دور القضاء في حماية الملكية العقارية أثناء مسطرة التحفيظ

الملكية العقارية

أثناء مسطرة التحفيظ

 

 

يعتبر العقار المحور الأساسي لأغلب المعاملات الصـناعية والفـلاحية والتجـارية…، والأرضية التي لا يمكن من دونها للمشروعات المنتجة أن تقوم، وهو لا يضطلع بهذا الدور البالغ الأهمية إلا إذا كانت وضعيته القانونية والمادية واضحة ومحددة ولا نزاع عليها.

لأجل ذلك ولمواجهة حب التملك والانفراد بالشيء باعتبارهما طبيعة فطرية في الإنسان[1]،تسعى كل التشريعات إلى وضع قوانين وسن إجراءات مسطرية ملزمة تضمن انتقال العقارات بشكل طبيعي بعيد عن كل ما بإمكانه أن يؤثر على السير العادي للأفراد والنظام العام.

وللوصول لهذه الغاية نجد المشرع المغربي سن مسطرة خاصة للانتقال بالعقارات الغير المحفظة إلى نظام العقارات المحفظة، هي المسطرة المصطلح عليها بمسطرة التحفيظ العقاري والتي يقصد بها: “مجموعة من المراحل التي يتعين إتباعها والحرص على احترامها سواء من طرف المحافظ، أو من طرف طالب التحفيظ، وأن كل خلل يقع في إحدى هذه المراحل قد يؤدي إلى تعطيل المسطرة” [2].

وتبدأ هذه المسطرة بتقديم مطلب التحفيظ أمام الجهة المختصة وهي الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية[3] التي تعمل على تهيئ ملخص لمطلب التحفيظ، وإرساله لينشر بالجريدة الرسمية، وبعد ذلك تقوم بعملية التحديد ثم الإعلان عن انتهاء هذه العملية بالجريدة الرسمية، لتتوج المسطرة في الأخير بتأسيس الرسم العقاري، في حالة عدم وجود التعرضات.

أما في حالة وجود التعرضات، فالمسطرة تتخذ منحى آخر، إذ يقوم المحافظ العقاري بإحالة الملف على المحكمة للفصل في النزاع وتعيده له ليستكمل المسطرة بتأسيس الرسم العقاري.

وتجدر الإشارة إلى أن القضاء لا يتدخل في مسطرة التحفيظ إلا استثنـاء، إذ الأصل أن هذه المسطرة إدارية يقوم بها المحافظ العقاري ولا يتدخل فيها القضاء إلا عند وجود تعرض على مطلب التحفيظ.

ويمكن تعريف التعرض بأنه، ادعاء سواء كان مكتوبا أو شفويا[4]، يتقدم به أحد من الغير ضد طالب التحفيظ بمقتضاه ينازع المتعرض في أصل حق ملكية طالب التحفيظ، أو في مدى قوة هذا الحق أو في حدود العقار المطلوب تحفيظه أو يطالب بحق عيني مترتب له على هذا العقار وينكره عليه طالب التحفيظ الذي لم يشر إليه في مطلبه[5]“.

لذلك يمكن القول بان مسطرة التحفيظ العقاري في المغرب مسطرة إدارية في غياب التعرضات ومسطرة مزدوجة إدارية وقضائية، بوجود هذه الأخيرة.

ويختلف تدخل القضاء في مسطرة التحفيظ بالنظر لنوع القضاة المتدخلين فإذا تعلق الأمر بقضاة النيابة العامة، فإن تدخلهم يأخذ صبغة شبيهة بتلك التي يقوم بها المحافظ العقاري ومساعديه في المرحلة الإدارية خاصة فيما يتعلق بقبول التعرضات المقدمة خارج الأجل، وكذلك في تقديمهم للتعرضات نيابة عن المحجورين والغائبين. وبالإضافة إلى ذلك تقوم النيابة العامة أثناء مسطرة التحفيظ بالتدخل تحت إطار الحماية الجنائية للملكية العقارية، من خلال تحريك الدعوى العمومية ضد من عرقل سير مسطرة التحفيظ بأي شكل من الأشكال.

أما بالنسبة لقضاة الحكم فإنهم لا يتدخلون إلا في المرحـلة القضائية للتحفيظ، ويقتصر دورهم على إصدار الحكم فيها وإحالة الملف على المحافظ.

وبمحاولتنا إلقاء نظرة تاريخية على تدخل القضاء في مسطرة التحفيظ، يصدق القول بأنه منذ وضع اللبنات الأولى لنظام التحفيظ العقاري بالمغرب[6] وعبر مختلف التعديلات التي عرفها هذا النظام منذ غشت 1913 إلى غشت 1954، يلاحظ من خلال استقراء النصوص ومقارنتها أن المشرع سار نحو تضييق سلطات واختصاصات قاضي التحفيظ العقاري لصالح مؤسسة أخرى وهي المحافظ على الملكية العقارية[7].

فمناط عمل القاضي العقاري في إطار ظهير التحفيظ محصور بمجموعة من المواد وعلى رأسها المادة 37 التي تلزمه بالبت في حدود التعرضات، أو القيام بالإشهاد على الصلح في حالة ما إذا استطاع التوصل إلى ذلك، وليس له التدخل للفصل في مطلب التحفيظ، أو حسم النزاع في ما بين المتعرضين.

أما بالنسبة لقضاة النيابة العامة وإن كانوا يتمتعون بسلطات واسعة للتدخل لتحريك الدعوى العمومية في حق كل من ثبت تعطيله لمسطرة التحفيظ من دون وجه حق، فإن ظهير التحفيظ قيدهم على غرار زملائهم قضاة الحكم بنطاق محدود للتدخل في قبول أو رفض التعرضات الاستثنائية بالفصل 29 الذي لا يمكن لهم تجاوز نطاقه، وكذا بالفصل 26 في حالة تدخلهم لتقديم التعرضات باسم فئة معينة من المجتمع.

    أهمية دراسة الموضوع :

لعل التقييد المفروض على القضاء عند تدخله في مسطرة التحفيظ هو الذي يحدد أهمية هذا العنوان الذي اخترته موضوعا لرسالتي لنيل دبلوم الماستر:”دور القضاء في حماية الملكية العقارية أثناء مسطرة التحفيظ”.

كما تتجلى أهمية دراسة الموضوع كذلك في أنه يبرز تدخل القضاء بشكل عام في مسطرة التحفيظ بجميع مراحلها، ابتداء من المرحلة الإدارية حيث تتدخل النيابة العامة استنادا إلى قوانين أخرى غير ظهير التحفيظ، وصولا إلى تدخلها في إطار الفصلين 26 و29 من (ظ ت ع) وانتهاء إلى تدخل قضاة الحكم للفصل في النزاعات المحالة عليهم أثناء سريان مسطرة التحفيظ.

وإذا كان الاجتهاد القضائي يحتل مكانة هامة في المادة المدنية عموما، فإن مركزه لا يقل أهمية في المادة العقارية[8]، وذلك راجع لعدة أسباب أهمها قدم التشريع المؤطر للموضوع وهو (ظ ت ع) الذي يرجع لسنة 1913 وهو ما يجعله بعيدا كل البعد عن مواكبة المستجدات، وهو مابات يفرض على القضاء بلورة قواعد اجتهادية تسد هذا الضعف وبالتالي تبرز الأهمية الثالثة لدراسة الموضوع.

.

—————————————————————–

[1] -أستاذنا إدريس الفاخوري، المدخل لدراسة القانون، نظرية القانون والحق، دار النشر الجسور، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2000، ص: 19.

[2] – محمد خيري، حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ العقاري بالمغرب، مطبعة المعارف الجديدة، طبعة 2001، ص: 126.

[3] – أحدثت الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية بمقتضى الظهير الشريف رقم 125ـ 02ـ 1 بتاريخ 13 يونيو 2002 بتنفيذ القانون رقم 58.00 القاضي بإحداث الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري  والخرائطية، ج ر عدد 5032، بتاريخ 22 غشت 2002، ص: 2045، والمرسوم التطبيقي له رقم 2.00.913 بتاريخ 27 غشت 2002، ج ر عدد 5036 بتاريخ 5 ديسمبر 2002 ص: 2561 ـ 2562.

[4] – Fassi féhri boubker et belkhayat Abdassalem, le pourquoi de l’immatriculation foncière, 200  questions réponses, sans imprimerie, Edition 1985, p 75.

[5] – مأمون الكزبري, التحفيظ العقاري والحقوق العينية الأصيلة والتبعية في ضوء التشريع المغربي، طبع شركة الهلال العربية للطباعة والنشر، ط الثانية، ج الأولى، 1985 ص: 47.

[6]– ثم تأسيس نظام التحفيظ العقاري بظهير 9 رمضان 1331 هـ الموافق لـ 12 غشت 1913, الجريدة الرسمية بالفرنسية 12   شتنبر 1913، ص 206. ثم صدرت بعده عدة ظهائر توضح كيفية تطبيق هذا النظام الجديد من بينها:

-الظهير الصادر في 19 رجب 1333(3يونيو 1915)المتعلق بالتشريع المطبق على العقارات المحفظة,الجريدة الرسمية بالفرنسية 7-7-1915, ص :319.

-القرار الوزيري الصادر في 20 رجب1933 (3 يونيو 1915),المتعلق بنظام مصلحة المحافظة على الأملاك العقارية,الجريدة الرسمية بالفرنسية 7-7-1933,ص:336.

[7] – محمد ناجي شعيب، قاضي التحفيظ العقاري بين إجحاف النص ومتطلبات الواقع. مقال منشور بالمجلة المغربية للاقتصاد والقانون، العدد الثاني دجنبر 2000، ص: 87.

[8] – عبد العالي العبودي، بعض مظاهر اضطراب الاجتهاد القضائي في مادة التحفيظ، محلية القسطاس، العدد الثالث، 2000، ص: 77.

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super