المقتضيات القانونية الموجبة لمسائلة الموثق جنائيا وفق قانون 32.09

 

 المقتضيات القانونية الموجبة لمسائلة الموثق جنائيا  وفق قانون 32.09

إن الموثق عند ممارسته لعمله قد يرتكب خطأ يستوجب مسائلته وفق القانون المنظم للمهنة. كون مهنة التوثيق من المهن القانونية المنظمة  بدقة, والتي تعتمد في تنظيمها على مرجعية قانونية تتمثل في القانون الأساسي للمهنة من خلال القواعد القانونية المنظمة لمهنة التوثيق بالإضافة الى ما يعرف بأعراف المهنة و تقاليدها و أدبياتها الناجمة عن دور مهنة التوثيق في حماية الحقوق و الأموال و استقرار المعاملات.

    فقد عمل القانون على حماية الموثق و الحفاظ على حقوقه سواء في التشريع السابق المتمثل في ظهير 4 ماي 1925 أو التشريع الحالي ظهير رقم 1.11179 الصادر بتاريخ 22 نوفمبر 2011 بمثابة قانون 32.09

    وكذلك قد يقتضي الحال أحيانا مسائلة الموثق جنائيا وفق مقتضيات القانون الجنائي و ذلك عند وجود خطأ توثيقي معاقب عنه زجريا.

    والحديث عن الجرائم المتعلقة بالموثق و التي توجب مسائلته جنائيا يقتضي التطرق لأبرز الجرائم الواردة في القانون الجنائي وأيضا تلك الواردة في قانون التوثيق.

 

أولا : الأفعال الموجبة لمسائلة الموثق جنائيا طبقا لمقتضيات القانون الجنائي

      إن المسؤولية الجنائية للموثق تتطلب قيامه بأفعال إجرامية معاقب عليها وفق مقتضيات القانون الجنائي، ولقيام هذه الجرائم لابد من توافر أركان الجريمة العامة و التي تتمثل في الركن الشرعي و المادي و المعنوي، بالإضافة الى الأركان الخاصة التي تختلف من جريمة الى أخرى.

   و الجرائم التي سيتم التطرق لها في هذا المطلب هي جرائم التزوير، النصب، إفشاء السر المهني، و جريمة الغدر و الاختلاس و خيانة الأمانة.

   جريمة التزوير

 المشرع المغربي أدخل هذه الجريمة في الفرع الثالث من القانون الجنائي المعنون ب “في تزوير الأوراق الرسمية أو العمومية”.

يعرف الفصل 351 من مجموعة القانون الجنائي بأن التزوير “تزوير المحررات هو تغيير للحقيقة فيها بسوء نية، تغييرا من شأنه أن يسبب ضررا متى وقع في محرر بإحدى الوسائل المنصوص عليها في القانون”.

و لتتكون هذه الجريمة لابد من توافر أركانها الثلاث:

  * الركن الخاص : و الذي يتمثل في صفة الفاعل، فلكي تنطبق الفصول 352 و 353 من مجموعة القانون الجنائي فيجب أن يكون الفاعل موظفا عموميا أو قاضيا أو موثقا أو من العدول و ذلك أثناء قيامه بوظيفته، و الملاحظ أن المشرع المغربي قد أورد صفة الموثق بصورة صريحة في هذه الجريمة.

  الركن المادي : إن التزوير الذي يتم في الأوراق الرسمية و الذي يرتكبه الموثق أثناء مزاولته لعمله يجب أن يتم وفق الضوابط المنصوص عليها في الفصلين المشار إليهما سابقا. و هذال التزوير يمكن أن يكون ماديا أو معنويا، فالتزوير المادي هو الذي نص عليه الفصل 352 و الذي يبين الوسائل التي يمكن أن يقع بها هذا النوع من التزوير. أما التزوير المعنوي فهو ما أشار إليه الفصل 353 و هو يحدث أثناء تحرير الورقة من قبل الموثق، بغرض إحداث تغيير في جوهرها أو في ظروف تحريرها.

   * الركن المعنوي : التزوير من الجرائم العمدية و لذلك يتعين توافر القصد الجنائي فيها، و قد نص المشرع صراحة على ذلك في الفصل 351 عندما اعتبر التزوير بمثابة تغيير للحقيقة بسوء نية. و لاكتمال الجريمة لابد من توافر كل من القصد الجنائي العام و الخاص. ولقيام هذه الجريمة بالنسبة للموثق فإن القصد الجنائي العام يتحقق بقيام الموثق بتغيير حقيقة ورقة مع ادراكه لحقيقة عمله من الناحية الواقعية، أما القصد الجنائي الخاص فلا يتحقق بتوافر نية الإضرار بالغير و إنما فقط بمجرد توافر سوء النية.

    و يمكن القول بأن هذه الجريمة تتحقق بمجرد القيام بفعل التزوير بإحدى الطرق المنصوص عليها و لو لم يحدث ضررا مباشرا للغير، مما يعني أن متابعة الجاني يجب أن تتم بمجرد اكتشاف التزوير، لأن مجرد القيام به يعتبر جريمة في حد ذاته.[1]

   و نظرا للأهمية التي تكتسبها المحافظة على سلامة المحررات و العقود فقد شدد المشرع الجنائي من عقوبة التزوير التي يرتكبها الموثقون أو من هم على شاكلته… حيث أن جعل العقوبة تصل السجن المؤبد. إلا أنه بالرجوع الى مسودة القانون الجنائي فالملاحظ أن المشرع تراجع عن العقوبة السابقة حيث أنه حدد العقوبة في السجن من 10 الى 20 سنة و غرامة مالية من 100.000 الى 200.000 درهم.

   جريمة النصب :

 هذه الجريمة منصوص عليها في الفصل 540 من مجموعة القانون الجنائي[2]، و من خلال هذا الفصل فإن هذه الجريمة تعني التوصل الى الاستيلاء على مال الغير عن طريق استعمال وسائل الخداع و الاحتيال. و لتكتمل هذه الجريمة لابد من توافر أركانها الأساسية من فعل مادي و قصد جنائي.

   * الفعل المادي : يتكون من 3 عناصر و هي :

 النشاط الذي يقوم به الجاني و الذي يتمثل في وسائل الاحتيال لتضليل المجني عليه و دفعه الى تسليم المال بكل حرية و اختيار، وقد حصر القانون الجنائي وسائل الاحتيال في 3 أمور وهي :

تأكيدات خادعة

إخفاء وقائع صحيحة

استعمال ماكر لخطأ وقع فيه الغير

 النتيجة الاجرامية وتتمثل حسب ما نص علي الفصل 540 من مجموعة القانون الجنائي، في قيام المجني عليه بأعمال تمس مصالحه أو مصالح الغير المالية مما ينتج عنه حصول منفعة مالية للجاني أو لشخص أخر.

 الرابطة السببية وهي قيام علاقة سببية بين الفعل المادي و الأعمال التي تمس مصلحة المجني عليه، فيجب أن تكون هذه الوسائل الاحتيالية هي الدافعة لقيام هذا الأخير بالعمل الذي أضر به.

 

  * القصد الجنائي : فلا يتحقق إلا إذا كان الجاني قد استعمل وسائل الاحتيال عن بينة و اختيار و أن يكون تعمد استغلال غلط الضحية أو كتم الوقائع الصحيحة التي يعلمها فهذا هو القصد العام أما القصد الخاص فيتمثل في الحصول على منفعة مالية له.[3]

  و بهذا فإن جريمة النصب تتحقق من قبل الموثق إذا أساء استعمال صفته الحقيقية كما نصت على ذلك المادة 85 من قانون 32.09 على أنه يمنع على الموثق في حالة ما إذا تم عزله أو ايقافه الاستمرار في استعماله لصفة موثق. كما يمكن أن تتحقق أثناء مزاولته لمهامه إذا استغل الثقة التي يضعها فيه الأطراف و قام بوسائل احتيالية لدفع أحد الأطراف الى أن يسلمه أموالا خارج نطاق القانون[4].

  و إن العقوبة المقررة في الفصل 540 من مجموعة القانون الجنائي هي الحبس من سنة الى 5 سنوات و غرامة من 500 درهم الى 5000 دوهم، و ترفع عقوبة الحبس الى الضعف و الحد الأقصى للغرامة 100.000 درهم، إذا كان مرتكب الجريمة أحد الأشخاص الذين استعانوا بالجمهور في إصدار أسهم أو سندات أو اذونات أو حصص أو أي أوراق مالية أخرى متعلقة بشركة أو بمؤسسة تجارية أو صناعية. و فيما يخص مسودة القانون الجنائي فان العقوبة الحبسية تبق كما هي و قد تم رفع الحد الأدنى للغرامة من 500 درهم الى 5000 حيث أصبحت الغرامة محددة من 5000 درهم الى 50.000 درهم، مع تضاعف العقوبة في الحالة السابقة و في حالة تعدد الضحايا.

  جريمة افشاء السر المهني :

 إن المحافظة على أسرار الزبناء تعتبر من أقدس الالتزامات التي يتحملها الموثق .

و المشرع المغربي قد خصص الفصل 24 من القانون المنظم للمهنة الجديد 32.09، و الذي يلزم كل من الموثقين و المتمرنين لديه و أجرائه بالمحافظة على السر المهني، و هذا الجديد من أبرز ايجابيات القانون الجديد مقارنة مع القانون القديم.

فالموثق مكلف بأداء خدمة عامة وهو يتلقى أسرار زبنائه بحكم الضرورة وبهذا فعلى الموثق وكل من يشتغل تحت إشرافه المحافظة على السر المهني، و كل إخلال بهذا الالتزام يقتضي مسائلته جنائيا وفق ما ينص عليه القانون الجنائي.

فبالرجوع الى الفصل 446 من مجموعة القانون الجنائي، و من خلال قراءة مقتضياته يلاحظ أن صفة الموثق غير مذكورة بصورة صريحة كما هو الشأن بالنسبة للأطباء و الجراحين. إلا أنه يمكن اعتبار الموثق ضمن طائفة الأمناء على الأسرار بحكم مهنتهم، و أن إفشاء الأسرار بدون وجه حق سيعرضه الى العقوبة الواردة في الفصل 446 من مجموعة القانون الجنائي.

و ككل جريمة فإن أركان جريمة افشاء السر المهني هي

 * الركن الخاص : يتمثل في صفة الجاني و الذي يجب أن يكون من الأمناء الملتزمين بالسر، و أن تكون معرفته لهذا السر أثناء مزاولته لمهنته.

 * الركن المادي : و يتمثل في قيام الجاني بالإفشاء أي نقل الواقعة من السرية الى العلنية، بحيث يعلم بها الغير بعد أن كانت محصورة بين الملتزم و المعني بالأمر.

 * الركن المعنوي : و هو قيام الجاني بإفشاء الر عن بينة و اختيار، و دون اكراه. فالركن المعنوي هنا يحتاج الى القصد العام دون القصد الخاص، بحيث لا يشترط فيه نية الإضرار بالغير.

   إلا أن هذا الالتزام بعدم إفشاء السر المهني لا يجب أخده على إطلاقه، فالقانون الجنائي أعطى للملتزم إمكانية إفشاء السر المهني في حالات معينة، و تبعا لذلك فالموثق لا يجوز له أن يستعمل السر المهني كذريعة ليتستر بها على الجرائم المرتكبة ضد الدولة أو الأفراد، كأن يتذرع به مثلا لإخفاء حقائق تمس و تضر بخزينة الدولة.

   و هناك استثناءات منها تلك التي يسمح فيها القانون للسلطة القضائية و بعض موظفي الدولة بالاطلاع على محتويات مكتب التوثيق. و بهذا يعطي المشرع الحق للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أن يقوم بمراقبة مكتب التوثيق بدون إشعار مسبق كما يمنحه القانون الحق في الاستعانة بممثلي الوزارة المكلفة بالمالية من أجل التفتيش و الاطلاع على أصول العقود و السجلات و المستندات و القيم و المبالغ المالية و الحسابات البنكية و وثائق المحاسبة و كذلك كافة الوثائق التي يمكن أن تفييدهم في مهمتهم، وفقا للفصل 69 من قانون 32.09.

   و بالنظر الى العقوبة المحددة في الفصل 446 المتمثلة في الحبس من شهر الى 6 أشهر و غرامة من 1200 درهم الى 20.000 درهم. و بالرجوع الى مسودة القانون الجنائي فإنها أيضا كرست العقوبة الحبسية من شهر واحد الى 6 أشهر و غرامة من 2000 درهم الى 20.000 درهم أو الحكم بإحدى هاتين العقوبتين فقط، فهذه الأخيرة جاءت بإمكانية الحكم بالسجن و الغرامة معا  كما هو الحال بالنسبة لمجموعة القانون الجنائي و أضافت إمكانية التخيير أو الحكم بإحدى العقوبتين.

جريمة الاختلاس:

تعرض المشرع المغربي لهذه الجريمة في الفرع الثالث من مجموعة القانون الجنائي المعنون: “في الاختلاس و الغدر الذي يرتكبه الموظفون العموميون” فقد جاء في الفصل 241 ما يلي: ” يعاقب بالسجن من خمس الى عشرين سنة و بغرامة مالية من خمس الاف الى مائة الف درهم كل قاض او موظف عمومي بدد او اختلس او احتجز بدون حق او اخفى…….”

و بتمعن هذا الفصل يتضح ان المشرع  لم يعرف او لم يعمل على تعريف الاختلاس كجريمة و انما عمد فقط الى ذكر صور الاختلاس و صفة الاشخاص المرتكبين له و كذا طبيعة المال المختلس. و منه يمكن  القول  بأن أركان جريمة الاختلاس هي ثلاثة :

* الركن المتعلق بصفة الجاني (الركن الخاص ): و يتمثل في كون مرتكب الجريمة يجب ان يكون قاضيا او موظفا عموميا وفق المفهوم الذي حددته المادة 224 من القانون الجنائي لكي تنطبق عليه أحكام الفصل المذكور.

* الركن المادي: و يتمثل في النشاط المادي للجاني و الذي قد يكون اما تبديدا او اختلاسا او احتجازا او إخفاء  لمال عام او خاص بدون وجه حق. على ان علة التجريم في مثل هذه الجريمة ليست هي حماية الأموال او السندات او غيرها فقط، بل حماية الثقة التي يضعها الجمهور في المرفق ، و التي يزعزعها استيلاء موظف خائن على مال سلمه مالكه له ثقة فيه و في المرفق الذي يعمل باسمه.

* الركن المعنوي :يتمثل في كون الجريمة (الاختلاس ) لا تقوم بمجرد توفر الركنين الاولين بل لابد من وجود القصد الجنائي العام و الخاص، و تبعا لذلك فان الموظف او من في حكمه كالموثق، عليه ان يعلم بان الأشياء المختلسة هي مملوكة للغير و انها انتقلت اليه بسبب وظيفته، كما يشترط بالإضافة الى ذلك ان تتجه ارادته الى الاستيلاء على المال و التصرف فيه تصرف المالك اما بحيازته لنفسه او بنقل حيازته للغير. و فيما يتعلق بالعقوبة فان المشرع المغربي تدرج في تحديدها على أساس القيمة المادية للمال المختلس، فاذا كانت قيمة الأشياء المختلسة او المبددة او المحتجزة او المخفاة تساوي او تزيد عن 100 الف درهم فان الجريمة تعد جناية يعاقب عليها بالسجن من خمس الى عشرين  سنة  و غرامة من خمس الاف الى مائة الف درهم. اما اذا كانت قيمة تلك الأشياء المختلسة تقل عن مائة الف درهم فان العقوبة هي الحبس من سنتين الى خمس سنوات وغرامة من الفين الى خمسين الف درهم.

جريمة الغدر:

ينص الفصل 243 من القانون الجنائي على انه:” يعد مرتكبا للغدر ، و يعاقب بالحبس من سنتين الى خمس و بغرامة من خمس الاف درهم الى مائة الف درهم، كل قاض او موظف عمومي …….” ان هذه الجريمة   تنطوي على عبث الموظف و من في حكمه و اخلاله بالثقة و الاعتداء على واجبات وظيفته، فالهدف من وضع هذا الفصل يتمثل في حماية الثقة في الدولة و مرافقها، و التي تهتز حينما يستغل بعض العاملين باسمها سلطاتهم لإلزام الافراد بما لا يلزمهم به القانون.

و بالنظر الى ان من مهام الموثق القيام بتحصيل الرسوم المستحقة لفائدة الدولة ، فان هذه الجريمة تعتبر مرتكبة عندما يقوم الموثق بالمطالبة برسوم زائدة غير تلك التي يفرضها القانون او بأتعاب تفوق تلك التي يقررها القانون، كما نصت على ذلك المادة 16 من القانون 32.09.

 و لقيام جريمة الغدر يشترط توفر الاركان التالية:

* الركن الخاص: يتمثل في صفة الجاني،  بحيث يتعين ان يكون من الموظفين العموميين او من في حكمهم. و ان يكون  له دور في تحصيل الرسوم وفقا لأحكام القانون،  بنفسه او بواسطة غيره متى كان له دور فيه كالأشراف و انطلاقا من هذا فان الموظف الذي لا يعد من اختصاصه  استخلاص مثل تلك الرسوم، فان ما يطلبه او يأخذه يشكل جريمة نصب .

* الركن  المادي : و يتحقق عند قيام الفاعل بنشاط مادي يتمثل في طلب او تلقي او فرض الأمر بتحصيل رسوم او ما في حكمها بطريقة غير مشروعة،  كما في حالة ان طلب الموثق مبلغا من المال على اساس انه من مستحقات التسجيل و الحال ان ذلك المبلغ يفوق ما هو مطلوب و مستحق قانونا.

* الركن المعنوي : جريمة الغدر من الجرائم العمدية التي تستلزم توافر القصد الجنائي العام، اي تحقق العلم و الارادة ، و ذلك بان يكون الجاني عالما بان المبلغ الذي يطلبه او يتلقاه غير مستحق او يزيد على ما هو مستحق .

و تجدر الإشارة الى ان القانون المنظم لمهنة التوثيق فيه اشارة الى هذه الجريمة، فبعد ان أشار المشرع الى ان اتعاب الموثق تحدد بنص تنظيمي ، (المادة 15 من قانون مهنة التوثيق  )، اكد على ان الموثق لا يحق له ان يتقاضى اكثر من اتعابه او مما اداه عن الاطراف من صوائر و في حالة مخالفته لذلك فانه سيعرض نفسه للمتابعة  التأديبية و الزجرية (المادة 16 من قانون مهنة التوثيق  ).

جريمة خيانة الامانة:

 لعل من بين اهم صلاحيات الموثق تلقي الودائع من المتعاملين معه، و هو بذلك يتسلم الاموال لمدة معينة و بشروط محددة في القانون الى حين تسليمها الى الطرف او الى الاطراف المعنية ( المادة 33 من القانون 32.09 ). و قد عرف المشرع المغربي خيانة الامانة في الفصل 547 من القانون الجنائي بقوله:” من اختلس او بدد بسوء نية، اضرارا بالمالك او واضع اليد او الحائز. ………..” انطلاقا من هذا الفصل يتضح بان المشرع خص خيانة الامانة بكيان مستقل تمييزا لها عن باقي جرائم الاموال ،(و خصوصا السرقة و النصب) و هذا الاستقلال يظهر على الخصوص في العناصر المتطلبة لقيام الجريمة، و في العقاب عليها ، و بالتالي بناء على هذا الفصل 547 من م.ق.ج، فان

* الركن المادي  لها يتكون من ثلاث عناصر و هي:

_ تسلم الجاني لمنقول على سبيل الامانة من اموال او مستندات او غيرها.

_ اختلاس او تبديد المنقول من طرف الموثق او المتسلم.

_تحقق الضرر لمالك المنقول او حائزه او واضع اليد عليه بسبب الاختلاس او التبديد.

* الركن المعنوي: و يتمثل في علم المبدد او المختلس بان حيازته للمنقول للغير، و أنه مأتمن عليه، و هذا هو القصد العام، اما القصد الخاص فيتمثل في نية التملك، و بهذا الخصوص هناك اختلاف بين الفقهاء حول ضرورة توفره من عدمه، فاذا كان اغلب الفقه يشددون على ضرورة توفره فان بعضهم يقول بعدم ضرورته. على اعتبار ان نية التملك يصعب اثباتها في بعض حالات حيازة الامانة كما في حالة اتلاف المنقول او استهلاكه. لكن النيابة العامة و طبقا للقواعد العامة فهي ملزمة بإثبات كل عناصر خيانة الأمانة و من جملتها القصد الجنائي فيها بعنصريه العلم و الارادة.

و من خلال التمعن في المقتضيات الواردة بخصوص هذه الجريمة يلاحظ ان المشرع المغربي لم يذكر صفة الموثق اثناء تعداده للصفات التي جعلها المشرع المغربي ظرفا مشددا للعقوبة يغير من الوصف القانوني للجريمة من جنحة الى جناية, فالقانون الجنائي شدد عقوبة خيانة الامانة في حالة ارتكابها من قبل الاشخاص لصفتهم المرتبطة بالمهنة التي يزاولونها، بحيث تم تشديد العقوبة ضد كل من يدخل في اختصاصه تسلم الاموال على سبيل الوديعة كالعدول و الحارس القضائي و القيم و الموكل. ليبقى السؤال المطروح هو لماذا تم اغفال صفة الموثق في هذا التعداد؟

يمكن القول ان عدم ذكر الموثق هو مجرد سهو يجب تداركه من قبل المشرع المغربي ، على اعتبار ان هناك بين وظيفة هؤلاء و العمل الذي يقوم به الموثق. فهذا الاخير يدخل في اختصاصه تسلم الاموال من قبل الاطراف.

 و هنا تجدر الاشارة الى ان المشرع في مسودة مشروع القانون الجنائي قد تدارك الامر حين نص في المادة 549 على ان :” دون الاخلال بالمقتضيات الجنائية الاشد، ترفع عقوبة خيانة الامانة الى الحبس من سنة الى خمس سنوات و الغرامة من 5000 الى 50000 درهم في الحالات الاتية:

اذا ارتكبها عدل او موثق او محام او حارس قضائي  او قيم ………. “

 

ثانيا: الأفعال الموجبة لمسائلة الموثق جنائيا طبقا لمقتضيات القانون 32.09

بالإضافة إلى أفعال الموثق المجرمة في القانون الجنائي، أورد المشرع المغربي في القانون 09-32 بعض النصوص الزجرية ذات طابع مهني خطير كامتناع الموثق الموقوف أو المعزول عن تسليم الوثائق و استعمال السمسرة و ما يدخل في حكمها كاللجوء إلى الإشهار.

* جنحة امتناع الموثق الموقوف أو المعزول عن تسليم الوثائق

 تنص المادة 87 من القانون09-32 على أنه :”يجب على الموثق الذي صدرت في حقه عقوبة العزل أو الإيقاف، أن يسلم للموثق المعين في محله داخل أجل 15 يوما من تاريخ تبليغه بالمقرر، أصول العقود و سجلات المحاسبة و كافة المحفوظات وفق الكيفية المنصوص عليها في المادة 23 من هذا القانون حيث يجب أن يكون هذا التسليم بحضور وكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أو من ينوب عنه و ممثل عن الوزير المكلف بالمالية و رئيس المجلس الجهوي للموثقين أو من ينوب عنه.

و بخصوص هذه الجريمة و عقوبتها، فقد اعتبرها المشرع جنحة يعاقب عليها من ثلاثة أشهر إلى سنة حبسا و غرامة من 20000 إلى 40000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.

من خلال المادة أعلاه يتضح أن هذه الجريمة تعتبر مرتكبة بمجرد حصول فعل الامتناع عن تسليم الوثائق و أصول العقود و سجلات المحاسبة و كافة المحفوظات إلى الموثق المعين في محله، فإن هذه الجريمة ﻻ تستلزم في ركنها المعنوي سوى القصد الجنائي العام دون الخاص.

و الهدف من إقرار المشرع لعقوبات زجرية في هذه المادة هو حماية مصالح زبناء الموثق المعنيين بالوثائق التي في حوزته أو التي في حوزته بحكم مهنته.

* مخالفة قيام الموثق بعمليات الإشهار

تعرض المشرع لهذه المخالفة في المادة 91 من القانون 09-32 و التي جاء فيها: “يمنع على الموثق القيام بعمليات الإشهار شخصيا أو بواسطة الغير، غير أنه يحق للموثق أن يتوفر على موقع في وسائل الإتصال الإلكترونية يشير فيه باقتضاب إلى نبذة عن حياته و مساره الدراسي و المهني، و ميادين اهتماماته القانونية و أبحاثه، شريطة الحصول على إذن مسبق من رئيس المجلس الجهوي للموثقين بمضمون ذلك.

 ﻻ يجوز للموثق أن يضمن في اللوحة البيانية الموضوعة خارج البناية التي بها مكتبه أو بداخلها سوى اسمه الكامل وصفته كموثق و كذا لقب دكتور في الحقوق عند الاقتضاء، و يحدد شكل اللوحة بقرار لوزير العدل.

 يعاقب على الأحكام المتعلقة باللوحة بغرامة من 1200 إلى 5000 درهم، و يعاقب على مخالفة الأحكام المتعلقة بإحداث الموقع الإلكتروني بغرامة من 2000 إلى 10000 درهم.

 و هدف المشرع من خلال هذه المادة هو جعل الموثق يمارس المهام المنوطة في إطار مهنته بكل طمأنينة مما يجعل حدا لكل المزايدات التي تحدث بين أصحاب المهنة الواحدة و التي يمكن أن تؤثر على الجو العام للعمل، فأصبح الموثق مقيدا في عمليات الإشهار بإنشاء موقع إلكتروني وفق شروط محددة. كما حدد المشرع الشروط المتعلقة بمضمون اللوحة التي يجب على الموثق وضعها خارج مكتبه.

* جنحة سمسرة الزبناء :

 بالنظر إلى تفشي بعض المظاهر السلبية في مجال المهن الحرة التي تهم المحامين و العدول و التراجمة و الموثقين، و المتمثلة في قيام هؤﻻء بسمسرة الزبناء بالاعتماد على الغير للقيام بجلب الزبناء إلى مكاتبهم بطرق ﻻ تتناسب مع الخدمات التي يقدمونها للمجتمع، فقد عمل المشرع المغربي على وضع مقتضيات زجرية في هذا الباب.

وهكذا فقد نص قانون التوثيق في المادة 90 من ق. 09-32 على انه:” يمنع على الموثق القيام مباشرة أو بواسطة الغير بأي إشهار أو اللجوء إلى أي عمل يدخل في نطاق سمسرة الزبناء أو جلبهم.

 يعاقب على مخالفة مقتضيات الفقرة السابقة بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات و بالغرامة من 20000 إلى 40000 درهم مع مراعاة العقوبات التأديبية التي قد تطبق على الموثق سواء كان فاعلا أصليا أو مساهما أو مشاركا.

 وقد تم إدراج هذه الجريمة ضمن الجنح دون الإخلال بالمقتضيات المتعلقة بالعقوبات التأديبية التي يتعرض لها الموثق المرتكب لهذه الجريمة. [5]

و تندرج هذه الجنحة ضمن المقتضيات الزجرية التي تطرق لها المشرع في نطاق الحرص على كرامة و شرف المهنة، و الحفاظ على المنافسة الشريفة باعتبار أن ظاهرة السمسرة تؤثر على حرية اﻷفراد في اختيار من يتلقى عقودهم و تصرفاتهم فضلا عن الانعكاسات السلبية لذلك على العلاقات بين الموثقين.[6]

 و بالنظر إلى طبيعة هذه العقوبة نجدها من جهة تتساوى مع تلك الواردة في الفصل 100 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، و من جهة ثانية نجدها أكثر من تلك المطبقة على نفس الجريمة في حال ارتكابها من قبل ترجمان محلف لدى المحاكم.

خاتمة :

 هنا يبدو جليا كون مهنة التوثيق لم تحقق مكانتها المرموقة بين المهن القانونية بمحض الصدفة، بل عن جدارة و استحقاق وبقطعها مراحل تاريخية ومحطات تشريعية عدة، كما كان الحال في المغرب, لنجد مسؤولية الموثق تنتقل من مسؤولية مدنية إلى مسؤولية تأديبية لتصل حد المساءلة الجنائية. وعيا من المشرع  بخطورة الجريمة المالية في عصرنا هذا, وكذا  وعيا منه بأهمية الحفاظ على ثقة الأفراد في المحررات والعقود الصادرة عن الموثق، في بادرة نوهت غالبية التيارات الفقهية بها، إلا أن هناك رغم كل ذلك من يرى فيها -وخاصة العقوبات السالبة للحرية- بعض القساوة و الغلو, ويتشبثون بكون هذه الجرائم ذات طبيعة مالية و بالتالي كان بالإمكان التعامل معها من ناحية مادية صرفة, كإرجاع الأموال مع تحمل غرامة قاسية مثلا، لكي لا نبالغ في تخويف وترهيب الموثق أكثر من اللازم مما قد ينعكس سلبا على ممارسته لمهامه.

وهنا نترك السؤال مفتوحا حول مسألة فكرة المسؤولية الجنائية للموثق من أساسها، وأيضا هل يكون الأجدر تشديد العقوبات الجنائية على الموثق باعتبار العقوبات الحالية غير كافية، أم التخفيف من العقوبات الحالية باعتبارها قاسية أكثر من اللازم؟

[1] محمد الأمين  “نظام التوثيق بالمغرب في ضوء مستجدات القانون 32.09 و القانون 39.08 و القوانين ذات الصلة “ مجلة قبس المغربية للدراسات القانونية و القضائية العدد الخامس يوليوز 2013 دار الأفاق المغربية للنشر و التوزيع الدار البيضاء. الصفحة 46.

[2]  ينص الفصل 540 من مجموعة القانون الجنائي على أنه “يعد مرتكبا لجريمة النصب، ويعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من خمسمائة إلى خمسة آلاف درهم، من استعمل الاحتيال ليوقع شخصا في الغلط بتأكيدات خادعة أو إخفاء وقائع صحيحة أو استغلال ماكر لخطأ وقع فيه غيره ويدفعه بذلك إلى أعمال تمس مصالحه أو مصالح الغير المالية بقصد الحصول على منفعة مالية له أو لشخص آخر.

وترفع عقوبة الحبس إلى الضعف والحد الأقصى للغرامة إلى مائة ألف درهم، إذا كان مرتكب الجريمة أحد الأشخاص الذين استعانوا بالجمهور في إصدار أسهم أو سندات أو اذنوات أو حصص أو أي أوراق مالية أخرى متعلقة بشركة أو بمؤسسة تجارية أو صناعية.”

[3] محمد الأمين  “نظام التوثيق بالمغرب في ضوء مستجدات القانون 32.09 و القانون 39.08 و القوانين ذات الصلة “ مجلة قبس المغربية للدراسات القانونية و القضائية العدد الخامس يوليوز 2013 دار الأفاق المغربية للنشر و التوزيع الدار البيضاء. الصفحة 40.

[4] بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ماستر العقار و التنمية بعنوان “الإطار القانوني لمسؤولية الموثق العصري على ضوء القانون 32.09 ” جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية طنجة من اعداد الطالب بوي المهدي سنة 2014/2015.الصفحة 80/81.

[5] – محمد الأمين م.س.ص:47

[6] – محمد ليديدي م.س.ص:132

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super