السكـــــــــــن الاقتصادي بالمغرب بين النص والممارسة

 

خلف الضغط الديمغرافي الذي شهده المغرب انعكاسات مباشرة على جميع مناحي الحياة الحضرية. وإذا كانت المشاكل الناجمة عن ذلك متداخلة ومتشعبة، فإن السكن بالمدن المغربية أضحى من بين أحد معالمها الرئيسية، ما دام يشكل حقا من حقوق الإنسان.

لقد ساهم التكدس الكبير للسكان داخل المدن، في تنوع النسيج الحضري، وفي تنوع أشكال إنتاج واستهلاك المجال، وتعدد المتدخلين، سواء كانوا أشخاصا أو مؤسسات، وكذا في ارتفاع كثافة الأحياء وتعدد وتوسع المجالات غير اللائقة وغير القانونية.

مما تسبب في أزمة سكنية خانقة لاسيما في مجموعة من الحواضر المغربية الكبرى، وبالتالي بداية التفكير لإيجاد الحلول المناسبة لها.

وقد مرت تدخلات الدولة في مجال السكن بمجموعة من المحطات التاريخية وبرامج الإسكان باعتماد مقاربات عدة لتجاوز أزمة السكن بالبلاد وتوفير السكن اللائق للأسر المغربية خاصة بالنسبة للطبقات المتوسطة والفقيرة.

غير أن السياسات العمومية المتبعة في هذا المجال عرفت مجموعة من الإخفاقات المرتبطة بعدة عوامل موضوعية وذاتية حالت دون تحقيق كل الأهداف المسطرة لها، بالإضافة إلى غياب نظرة شمولية حول السكن بصفة عامة والعجز المتراكم باستمرار بالمقارنة بما ثم تعبئته من وعاء عقاري لهذه السياسة.

ومن أهم البرامج التي اعتمدتها السلطات الوصية على الإسكان والتعمير في هذا، هناك برامج السكن الاجتماعي كآلية من آليات امتصاص الطلب المتزايد على السكن اللائق.

غير أن الإشكالية المطروحة هي: مدى تحقق الأهداف المسطرة في إطار برامج السكن الاجتماعي؟ والاكراهات التي تواجه هذه البرامج السكنية؟

لمعالجة هذه الإشكالية ننطلق من التصميم التالي:

المبحث الأول: السياق التاريخي لظهور السكن الاجتماعي بالمغرب

  المطلب الأول: مرحلة مابين الحماية الفرنسية إلى سنة 1993

   المطلب الثاني:  مرحلة مابين 1993 إلى الآن

المبحث الثاني: أهداف تنمية برامج السكن الاجتماعي والاكراهات التي تواجهه

   المطلب الأول:  أهداف تنمية برامج السكن الاجتماعي

   المطلب الثاني:الاكراهات والتحديات التي تواجه السكن الاجتماعي

خاتمــــــــة 

 

 

المبحث الأول: السياق التاريخي لظهور السكن الاجتماعي بالمغرب

  المطلب الأول: مرحلة مابين الحماية الفرنسية إلى سنة 1993

خلال الفترة ما بين 1912 و 1956 ، ركزت السلطات الاستعمارية عملها على التفريق بين سكن المعمرين والمغاربة من خلال خلق مجموعة من المدن الجديدة المرتبطة أساسا باستغلال الثروات الوطنية المعدنية  والبحرية: لوي جونتي )اليوسفية(، بوتي جان )سيدي قاسم(، بور ليوطي )القنيطرة(، مازاغان الجديدة، موغادور )الصويرة(، فضالة )المحمدية(….  وبالموزاة مع هذه المدن الجديدة تم بناء أحياء جديدة بالمدن القديمة لكنها منفصلة عنها كما هو الشأن بالنسبة لمدن مكناس، فاس، وجدة، الدار البيضاء/ كوتيي ومراكش/ كليز… وخلال هذه المرحلة بدأت تظهر أولى أحياء الصفيح بالدار البيضاء، القنيطرة، فاس ومكناس…خصوصا مع تدفق المهاجرين القرويين والطلب المكثف على اليد العاملة في قطاعات الصناعة والبناء والأشغال العمومية.

ومن الاستقلال إلى سنة 1972 :عمليات محدودة وظرفية خلال هذه المرحلة تركزت جهود السلطات العمومية في المغرب المستقل على ضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي ووضع البنيات المؤسساتية والإدارية والإنتاجية الأساسية. فيما يخص السكن الاجتماعي قامت السلطات الإدارية ببعض العمليات المحدودة والظرفية التي أشرفت عليها مديرية السكنى والتعمير بوزارة الداخلية ومن بينها إعادة بناء مدينة أكادير بعد زلزال 1961 .هذه المرحلة عرفت تناميا في الهجرة القروية وتوسع أحياء الصفيح التي كانت تمثل سنة 1971ما نسبته 23 % من السكن الحضري.

 

ما بين سنت 1973 و 1993 خلق مؤسسات عمومية للسكن ويمكن اعتبار هذه المرحلة حاسمة بالنسبة لقطاع السكنى والتعمير. فلمواجهة الوضعية الخطيرة التي كانت تتراءى

للعيان، قررت السلطات العمومية ولأول مرة وضع بنيات مؤسساتية ملائمة ونصوصا قانونية وبرامج متوسطة وبعيدة المدى لمحاربة السكن غير اللائق والقضاء على أحياء الصفيح. وهكذا تم إحداث المؤسسات الجهوية للتجهيز والبناء سنة 1974 ، الصندوق الوطني للسكنى سنة 1974 ، الوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق سنة 1984 ، الشركة الوطنية للتجهيز والبناء سنة 1987 ، الشركة العقارية «التشارك » سنة 1988 )لمعالجة مشكل كاريان بنمسيك بالدار البيضاء(. في هذه الفترة تم إطلاق أولى عمليات إحصاء أحياء الصفيح ووضع استراتيجيات للتمويل من خلال القرض العقاري والسياحي وخلق إطار قانوني جديد في مجال التعمير وتنظيم مهن قطاع السكن وخلق أول جمعية للمنعشين والمجزئين العقاريين بالمغرب سنة 1988 وإطلاق مفاوضات مع القطاع البنكي سنة 1990 لدمج تمويل السكن الاجتماعي في القروض البنكية.

من خلال هذه العمليات والإجراءات وبشراكة مع المؤسسات المعنية تم الحد من انتشار أحياء الصفيح وخفض نسبتها إلى % 23 من السكن الحضري كما تمت ملاحظة ذلك في الإحصاء العام للسكان والسكنى سنة 1971 ، ثم إلى % 8 سنة 1994 ، لكن دون القدرة

على القضاء عليها نهائيا، وذلك بسبب تنامي وتيرة الهجرة القروية ودمج مناطق قريبة في المدار الحضري للمدن وتحويل العديد من المراكز المحددة إلى بلديات، مما غطى بشكل كبير على المجهود الذي أنجز خلال هذه المرحلة.

 

   المطلب الثاني:  مرحلة مابين 1994 إلى الآن

أمام استفحال ظاهرة السكن غير اللائق ونتائج الأزمة الاقتصادية وتنفيذا لتوصيات برنامج التقويم الهيكلي، قرر الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله في مارس 1999

إعطاء الانطلاقة لأول برنامج وطني لبناء  200ألف سكن اجتماعي بمساعدة الدولة من أجل تمكين الأسر ذات الدخل المحدود من الولوج إلى الملكية في ظروف ملائمة.

في هذا الصدد، قامت الحكومة بوضع العديد من التحفيزات لمصاحبة إنجاز برامج السكن الاجتماعي عبر منح امتيازات جبائية مهمة تتمثل في الإعفاء الشامل من الضرائب والرسوم المستحقة سواء للدولة أو الجماعات المحلية لفائدة المنعشين العقاريين الذين يلتزمون بإنجاز برامج للسكن الاجتماعي الذي لا تتعدى مساحته 100 م 2 ولا تتجاوز

قيمته 200.000 درهم. بلغ عدد الاتفاقيات المبرمة إلى غاية شهر دجنبر 2010 ما مجموعه 91 اتفاقية تم بموجبها إنجاز قرابة 180.000 سكن اجتماعي.

أما فيما يتعلق بالآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع فتتلخص في :

  • توفير معدل إنتاج سنوي يقارب 18.000 مسكن اجتماعي وتمكين الأسر ذات الدخل الضعيف من الولوج إلى الملكية والوقاية من انتشار السكن غير اللائق،
  • كون 77 % من المساكن تم اقتناؤها من طرف أسر لا يتجاوز دخلها الشهري 4000 درهم،
  • خلق نسيج مقاولاتي مهيكل والمساهمة في تحسين إطار تدخل المهنيين والعمل على توسيع قاعدة القطاع المنظم.

من سنة 2002 إلى اليوم:

عرفت هذه الفترة تكريس السكن الاجتماعي كمكون أساسي ضمن الاندماج الحضري والاستقرار الاجتماعي من خلال ضمان الولوج المكثف للأسر المعوزة إلى الملكية. وقد تأتى ذلك بفضل عدة أوراش تم فتحها، منها برنامج مدن بدون صفيح، توفير منتوجات جديدة للسكن الاجتماعي وخلق أقطاب حضرية للنمو لتكون قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. كما تمت مواكبة هذه التدخلات البنيوية بمجموعة من التدابير كتجميع المؤسسات العمومية العاملة تحت وصاية وزارة الإسكان في قطب واحد يتمثل في مجموعة العمران التي تضم فروعا جهوية بعدما تمت إعادة رسملتها وتوجيه أنشطتها، وإنشاء مدن جديدة ومناطق تعمير جديدة لتخفيف الضغط على المدن الكبرى والإستجابة للطلب المتزايد على السكن، وسن ترسانة قانونية لتأهيل وتطوير القطاع، وتغطية مجموع التراب الوطني بالوكالات الحضرية، إضافة إلى دعم الطلب على السكن

من خلال إحداث صناديق الضمان )فوكاريم  وفوكالوج…(. كما ستعرف هذه الفترة فتورا في إنتاج السكن الاجتماعي في صيغته الأولى ) 200.000 درهم(  اعتبارا لارتفاع أثمنه العقار ومواد البناء والمقاولة. سنة 2009 صاحب الجلالة يعطي توجيهات لإقلاع جديد للسكن الاجتماعي بمواصفات وشروط جديدة تروم ضمان سكن كريم للفئات العريضة من المجتمع المغربي وأظهرت النتائج الأولى لسنة 2011 انخراطا ونجاحا كبيرين لهذا الورش الجديد.

 

المبحث الثاني: أهداف تنمية برامج السكن الاجتماعي والاكراهات التي تواجهه

   المطلب الأول:  أهداف تنمية برامج السكن الاجتماعي

تهد ف عمليات تنمية برامج السكن الاجتماعي لتحقيق مجموعة من الأهداف الأساسية من أهمها:

  • تقليص العجز المتزايد في مجال السكن؛
  • توسيع نطاق إمكانية التملك والإيجار لدى الأسر الضعيفة الدخل؛
  • محاربة السكن غير اللائق من خلال اعتماد مقاربات جديدة ترتكز على إرساء شروط تنافسية جهوية وإضفاء الطابع الجهوي على برامج محاربة السكن غير اللائق بالإضافة إلى اللجوء إلى الإجراءات التي تهدف إلى التنظيم الحضري داخل أحياء السكن العشوائي، وتبني قانون حول الشراكة لمحاربة هذا الأخير؛
  • الانتقال من تدبير المشاريع إلى تدبير المشروع الحضري من خلال مجموعة من الإجراءات أهمها، مرونة وثائق التعمير وإعادة توجيه نشاط الوكالات الحضرية وتنمية مدن جديدة وإعادة توجيه تمدين الحواضر الكبرى وإحداث وثائق جديدة للتنمية القروية أكثر مرونة بالإضافة إلى عقد برنامج مع المنعشين العقاريين والأبناك؛
  • التدخل على الصعيدين القانوني والعملياتي؛
  • إعادة إسكان أو إيواء الساكنة المعنية بهدم مساكنها؛
  • الاستجابة لطلبات الإيواء بالوسط القروي داخل المراكز الصاعدة؛

 

 

 

   المطلب الثاني:الاكراهات والتحديات التي تواجه السكن الاجتماعي

رغم ما حققه المغرب من نتائج مهمة في مجال السكن الاجتماعي، بمختلف المدن والحواضر الكبرى بالإضافة إلى بعض المراكز والمدن الجديدة، إلا أن ذلك يصطدم في الكثير من الأحيان بالعديد من التحديات والإكراهات التي قد تنعكس سلبا على مستوى تحقيق الأهداف المسطرة في برامج السكن الاجتماعي ومحاربة السكن غير اللائق، ومن أهم هذه الإكراهات ما يلي:

  • النقص الحاصل في الوعاء العقاري وما يشكله ذلك من عبء إضافي في التكلفة المالية لبرامج السكن الاجتماعي وجودتها؛
  • غلاء العقار المملوك من طرف الخواص وقلة العقار المملوك للدولة، مما يزيد من فاتورة انجاز برامج السكن الاجتماعي وطول مدة انجازها وتجاوز الحيز الزمني المسطر لها في الوقت الذي يتزايد الطلب على السكن؛
  • انتشار ظاهرة المضاربة في مجال العقار، واستغلال بطء المساطر الإدارية وتعقدها في مجال التعمير من طرف المضاربين العقاريين، وبالتالي تعثر عمليات انجاز البرامج السكنية في مواعيدها المحددة؛
  • الهجرات المتتالية من البوادي نحو المدن، تشكل أحد أبرز التحديات التي  تزيد من حدة الطلب على السكن اللائق، إذ أن نسبة السكان الذين يعيشون في الوسط الحضري وشبه الحضري، يبلغ حاليا 65 في المائة، ومن المتوقع أن يشكل عدد سكان المدن  70 بالمائة  في أفقِ 2020.
  • إشكالية تأمين المرافق الأساسية للمدن الجديدة في المواعيد المحددة لذلك، لضمان الخدمة العمومية لقاطنيها؛
  • تنامي آلاف الدور بعد القضاء على “البراريك” لأسباب مختلفة؛
  • إشكالية احترام المنعشين العقاريين لدفتر التحملات فيما يتعلق بمواصفات الجودة لإنجاز سكن اجتماعي يستجيب لتطلعات الزبناء؛
  • تحريف اختصاصات الجماعات المحلية وتهاون بعضها في ميدان محاربة السكن غير اللائق؛
  • سوء تسيير بعض المؤسسات العمومية المعنية بالسكن وعدم الدقة في تقدير جدوى بعض المشاريع السكنية، وبالتالي عدم فعاليتها في الإنجاز السريع

 

خاتمــــــــة

إن سياسة السكن الاجتماعي بالمغرب، من بين أهم البرامج السكنية التي طرحتها الوزارة الوصية على التعمير والاسكان، حيث أن السكن الاجتماعي ساهم في انتقال المئات من الأسر إلى  سكن لائق تتوفر فيه مجموعة من  الشروط الصحية الأساسية.

غير أن وثيرة التدخل عبر برامج السكن الاجتماعي بالمدن المغربية يعرف تفاوتا كبيرا من حيث الجودة ونوعية المنتوج أمام المستفيدين، مما يخلق تباينا  في مجال محاربة السكن العشوائي ولا يحد من الطلب المتزايد على هذا النوع من السكن.

كما أن التحفيزات المعطاة للمنعشين العقاريين  المتدخلين في مجال السكن الاجتماعي خاصة الإعفاءات الضريبية، لا يوازيها إتقان في وحدات السكن الاجتماعي ما يطرح السؤال حول مدى أهمية هذه الحوافز في السياسة العمرانية بصفة عامة بالمغرب.

 

لائحة المراجع

  دليل التعمير؛

  • الظهير الشريف رقم 1.92.31 بتاريخ 15 من ذي الحجة 1412 الموافق لتاريخ 17 يونيو 1992 بتنفيذ القانون رقم 12 المتعلق بالتعمير في الجريدة الرسمية عدد 4159 بتاريخ 15 يوليوز 1992  الذي ألغى و عوض ظهير 7 من ذي القعدة 1371 ( 30 يونيو 1952)
  • الظهير الشريف رقم 1.92.7 بتاريخ 15 من ذي الحجة 1412 الموافق لتاريخ 17 يونيو 1992 بتنفيذ القانون رقم 90.25 المتعلق بالتجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات في الجريدة الرسمية عدد 4159 بتاريخ 15 يوليوز 1992 الذي ألغى و عوض ظهير 30 شتنبر  1953 المتعلق بالتجزئات  و تقسيم العقارات.
  • تقارير المنتديات الجهوية حول سياسة المدينة؛

Direction de l’Habitat Social et des affaires foncières, Secrétariat d’Etat à l’Habitat, 1999. Etude relative à la résorption de l’habitat insalubre. Redéfinition des méthodes d’intervention. Analyse et diagnostic, Rapport transversal. Ministère de l’Aménagement du Territoire, de l’Environnement, de l’Urbanisme et de l’Habitat . Royaume du Maroc.

 

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super