهة أخرى.

 

 

  • الجمود الجزئي المطلق

يقصد بالتنصيص في صلب الدستور على عدم جواز إدخال تعديل على بعض المواد بصفة مطلقة وفي أي وقت من الأوقات ، كمثال على ذلك ما نص عليه الدستور المغربي لسنة 1992 وفق الفصل 100 من الدستور أو الفصل 106 من دستور 1996 ” النظام الملكي للدولة وكذلك النصوص المتعلقة بالدين الإسلامي لا يمكن أن تتناولها المراجعة .”

  • الدساتير الفرنسية لسنوات 1875-1946-1958 حيث تستبعد إدخال أي تعديل على النظام الجمهوري.
  • دستور ايطاليا لعام 1947 حيث لا يمكن أن يكون الشكل الجمهوري محلا للتعديل.

 

  • الجمود المؤقت

في هذه الحالة يسري الجمود المطلق على جميع مواد الدستور، وذلك خلال فترة زمنية، لا يجوز خلالها إجراء التعديل لا يتم قبل مرور فترة زمنية معينة من الزمن حددها الدستور القائم ، والغاية من هذا التحريم هو عدم اللجوء  المستمر لتغيير الدساتير قبل توطيدها، كذلك السماح للمشرع الدستوري التروي قبل الإقدام على تعديل الدستور، فعلى سيل المثال نص الدستور الفرنسي ر1791 على تحريم اقتراح أي تعديل قبل مرور أربع سنوات من تاريخ بداية العمل به.

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super