ملخص حول ضمانات المحاكمة العادلة

       تستمد دولة القانون مشروعيتها من مدى قدرتها على تحصين الحريات وحقوق الأفراد في مواجهة أجهزة العدالة الجنائية، وبهذا المعنى فإن حقوق الدفاع وضمانات المتهم تعد إحدى أبرز تمظهرات خروج الإنسانية من حالة الطبيعة حيث سيادة الفوضى المرتكزة على القوة والغلبة القائمة على السلطة الفردية والجماعية عند اللجوء للقصاص من مرتكب الفعل الجرمي، إلى حالة الثقافة المؤسسة على العقد الإجتماعي الذي يتنازل بمقتضاه الأفراد عن حرياتهم المطلقة  لفائدة الدولة كجهاز يحتكر السلطة واستعمال العنف المشروع في مواجهة الخارجين عن القانون من أفراده. ومتدخلن حق العقاب الخطير، وتحيطه بقيود وضمانات بهدف تأمين حسن استخدامه وتطبيقه وتنفيذه بشكل ينسجم مع ضرورة  المجتمع في الحفاظ على نفسه من جهة وضرورة الحفاظ على حرية وكرامة أفراده من جهة أخرى.

       ومن وجهة  نظر تاريخية يربط الفقه تاريخ ضمانات المتهم بتاريخ نظم الإجراءات الجنائية، ففي مع الفرعونية أصدر أول ملوك الأسرة  التاسعة عشر قانونه الشهير عام 133 ق.م  ودعى فيه القضاة إلى عدم الإختلاط بالجمهور وإقامة العدل وحدرهم من الرشوة، في حين تضمن القانون الروماني بعضا من المبادئ  الأساسية للمحاكمة العادلة وفرض قيودا على سلوك  القائمين على السلطة في معاملتهم للفرد،حيث  أقر قاعدة أن الفرد يرئ  حتى تثبت إدانته، ومنع تقييد حريته واعتقاله احتياطيا إلا في حالة اعترافه بارتكاب الجريمة أو تم ضبطه متسليا بها. مع منح المتهم الحق في الاستعانة بمن يتولى الدفاع عنه.

ضمانات المحاكمة العادلة

في قانون المسطرة الجنائية المقارن

 

       نعتقد أن مجرد التفكير في موضوع “المحاكمة العادلة” قد يطرح أكثر من إشكال، فالأمر يهم “المحاكمة” من جهة أي انطلاق عمل إجرائي غالبا ما يميل بالشخص العادي إلى اعتباره،  وعلى حد قول الفقيه jean pradel[i]  كشيء  تافه،  نسيجا من التشكيلات منعدمة الفائدة،  حيث تصبح معه المسطرة بمثابة عش من المنازعات، ليس من شأنه سوى تشجيع ذوي النيات السيئة  والحيل الخبيثة. بينما ينبغي من جهة أخرى أن تكون هذه  المحاكمة “عادلة” كلنا يعلم أن موضوع العدل البشري ناهيك عن واقع نسبته، فأمر تحقيقه، بل طريقة تصوره  لا يمكن أن تكون واحدة: مادام أن العادل  يقتضي  إحقاق الحق  وإعلان الحقيقة، واكتشاف هذه الأخيرة رهين بالمحاكمة التي لا تتطلب قط من القاضي تطبيق القانون، بل تفعيله والعمل على الإجتهاد في تكييفه مع واقع متغير: ولعلها الحقيقة الأولى  التي تعطي للمحاكمة العادلة أكثر من مفهوم.

       إن المحاكمة العادلة ليست هم القاضي  لوحده  وإن كانت بهذا الوصف تسجل مسؤوليته الكبرى  باعتباره  ضامنا للحقوق والحريات،  بل  هي كذلك وعلى  الخصوص مطلب المتقاضي الذي وانطلاقا من بساطة معرفته باللغة القضائية على تقنيتها،[ii]  اهتمامه سوف لن ينصب سوى على النتيجة التي سوف لن تحتاج  بنظره سوى لمسطرة مبسطة  وإلى  أقصى الحدود،[iii]،  وتدخل  قضائي في وقت مفيد[iv] ولعلها  الحقيقة التي تكرس تعدد مفهوم المحاكمة العادلة.

       الحقيقة الثالثة،  تجعل المحاكمة العادلة خاصة في جانبها الزجري مطلب المجتمع بل سر توازنه ومقياس  تحضره،  فهي  تعنى بالنسبة  له الهامش الضروري  الذي يحميه من خطر الجريمة  الذي يهدده، فأقل تحريف على مستوى تطبيق العدل  يصبح  إنكارا للإنصاف  ومصدرا للظلم.[v]

         هذه الحقائق الثلاث، تجعل قانون المسطرة الجنائية باعتبار مبدئيا  “إطار الأمان” الذي يعول عليه لتحقيق المحاكمة العادلة  في جانبها الزجري أمام  مشكل جوهري يتعلق بالبحث عن توازن مرضي بين مصلحة المجتمع  في  توقيع تعقاب عادل ضد المدنيين، ومصلحة الفرد المتابع، سواء كان مذنبا أم لا، في إمكانية الدفاع  عن نفسه.[vi] صعوبة مثل هذه المهمة التوفيقية هي التي تبرز وبشكل ملموس استمرار البحث عن التنقيات الكفيلة  بتحقيق المحاكمة العادلة في كل بلدان العالم، ليس بهدف التوصل إلى نموذج موحد وهو مرمى يصعب تحقيقه ما دام أنه يرتبط بالإشكالية الكبرى “إشكالية القانون والواقع” بل إن الفكرة المحورية تهم البحث عن الهامش الضروري لتحقيق هذه المحاكمة العادلة: وهذه تجرنا إلى الحديث عن الضمانات الذي  سيعالج موضوع هذا العرض من الثلاث الحديث عن المبادئ الأساسية لضمان المحاكمة العادلة وكذا الحديث عن مختلف الضمانات التي خولها المشرع خاصة للمتهم خلال مختلف مراحل الدعوى.

       الفكرة الأولى: ضمانات المحاكمة العادلة في إطار مبدأ الفصل بين الوظائف القضائية

       لقد تساءل بعض الفقه الجنائي[vii]  عن إمكانية اعتبار مبدأ المراقبة المتبادلة المسموح بممارسته لكل سلطة قضائية على الأخرى إحدى أهم الضمانات لحسن سير العدالة؟

       ما من شك، يجيب البعض الآخر،[viii]  في أن الفصل بين الوظائف القضائية، يعتبر فرصة لخلق نوع من المراقبة بينها، إذ يمكن بواسطة ضبط تعسف البعض بمظاهر الحذر التي يمكن أن يبديها البعض الآخر.

       وهكذا، فإن البحث عن أحسن طريقة للقيام بوظيفة العدل يقتضي توزيعها لمهامه بين قضاة مختلفين يقوم كل واحد منهم بجانب منها دون الجوانب الأخرى، بحيث يتكرس البعض للاتهام والمتابعة، والبعض للتحقيق والبعض الآخر للحكم[ix]. فقضاء الحكم يعتبر مستقلا عن مؤسسة النيابة العامة حيث لا تملك هذه الأخيرة أن توجه له أوامر، أو أن تلزمه بالحكم وفق اتجاه معين، بحيث إذا صدر الحكم خلافا لملتمساتها، لا يبقى لها سوى ممارسة طرق الطعن أمام محكمة أعلى.

       وتأكيدا لما ذكر، تنص مقتضيات المادة 40 م، ج، م وبعد في المقطع الخامس منها على أن وكيل جلالة يطالب بتطبيق العقوبات المقررة في القانون، يأتي المقطع الذي يليه لينص على أن وكيل جلالة الملك “يطالب” بتطبيق العقوبات المقررة في القانون، يأتي المقطع الذي يليه لينص على أن وكيل جلالة الملك يستعمل عند الاقتضاء وسائل الطعن ضد ما يصدر من مقررات.

       أيضا لا يمكن لممثل النيابة العامة الذي أثار المتابعة أن يكون عضوا مشكلا لهيئة قضاء الحكم المنتصبة لمحاكمة الشخص الذي تابعه. هذا التنافي ينتج عن طبيعة الوظائف وكذا المبادئ التي لا تسمح للقاضي بأن يكون وفي نفس النازلة قاضيا وطرفا متابعا.[x]

         هذه الضمانة الأولى المعترف بها سواء في القانون المغربي أو الفرنسي لمن شأنها أن تنطلق بالمحاكمة الوجهة الصحيحة ملف الدعوى الزجرية، فإثارة المتابعة تعني الإنتصاب طرفا في الدعوى، وهذا يتنافى بداهة مع مبدأ الحياد الذي ينعم به المتهم طيلة مسطرة المحاكمة يلزم النيابة العامة بتقديم الحجج الكافية لتأسيس المتابعة، وهذه أيضا إن كانت تبرر من جهة إبعاد النيابة العامة عن الحسم في وسائل الإثبات، فهي تعزز من جهة أخرى مركز المتهم إزاء خصم ذو امتياز.

       مع ذلك، يدخل على هذا المبدأ المتمسك به بقوة بعض الاستثناءات القليلة، مثال ذلك تخويل قضاء الحكم إمكانية وضع يده مباشرة على الجرائم المرتكبة بالجلسة (المواد من 359 إلى 361 م.ج.م والفصول من 675 إلى 678 م. ج. ف) هذا الاستثناء وإن كان بعض الفقه الفرنسي يحاول تبريره بهدف ربح الوقت، ،[xi] فهو مع ذلك يشكل موقفا خطيرا بجب أن يؤخذ بحذر شديد، ولعله المبرر الأساسي الذي دفع بالمشرع الفرنسي الحديث وانطلاقا من احترام قاعدة نزاهة القاضي وتجرده، وانسجاما كذلك مع اتجاه الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان إلى التدخل بقانون 4 يناير 1993 مستحدثا استثناء يحد من إطلاق القاعدة المذكورة: حيث يسجل احتياطه الكامل بخصوص جنحة الإهانة الواقعة على القاضي داخل الجلسة (الفصل 434-24 ق.ج حديث) والتي تعطي الحق فقط لإعداد محضر بذلك من طرف رئيس الجلسة الذي يحيله على ممثل النيابة العامة، مع منع القضاة الحاضرين بالجلسة التي اقترفت فيها الجنحة من الانضمام إلى هيئة الحكم التي ستبت في الأفعال المرتكبة (الفصل 677 ف. 3. م. ج.ف)[xii]

         أما بخصوص استقلال قضاء الحكم عن قضاء التحقيق فمعناه أولا أن القاضي الذي تدخل وبصورة حقيقية في مرحلة التحقيق ليس بإمكانه الانضمام إلى الهيئة التي ستقوم بمحاكمة الشخص الذي سبق وأن حقق معه [xiii] راجع المادة 52 من القانون الجديد للمسطرة الجنائية المغربية فقرة أخيرة.

       فمخافة من أن يقع تأثير توجه هيئات التحقيق على قرار قضاء الحكم، أن يقع توجه هيئات التحقيق على قرار الحكم، يعتمد القانونان المغربي والفرنسي على نوعين من القواعد: من جانب لابد تحديد ملف التحقيق بتقييد مداه بجلسة التحقيق النهائي حيث تبقى لقضاة الحكم حرية تغيير تكييف الأفعال كما وقع تأكيدها من طرف هيئات التحقيق: وعلى هذا الأساس تنص المادة 432 م.ج.م على أنه” لا ترتبط غرفة الجنايات بتكييف الجريمة المحال عليها، ويجب عليها أن تكيف قانونيا الأفعال التي تحال إليها وأن تطبق عليها النصوص الجنائية المتلائمة مع نتيجة بحث القضية بالجلسة.

       غير أنه إذا تبين من البحث المذكور وجود ظرف أو عدة ظروف مشددة لم تضمن في القرار بالإحالة، فلا يجوز لغرفة الجنايات أن تأخذ بها إلا بعد الاستماع لمطالب النيابة العامة ولإيضاحات الدفاع”.[xiv]

       ولا نملك هنا إلا أن نسجل الأهمية الحيوية لهذه القاعدة التي تجعل قضاء الحكم، وكما يعتبر ذلك الفقيه Jean claude Soyer[xv] أسياد تكييفهم، بحيث لهذه الهيئة المذكورة باليد العليا لتصحيح وصف الأفعال حتى يتمكن الأطراف وخاصة منهم المتهم من تهيئ دفاعهم وفق استراتيجية كفيلة بمواجهة اتهام واضح لا لبس فيه.

       من جانب آخر يمنع على القاضي الذي شارك في تحقيق القضية أن يشارك بعد  ذلك في الحكم: فمقتضيات المادة 52 م.ج.م[xvi] تنص على أنه:

       “……..لا يمكن لقضاة التحقيق، تحت طائلة البطلان، أن يشاركوا في إصدار حكم في القضايا الزجرية التي سبق أن أحيلت إليهم بصفتهم قضاة مكلفين بالتحقيق”.

       الفصل الثاني: الضمانات المخولة للمتهم أثناء المصالحة

       الفقرة الثانية: ضمانات المحاكمة العادلة وبعض السمات المميزة لمسطرة الجلسة.

       بالفعل تعتبر مسطرة الحكم بالجلسة في المادة الجنائية المرحلة النهائية لدعوى سبق وأن عرفت أطوارا من قبل:[xvii] إلا أن المسطرة المتبعة بالجلسة من طرف هيئة قضاء الحكم تتسم بسمات أساسية تجعلها مختلفة عن المراحل السابقة،حيث يبقى التحقيق النهائي بالجلسة خاضعا لمسطرة ذات طابع اتهامي إذ يتميز بشفويته، علنيته وحضوريته باستثناء بعض الحالات.

       إن شفوية مسطرة الجلسة تهدف إلى المحافظة على السمة الحية والفعالة لمناقشة الحجج، هذه القاعدة تشتق من مبدأ الإقتناع الوجداني الذي يهيمن على المفهوم الحديث للحكم في المجال الزجري، حيث لا يمكن للقاضي أن يكون رأيه إلا بالاعتماد على الحجج التي قدمت بصفة مباشرة وفورية بالجلسة بالجلسة، ويعتبر من تطبيقات الشفوية ما يتطلبه القانون من ضرورة أداء الشاهد شهادته شفويا أمام هيئة الحكم، وذلك حتى ولو كان قد أدلى بها من قبل لدى ضباط الشرطة  القضائية أو قاضي التحقيق، وقد منع القانون على الشاهد أن أثناء الجلسة بتلاوة أو تصفح وثائق مكتوبة إلا بصفة استثنائية وبإذن من الرئيس وذلك حفاظا على عفوية التصريح الشفاهي وحيويته، كما فرض على رئيس الجلسة أن يفسح المجال لأطراف الدعوى (المتهم والنيابة العامة والمطالب بالحق المدني) لكي يعقبوا شفويا على الشاهد ويوجهوا إليه أسئلة حول تصريحاته عند الاقتضاء (المادة 337 م.ج.م)[xviii]

       بعض الفقه المغربي[xix]  يؤكد على أن خاصية الشفوية ليس منصوصا عليها صراحة من طرف المشرع المغربي، ولكن هناك بعض التدقيقات المفسرة والخاصة ببعض عناصر المرافعة تؤكد أنها تشكل مبدأ أساسيا: مثال ذلك مقتضيات المادة 287 م.ج.م[xx]

[i] Pradel (jeanà, procédure pénale, paris ed, CUJAS, 5 éme édition, 1990, p : 14

[ii] Ce vocabulaire,  qu’il vaudrait mieux appeler juridique, s’éloigne en effet du langages courant. Le droit et la procédure qui est la forme de sa mise en ouvre…….

[iii] DRISSI ALAMI MACHICHI  (Mohammed) procédure pénale, casablanca, imprimerie KAMAE, 1981, P : 7

[iv] La justice et  ses instice et ses institution , op, cit , p/ 108

[v] BRILLON, yves, attitudes du public face à la justice  pénale et vision du monde , RSc.C N° 3, juill/sept 1984, P : 479.

[vi] Rassat (michéle – laure), procédure pénale, paris, collection droit fondamentale, puf, 2éme édition, 1995. p : 14

[vii] – la justice et institutions, op, cit/ p/ 235.

[viii] – PRADEL Jean, procédure pénale, op, cit p/ 21

[ix] –  محمد الإدريسي العلمي، المسطرة الجنائية، الجزء الأول، المؤسسات القضائية، الرباط، مطبعة المعارف الجديدة، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، 1991، ص: 49.

[x] -VARINARD, andré et PRADEL jean les grands arréts du droit criminel, Tom II : le procés- La sanction, paris, ed, sitrey, 3éme édition, 1992, p : 148.

[xi] -RASSAT (Michéle-laure), procédure pénale, op.cit/ p : 170

[xii] -ibid, p : 171

[xiii] – la justice et ses institutions, op. cit. p : 263

[xiv] – ما ورد في الفصل 487 م.ج حلت المادة 432 من أن غرفة الجنايات غير المرتبطة بوصف الجريمة المحالة عليها، لا ينص بالاقتصار في ذلك على الجنايات، بل أمره معمم يشمل كل قضية معروضة عليها سواء كان موضوعها جناية أم جنحة” القرار 7092، صادر بتاريخ 8 نونبر 1993، ملف جنحي 19081، مجموعة قرارات المجلس الأعلى ـ المادة الجنائية ـ المرجع السابق، ص: 664.

[xv] –  SOYER (Jean-claude), Manuel du droit pénal et procédure pénale, L.G.D.J 8 éme 1990, P : 72

[xvi] -art 49 C.F.P.F. « …il-le juge d’intruction –ne peut à pénale, pris L.G.D.J 8éme Edition, 1990, P : P : 72

[xvii] – محمد عياط، دراسة المسطرة الجنائية المغربية، الجزء الثاني، البحث التمهيدي ـ التحقيق الإعدادي ـ الاختصاص والمحاكمة، الصفحتان 270 و 271.

[xviii] – محمد عياط، دراسة المسطرة الجنائية المغربية، الجزء الثاني، البحث التمهيدي ـ التحقيق الإعدادي ـ الاختصاص والمحاكمة، الصفحتان 270 و 271.

[xix] – DRISSI ALAMI MACHICHI (mohammed), procédure pénale, op, cit, p : 297

[xx] – art. 427 C.P.F

« le juge ne peut fonder sa décision que sur des preuves

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super