إصلاح المالية العامة بالمغرب على ضوء المستجدات القانونية

تعد المالية العمومية مجموع العناصر المرتبطة بالميزانية والتي تستثمرها الدولة لتحقيق التنمية الشاملة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، وتعد الميزانية محور السياسة المالية التي تنهجها مختلف الدول للتوفيق بين الموارد والنفقات، في إطار ضمان التوازنات المالية والماكرو- اقتصادية.

تتكون ميزانية الدولة من الميزانية العامة، ميزانيات مرافق الدولة المسيرة بطريقة مستقلة والحسابات الخصوصية للخزينة. وتشتمل الميزانية العامة على جزأين، يتعلق الجزء الأول بالموارد ويتعلق الجزء الثاني بالنفقات. ومن خلال هذه التركيبة، يتضح لنا أن الميزانية هي عبارة عن وثيقة تسجل فيها الإيرادات والنفقات العامة للدولة وتصور الوجه  الاقتصادي والسياسي والمالي لها، وتمثل خطة نشاطاتها عن سنة مالية. فهي ليست مجرد وثيقة حسابية أو تقنية بل تشكل في مضمونها اختيارات سياسية واجتماعية وثقافية وتوجهات معينة.

إذا كان التصور الليبرالي للدولة يعطي للميزانية وظيفة مالية بالأساس- في حدود ملئ صناديق الدولة بالموارد الضرورية لتغطية تكاليف المرافق العمومية الإدارية- فإن الميزانية في تصور الدولة التدخلية، تشمل أيضا وظائف تجارية، اقتصادية واجتماعية، وبالتالي وسائل متعددة للتدبيرالمالي. ففي النظرية الكلاسيكية، تدخل الدولة عن طريق المالية العمومية يمكن أن يؤدي إلى اختلال التوازن في بنية الميزانية، ذلك أن التمويل المتزايد للنفقات من أجل إشباع الحاجيات قد يساهم في عجز الميزانية-الحالة التي تفوق فيها النفقات الموارد-ويزيد من احتمال الخطر المزدوج المتعلق بالإفلاس وارتفاع نسبة التضخم .

الأمر الذي يجعل هذه الأخيرة باعتبارها آلية أساسية لتنفيذ السياسات العمومية، من المفروض أن تمتد إليها موجة الإصلاح لتمتد إلى مسار الإصلاحات الكبرى التي تعرفها مختلف القطاعات ،  فخضوع تدبير الميزانية لمنهجية تقليدية أصبح غير قادر على تأهيل هذه الميزانية للاستجابة لمتطلبات تحديث الدولة ، إذ أدت هذه المنهجية إلى ضعف مردودية تدبير ميزانية الدولة ، بفعل إعتمادها على طرق تقليدية ومساطر شابها التقادم ، تقوم في أساسها على التصرف في الموارد المتاحة دون الاهتمام بتنمية الموارد وترشيد أوجه التصرف فيها.إصلاح لن يأتي أكله إلا بإصلاح شامل ليس فقط للقانون التنظيمي المتعلق بقوانين المالية  ،ولكن بموازاة لإصلاح القانون الضريبي ومدونة تحصيل الديون العمومية وكل القوانين المرتبطة بالمالية العمومية.

انطلق فعليا الإصلاح الموازاني بالمغرب ، سنة2002 عندما أطلقت وزارة المالية مجموعة من الإصلاحات انطلاقا من خلاصات إصلاح القانون التنظيمي لقوانين المالية في فرنسا سنة 2001. مع اختلاف كلي في مدخل الإصلاح والذي يعني السند القانوني ففي فرنسا تم إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية لسنة 1959 والذي عمر لأكثر من 41سنة، بقانون تضمن المقتضيات القانونية الكفيلة بالإصلاح . أما في المغرب فمحاولة الإصلاح مؤطرة بالقانون التنظيمي للمالية(la LOF )ل26 نونبر 1998 والذي يضم 46 مادة (بعدما تم حذف المادة 5 و10 بقرار للمجلس الدستوري  ) والذيجاء نتيجة إصلاح عميق للقانون التنظيمي للمالية لسنة 18 شتنبر 1972والذي سبقه نظيره سنة 1970 والأول سنة 1963. حيث يلاحظ في المغرب أن القوانين  التنظيمية للمالية كانت تلي كل مراجعة دستورية. فكما قلنا أن الإصلاح الموازاني إنطلق بمدخل متقادم ولايتضمن الرؤية الإصلاحية، كشخص يسير إلى الأمام وينظر إلى الوراء. الإختلاف الثاني من حيث المنهجية حيث أن الإصلاح في فرنسا أساسه مبادرة برلمانية وهذا جوهر الإصلاح ومنطلقه الصحيح، بينما لازال البرلمان المغربي معقلنا كما ولد. أما فيما يخص فلسفة الإصلاح فيمكن القول أن التجربتين تلتقيان من حيث المنظور الجديد للإصلاح أي اعتماد مقاربة تدبيرية ترتكز على النجاعة الإقتصادية وعلى النتائج.

ويكتسي موضوع الإصلاح الموازاني بالمغرب أهمية نظرية تتجلى في دراسة الأثر المباشر على السياسات العامة، والسياسة القطاعية وكذا على النسيج الميكرو والماكرو إقتصادي. انطلاقا من سن هذه الإصلاحات.وأهمية عملية تتجلى في تمكين الفاعلين السياسين ،وانطلاقا من الإصلاح الناجع ، من الأداة المثلى لتدبير أمثل للمالية العمومية .

والموضوع يطرح اشكاليات كثيرة ومتنوعة : مدى توفق السلطة التنفيذية في اختياراتها للإصلاح الموازاني بالمغرب؟

كما يمكن أن نتساءل إلى أي حد استطاع الإصلاح الموازاني بالمغرب أن يحقق الشفافية والنجاعة والحفاظ على التوازنات  الاقتصادية ؟ هذه اشكالية كذلك صعبة التحديد على اعتبار أن عملية الإصلاح مستمرة وإذا لم نقل أنها ستنطلق فعليا مع الإطار القانوني المتمثل في القانون التنظيمي للمالية.

لدى سيتم مقاربة اشكالية الإصلاح الموازاني بالمغرب انطلاقا من أسئلة تتقاطع مع الإشكاليات السابقة ولو بشكل محدود:

ماهي مظاهر وأهداف الإصلاح الموازاني بالمغرب؟

ماهي مرتكزات الإصلاح الموازاني بالمغرب؟

وسنعتمد في محاولة الإجابة على هذه الأسئلة على التصميم التالي:

المبحث الأول: السياق العام للإصلاح الموازاني بالمغرب

المطلب الأول: مظاهر الإصلاح الموازني العمومي

الفقرة الأولى: الأسباب الخارجية للإصلاح الموازني

الفقرة الثانية: الأسباب الداخلية للإصلاح الموازني بالمغرب

المطلب الثاني : الإصلاح الموازني و مبادئ الحكامة المالية

الفقرة الأولى: تقوية شفافية المالية العمومية

الفقرة الثانية   :تعزيز نجاعة أداء التدبير العمومي

 

الفقرة الثالثة :  الرأسمال اللامادي معيار أساسي في السياسة المالية  بالمغرب

 

الفقرة الرابعة :  دور المجتمع المدني في تحديث المالية العامة

المبحث الثاني: مرتكزات  الإصلاح الموازاني بالمغرب

المطلب الأول: من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج

المطلب الثاني : الإصلاح القانوني والمؤسساتي

الفقرة الأولى :  مراجعة القانون التنظيمي للمالية

الفقرة الثانية :  مراجعة قانون المحاسبة العمومية

الفقرة الثالثة :  تعزيز السلطة المالية للبرلمان

خاتمة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث  الأول: السياق العام للإصلاح الموازاني بالمغرب

لقد ظل التدبير المالي بالمغرب وفيا لمقاربة تقليدية ساهمت بإحاطته بمجموعة من التراكمات السلبية ،يستوجب إيجاد سبل لتجاوزها . وذلك لن يتم إلا عن طريق تدبير معقلن يرتكز على القدرة والكفاءة في المزج بين الوسائل. من هنا تبدو أهمية المقاربة الجديدة لتدبير المالية العامة وهي مقاربة جد مرنة قادرة على احتواء التحولات التي يعرفها الواقع.

لذا أطلقت وزارة المالية في سنة 2002 عن إنطلاق مجموعة من الأوراش الإصلاحية للبحث عن سبيل الكفيلة لتدبير فعال للمالية العمومية لتفاذي اختلالات المقاربة التقليدية التي اتسمت بسوء التدبير ،استجابة للإكراهات والدوافع الداخلية وتلبية لنداءات الساحة الدولية . فماهي مظاهر هذا الإصلاح؟(المطلب الأول)وماهي أهدافه و مرتكزاته ؟ (المطلب الثاني)

المطلب الأول : مظاهر الإصلاح الموازاني بالمغرب

 

أصبح تدبير المالية العمومية حسب المنهجية التقليدية غير قادر على مواكبة التحولات العميقة والمتسارعة، هذا بالإضافة إلى مجموعة من الأسباب الدولية والوطنية التي دفعت إلى الإصلاح الموازني بالمغرب وللتفصيل أكثر سنرى في الفرع الأول الأسباب الخارجية للإصلاح الموازني وفي الفرع الثاني الأسباب الداخلية.

الفقرة الأولى: الأسباب الخارجية للإصلاح الموازني

 

انخرط المغرب في الاقتصاد العالمي بفعل موقعه الجغرافي المتميز، وكان لزاما عليه مواكبة التحولات التي تفرضها التكتلات الاقتصادية العالمية وكذلك مواجهة تجليات العولمة التي تنطوى على الاتساع المطرد لحركة السلع

والخدمات ورؤوس الأموال.

ومن خلال دراسة الجوانب التي تؤثر عليها العولمة نجدها تركز على الجانب الاقتصادي، وبالخصوص الجانب  المالي.  فقد أدت هذه العولمة الاقتصادية إلى تفكيك الرسوم الجمركية وكذلك إلى استحالة استخلاص بعضها ، هذه الاستحالة التي أصبحت تتأكد بمرور الوقت ويتسع مجالها بفعل التطور التكنولوجي المتسارع، بفعل  العولمة واتساع مناطق التبادل الحر التي تؤدي إلى إغراق الدول  بالسلع الأجنبية و التي تعفى من الضرائب بفعل انخراط المغرب في التكتلات الاقتصادية الكبرى.

ومن الأسباب الخارجية التي أدت إلى اعتماد الإصلاح الموازني بالمغرب تقرير البنك الدولي لسنة 1995 والذي يمكن وصفه بالعنيف والقوي .حيث حدد ضعف الإدارة المغربية في فئتين:

الفئة الأولى: مكونة من سلسلة أنظمة عمل متقادمة في الوظيفة العمومية والتسيير المالي والرقابي والمساطر وكذا النظام القضائي.

الفئة الثانية: تتكون من نقاط الضعف المنتمية خصوصا إلى الحالة المغربية ، وتتجلى في التسيير الروتيني وجمود المساطر المالية وعدم شفافيتها…

الفقرة الثانية: الأسباب الداخلية للإصلاح الموازني بالمغرب

 

تضافرت مجموعة من العوامل والدوافع الداخلية لإقرار الإصلاح الموازني بالمغرب وقد تلخصت هذه الدوافع والأسباب في تماشي الدولة المغربية من خلال ترسانتها القانونية المنظمة للمالية العمومية اتسمت بالجهود مقارنة بالتطورات الاقتصادية العالمية بالإضافة إلى رغبة المغرب في تطوير أسلوبه  في تدبير المالية العمومية و التخلص من المنهجية التقليدية

لذلك يمكن القول أن الأسباب الداخلية التي أدت إلى الإصلاح الموازني تتلخص في ثلاثة أسباب أساسية تتمثل في رغبة المغرب في التخلص من المنهجية التقليدية و تعقد الإطار القانوني لتدبير الميزانية، وكذلك جمود المساطر المالية. فالترسانة القانونية المغربية تتميز بتعدد النصوص القانونية المنظمة للمجال المالي، والملاحظ والمتأمل في الترسانة القانونية المنظمة للمجال المالي بالمغرب يستنتج أنها تتميز بالضخامة التعدد، مما يخلق نوعا من الارتباك في استعمال جميع هذه النصوص، وهذا التنوع في النصوص يؤدي إلى تعدد المتدخلين في الميزانية العامة. كما يلاحظ جمود المساطر وعدم مسايرتها للتطور الحاصل في  المجال المالي. إضافة إلى سوء تدبير المالية وغياب الشفافية وكذا ضعف ترشيد النفقات العمومية .

المطلب الثاني: الإصلاح الموازني و مبادئ الحكامة المالية

 

أصبح الاهتمام بضرورة الاصلاح الموازني يتنامى لدى العديد من المهتمين بالمجال الماليوذلك بعد صدور تقارير صندوق البنك الدولي، وذلك ايمانا منه بكون الاصلاح الموازني أساس كل اصلاح كيفما كان، وفيجميع الميادين والمجالات. لذلك تم اعتماد أسلوب جديد يحاول التخلص من المنهجية التقليدية وذلك بغية تحقيق مجموعة من الأهداف، ويمكن تلخيص هذه الأهداف في كل من ترشيد النفقات العمومية توخيا للأداء الجيد واشاعة الشفافية في عملية الإنفاق، وكذلك ملائمة الميزانية مع اللاتركيز وتكييف الميزانية مع التسيير الجيد . فالإصلاح الموازني ينبغي ترشيد النفقات وذلك من أجل أن تحقق النفقات العمومية الدور النوط بها حول تحقيق المصلحة العامة وبتين ترشيد النفقات والتدبير الجيد لها والتحقق من الهدف وراء كل صرف للنفقات، ومن أهم الأهداف كذلك إشاعة الشفافية في صرف النفقات وعملية الإنفاقوذلك من أجل تحسين صورة الميزانية العامة أمام الرأي العام وذلك من أجل تفادي العمليات الضبابية والخيالية التي تثير الشبهاتوبالإضافة إلى هذه الأهداف نجد كذلك ملائمة مسلسل الميزانية العامة مع اللاتركيز التي يتجه المغرب إلى ترسيخه، وهذه المقاربة ستمكن من إحداث تحول هام بين لإدارة المركزية ومصالحها الخارجية، هذه الأخيرة التي ستعمل على تسيير موارده المالية والبشرية الموضوعة تحديدها فتعزيز اللامركزية في الجانب المالي يستعمل على توفير مزيد من الحرية في استغلالها فيما يوافق الحاجة العامة المحلية من طرف الأخرين بالصرف، وبالإضافة إلى هذه الأهداف التي سبق ذكرها لا ننسى ملائمة مراقبة النفقات العمومية مع التدبير الجيد وذلك بالانتقال إلى مراقبة الجوهربدل الشكل وذلك من خلال توسيع المسؤولية على نطاق واسع على المتصرفين في المال العام.

الفقرة الأولى: تقوية شفافية المالية العمومية:

سيتم في هذا الإطار تعزيز المبادئ الأساسية المنظمة للمالية العمومية، وذلك من خلال إدراج مبدأ صدق الميزانية بشكل صريح في القانون التنظيمي لقانون المالية، مع الالتزام بالمبادرة إلى تقديم قوانين مالية تعديلية حين حصول تغيرات في أولويات الاستحقاق وإفراز مبدأ صدق المحاسبة من خلال حصر مجموع أنشطة الدولة وممتلكاتها وتتبع تطوره وإنتاج معلومات محاسبية موحدة مع إفراز المحاسبة التحليلية وقياس وتقييم الأداء. كما سيتم أيضا العمل على إدراج المؤسسات والمنشآت العامة في مجال القانون التنظيمي لقانون المالية، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية، فقد تم اعتماد قواعد مالية جديدة من أجل تعزيز التوازن المالي وشفافية تدبير الميزانية، من خلال إضفاء طابع المحدودية على اعتمادات الموظفين وإشراك الإدارات في إنجاز توقعات كتلة الأجور وتنفيذها في علاقة مع تدبير موظفيها؛ إضافة إلى منع تفعيل تدابير مراجعة الأجور التي لم تكن موضوع توقع أو ترخيص في إطار قانون المالية، كما سيتم أيضا العمل على منع إدراج نفقات التسيير بميزانية الاستثمار من أجل ضمان مزيد من الانسجام مع المحاسبة الوطنية وقدر أكبر من شفافية تدبير الميزانية.

ومن جهة ثالثة، سيتم العمل على تبسيط قراءة الميزانية، مما سيمكن من تقليص عدد أصناف الحسابات الخصوصية للخزينة من 6 إلى 4، وهي الحسابات المرصودة لأمور خصوصية والتي يشترط لإحداثها تخصيص موارد أخرى غير تلك المتأتية من ميزانية الدولة، وحسابات الانخراط في الهيئات الدولية، وحسابات العمليات النقدية، وحسابات التمويل. كما سيتم اشتراط تبرير موارد ذاتية متأنية من الخدمات التي تقدمها المصلحة لإحداث مرفق للدولة مسير بصورة مستقلة.

الفقرة الثانية   :تعزيز نجاعة أداء التدبير العمومي

يرمي اعتماد مقاربة حسن الأداء بالقطاع العمومي إلى تحسين فعالية ونجاعة التدبير العمومي وتعزيز جودة الخدمات العمومية من خلال توجيه التدبير الميزانياتي نحو بلوغ الأهداف المسطرة. وقد تم في هذا الإطار التركيز على ثلاث نقط أساسية في هذا المجال:

أ – البرمجة المتعددة السنوات في الميزانية

و ذلك من خلال إعداد قانون المالية على أساس دورة متعددة السنوات، وإعداد جميع الوزارات لبرمجة متعددة السنوات على مدى ثلاث سنوات يتم تحيينها سنويا، وذلك على أساس أهداف إستراتيجية مع الأخذ بعين الاعتبار التكاليف المرتبطة بالموارد البشرية، بالتسيير، بالاستثمار…، إدراج مرحلة جديدة في الجدول الزمني لقانون المالية خاصة بإعداد البرامج المتعددة السنوات، إضافة إلى تعزيز البعد الاستراتيجي لقانون المالية الذي سيحافظ على طابعه السنوي.

ب – ربط النفقة العمومية بتحقيق النتائج

وذلك من خلال إعادة هيكلة تدبير الاعتمادات المرصودة. حيث سيتم وفق مشروع إصلاح القانون التنظيمي للمالية العمل على هيكلة الميزانية حول البرامج، أي بدل العمل بالمادة، الفقرة، السطر سيتم وفق الإصلاح الانتقال من البرنامج نحو الجهة إلى تحديد المشروع. كما سيتم الانتقال في هذا المجال من منطق الوسائل الذي يهدف إلى صرف الاعتمادات إلى منطق النتائج والذي يهدف نحو فعالية النفقات العمومية واستهداف تحسين عيش المواطنين. حيث يستند منطق النتائج إلى تحديد الحاجيات والأولويات، حيث يصبح صرف الاعتمادات في ظل تركيز الميزانية على تحقيق النتائج مجرد وسيلة فقط وليس هدفا.وهو ما سيمكن من الانتقال تدريجيا من نظرة قطاعية و عمودية للبرامج إلى مقاربة مندمجة ومتكاملة وأفقية( تترك لكل الوزارات والقطاعات) مما سيؤدي كنتيجة إلى ترشيد النفقات مع ضمان نجاعة أكبر في نوعية التدخل وفي الأثر الناتج عنه.  كما يقوم هذا الإصلاح الذي يعتمد منطق النتائج على دعامتين أساسيتين هما:

  • الدعامة الأولى وتتمثل في الإطار التنظيمي باعتماد ثلاث آليات هي شمولية الاعتمادات والتعاقد والشراكة؛
  • الدعامة الثانية تتمثل في إطار تحليل للواقع الاقتصادي والاجتماعي بإدماج مقاربة النوع الاجتماعي، حيث تمت جندرة الميزانية .هذه الأخيرة تم تعريفها على أنها مسلسل يتخذ من خلال إقرار سياسة أو مخطط أو ميزانية أو برنامج أو مشروع لتحليل الميزانية حسب النوع الاجتماعي ويقاس أثر الاعتماد المرصود بمدى تحسن ظروف عيش الساكنة  المستهدفة وتأثير نتائج ذلك التحسن على النساء والرجال والبنين والبنات.إذ تشكل جزءا من مقاربة مندمجة ومتناسقة تستهدف تحقيق الإنصاف والمصالحة والمساواة عبر التنسيق بين السياسات والبرامج والميزانية، ويتعلق الأمر بإدماج تحليل النوع الاجتماعي في كافة مراحل برمجة وتنفيذ الميزانية.
  • النقطة الثالثة التي ركز عليها في إطار تعزيز نجاعة أداء التدبير العمومي، هي اعتماد التقييم  وتقديم الحسابات، حيث ستتم افتحاصات سنوية للأداء بشكل مشترك بين المفتشية العامة للمالية والمفتشيات العامة لباقي الوزارات، حيث سيتم العمل على تقييم نظام المراقبة الداخلية و تحليل البرامج انتقالا إلى تحليل المؤشرات و تتبع النتائج.

الفقرة الثالثة : الرأسمال الامادي معيار أساسي في السياسة المالية  بالمغرب

 

يعتبر المغرب من البلدان القليلة التي قررت على نحو استباقي إطلاق مشروع تقييم منتظم لثروتها الوطنية و رأسمال البلاد غير المادي . و جرى هذا التقييم من خلال الاعتماد في المرحلة الأولى على المقاييس التي يعتمدها البنك الدولي .

وقد قام البنك الدولي فعليا بتقييم ثروة الدول و رأس مالها غير المادي و قد قام البنك الدولي فعليا يتقييم ثروة الدول و رأسمالها غير المادي و قد قام كذلك ببعض التقييمات في 2010

و 2012 و 2013 لعدد  محدود من البلدان بما في ذلك المغرب . و جرى التقييم بطريقة مختلفة عن الأسلوب التقليدي من خلال احتساب الناتج المحلي الإجمالي بما يسمح بإجراء مقارنات و يخول تحديد الترتيب الدولي لكل بلد على الصعيد العالمي و كذلك على مستوى المكونات المختلفة لثروتها  الوطنية .

استنادا إلى مقاييس البنك الدولي تمثل الثروة الوطنية القيمة الحالية للاستهلاك المستقبلي في كنف جيل واحد .

و يقدر رأس المال غير المادي بطرح رأس المال المنتج و رأسالمال الطبيعي من الثروة الوطنية و إضافة صافي الأصول المالية . و يشمل الاحتساب جميع الموجودات التي ليست ملموسة و التي من الصعب بالتالي تقييمها مثل رأس المال البشري و رأس المال  الاجتماعي و جودة المؤسسات و يمثل رأس المال المنتج قيمة المخزون من رأسمال المال المادي أي الآلات و المعدات و المباني و الأراضي في المناطق الحضرية .أما بالنسبة إلى رأس المال الطبيعي فإنه يشمل موارد الطاقة و الموارد المعدنية و موارد الغابات  و هي الاراضي الصالحة للزراعة و المراعي و المناطق المحمية .

ووفقا لتقييم البنك الدولي أحرزت الثروة الشاملة للمغرب تقدما في الدولار المستمر 2005  إذ تطورت بما يقارب 75 % بين سنتي 2000 و 2013 أي بمعدل نمو سنوي متوسط يعادل4.4 % و ارتفع راس المال غير المادي بحوالي 82 % بين سنتي 2000 و 2013

أي نمو سنوي متوسط يعادل 4.7% و ارتفع نصيبها من الثروة الوطنية من نسبة72.8 % سنة 2000 إلى نسبة 75.7 % سنة 2013 و هي فترة اتسمت بتغييرات هامة في المغرب و بديناميكية الاستثمار مما ساهم بشكل كبير في تعزيز نصيب رأسالمال الناتج في الثروة الوطنية.

و يقترب بذلك وزن رأس المال غير المادي في الثروة الاجمالية للمغرب من وزن رأس المال غير المادي الذي تسجله البلدان المتقدمة .و يستنتج من هذه المعطيات أن رأس المال غير المادي المغربي هو الآن القاعدة العامة التي تسمح بخلق الثروة و أن السياسات العامة ينبغي بالتالي أن تستهدف مكونات رأس المال للمحافظة على وتيرة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية .

كما قام البنك الدولي بدراسة اخرى سابقة حملت عنوان أين توجد ثروة الدول ؟ و استنتجت المنظمة الدولية من خلالها أن قيمة راس المال غير المادي في البلدان المتقدمة تتراوح بين 66  و 80 % من الثروة الوطنية الشاملة . و قد كشفت الدراسة أن رأسالمال غير المادي بالمغرب يمثل 78 % من مجموع الثروة في حين ان الرأس المال غير المادي بالجزائر لا يتجاوز 18%.

و تؤكد الدراسة أن الثروة في المغرب للفرد الواحد كانت تبلغ 22.965دولار للفرد في الجزائر على الرغم من ثروتها النفطية.

و توقع صندوق النقد الدولي ان ينمو اقتصاد المغرب بواقع 3.9% في عام 2014 و أن يرتفع النمو إلى 4.9 % في عام 2015.

و حقق الاقتصاد المغربي سنة 2013 نموا ب4.4 % مدفوعا بارتفاع القيمة المضافة للقطاع الزراعي ب 19% و ذلك بفضل محصول حبوب قياسي بلغ 97 مليون قنطار .و في المقابل تباطأت القطاعات غير الزراعية عام 2012.

الفقرة الرابعة :  دور المجتمع المدني في تحديث المالية العامة

تميزت الوثيقة  الدستورية  الحالية عن باقي الدساتير السابقة ، بالتنصيص على إشراك المجتمع المدني في إعداد و تنفيذ السياسات العمومية و المالية التي تعتبر محركا أساسيا لمختلف المخططات السياسية. و هو ما يستشف من منطوق الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور “….الديمقراطية المواطنة و التشاركية ،…..”، حيث نلمس التوجه نحو إرساء المقاربة التشاركية بين الدولة و الهيئات غير الرسمية و التي تعتبر جمعيات المجتمع المدني من أهم هذه الهيئات.

و إذا كان الفصل الأول من الدستور ينص على المقاربة التشاركية ، فإن الفصل 12 يؤكد هذه المقاربة من خلال التنصيص على ضرورة إشراك المجتمع المدني في إعداد مختلف القرارات الصادرة عن المؤسسات المنتخبة و السلطات العمومية ، و كذلك المساهمة في تفعيل و تقييم المشاريع المقترحة من طرف الهيئات الرسمية، هذه الهيئات التي أصبحت مطالبة بإشراك المجتمع المدني في إعداد السياسات العمومية و تفعيلها و تنفيذها و تقييمها ، و ذلك بالعمل على إحداث هيئات للتشاور. إضافة إلى فتح المجال أمام المواطنين و المواطنات لتقديم ملتمسات في ميدان التشريع وفق قانون تنظيمي يحدد شروط و كيفية تقديمها، كما منح المشرع الدستوري حق تقديم العرائض للمواطنات و المواطنين ، طبقا لقانون تنظيمي يحدد كيفية و ممارسة هذا الحق.

إن تعزيز المقاربة التشاركية للمجتمع المدني في تدبير الشأن العام، يقتضي ضرورة حصول هذه الجمعيات على المعلومات الموجودة لدى الإدارة العمومية و المؤسسات المنتخبة حتى تتمكن من المساهمة بشكل فعال في مختلف مراحل اتخاذ القرارات ، و قد تم اقتراح مشروع القانون رقم 31.13 المتعلق بحق الحصول على المعلومات لتكريس هذا المبدأ ، و هو ما يتضح من خلال مواده ، لا سيما المادة 7 التي تنص على نشر المعلومات بما فيها مشروع قانون المالية و التقارير المرافقة له و الرسائل التأطيرية للميزانيات ، إضافة إلى مشاريع الميزانيات الفرعية للوزارات و تقارير تنفيذ الميزانيات القطاعية ، كما نصت المادة 24 من مشروع القانون رقم 31.13 على ضرورة تمثيل المجتمع المدني في اللجنة الوطنية لضمان حق الحصول على المعلومات ، الذي من شأنه أن يعزز دوره العملي في تحديث الموازنة. كما أن مشروع إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية نص في المحور الثاني المتعلق بأهداف استراتيجية الإصلاح على ضرورة تحقيق انسجام تدخلات كافة الفاعلين على المستوى الترابي ، و تقوية شفافية المالية العمومية و تبسيط مقروئية الميزانية.

إلى جانب مطلب تطوير الترسانة القانونية المنظمة لتدخل المجتمع المدني في تحديث الموازنة ، هناك آلية التكوين المستمر لأعضاء هيئات المجتمع المدني في المجال القانوني و الإقتصادي و المالي , و إشراكهم في إعداد الميزانية  ، حتى يتمكنوا من استيعاب مضامين وثيقة الميزانية التي يطغى عليها الطابع التقني ، و التصورات الماكرواقتصادية ، و هو ما سيساعد على تجاوز التدبير التقليدي للميزانية الذي يرتكز على التصرف في الموارد دون الإهتمام بالنتائج ، و هو ما لا يتماشى و التدبير الحديث للميزانية.

المبحث الثاني: مرتكزات الإصلاح الموازني بالمغرب

 

أصبح من الضروري تصور سياسة مالية تكون في خدمة السياسات العمومية ،الاقتصادية والاجتماعية ،فالمالية العمومية وسيلة وأداة لتحقيق التنمية الوطنية الشاملة .

واضح إذا أن اعتماد سياسة مالية ناجحة يمر عبر تحديث وسائل التدبير المالي ضمن استراتيجية اقتصاديةمدروسة ، تقع الميزانية العامة في جوهرها، ذلك أن هذه الأخيرة تستقطب اهتمام الفقهاء والفاعلين الاقتصاديين على حدسواء ،مما دفع المسؤولين الحكوميين في السنوات الأخيرة إلى محاولة تجاوز الوضح الحالي ، والمبادرة إلى اتخاذ إجراءات مرحلية تروم مراجعة أسلوب تدبير الميزانية والمرور بها من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج(المطلب الأول) في انتظار إصلاحات أشمل وأعمق تستهدف الإطار القانوني والمؤسساتي(المطلب الثاني)

المطلب الأول: من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج

 

يجب المرور من منطق ميزانية الوسائل أي الاهتمام بالدرجة الأولى بصرف الاعتمادات المالية ،أي ان أهداف الميزانية تتحدد على الموارد المتوفرة وبالتالي ينعكس ذلك ايضا على طبيعة العمل التقييمي(الرقابي)،والذي ينحصر في تقييم مستوى صرف هذه الاعتمادات والامتثال للمساطر والإجراءات المقررة بهذا الشأن. والوصول إلى منطق ميزانية النتائج أي الاهتمام بنجاعة النفقات العمومية وفق الحاجيات المعلنة ،بمعنى ان أهداف الميزانية تحدد بناء على الحاجيات المعلنة ويتم العمل على توفير الإمكانيات  لتحقيق ذلك (تعبئة الجهود المركزية والمحلية). الأمر الذي ينعكس على طبيعة العمل التقييمي  والذي يهتم هذه المرة بمستوى تحقيق الأهداف المعلنة وانعكاساتها ، وليس مدى صرف الاعتمادات المالية التي ماهية أولا وأخيرا سوى أداة لتحقيق الأهداف وليست غاية في حد ذاتها. ولتقريب مفهوم ميزانية النتائج وشروط تحققه لابد من تعريف التدبير المرتكز على النتائج. والذي يمكن اعتباره كمسلسل يتشكل ويحدد كل سنة وفي إطار برنامج يمتد إلى ثلاث سنوات ،ويقوم هذا التدبير على احترام المسؤوليات من طرف الإدارة المركزية التي تتصرف في سلطة قرار تسيير الوزارة، كما أن المصالح اللاممركزة التابعة لنفس الوزارة  تستفيدمن تفويض السلطة على أساس تحقيق الأهداف المحددة في الاتفاق المشترك مع الإدارة المركزية.

ويستهدف التدبير الميزانياتي على اساس النتائج مبدئيا مساءلة المصالح اللاممركزة التي تتولى مهام إدارة القرب وذلكمن خلال.

  • تقريب الإدارة من المواطنين عبر تبسيط المساطر المالية و إتاحتها للعموم واستقبال اقتراحات و شكايات و تظلمات المواطنين .
  • تحسين جودة الخدمات المقدمة من طرف الإدارات العمومية.
  • تبسيط اللاتركيز في سلطة التدبير.
  • توجيه كل الطاقات على العمل عبر مسلسل يؤمن تحقيق النتائج.
  • ولتفعيل فعلي لميزانية النتائج لابد من العناصر التالية:
  • إقرار الشمولية في اعتمادات الميزانية: Globalisation des crédits ؛وهي أداة من شأنها إعطاء ديناميكيةلتحديث تدبير المالية العمومية وتكريس اللامركزية المالية ،لأن من شأنها تمكين المصالح اللاممركزة من اعتمادمقاربة أفقية فعلية في تدبير النفقات العمومية لأنها تسمح بتفويض سلطة تدبير الإعتمادات الموضوعة رهن إشارة هذا المصالح للمسؤول الترابي عنها،طبقا لالتزام صريح ومتفق عليه مع إدارتها المركزية حول كيفية وضعبرامجها.
  • التعاقد :contractualisation ؛أي تفعيل اللاتركيز الإداري من خلال التعاقد بين الإدارات المركزية ومصالحها الخارجية يتم بموجبه فسح المجال لهذه الأخيرة على مستوى التدبير من خلال انتقالها من مجرد مصالح لتنفيذ المشاريع وعدم الإهتمام بالإمكانيات المالية المخصصة لها ، إلى مصالح تشارك في التخطيط ووضع المشاريععلى ضوء الأولويات و الحاجيات المعلنة.
  • الشراكة: partenariat؛ أي تبني مقاربة تشاركية في انجاز المشاريع بين الدولة والفاعلين المحليين. وتتجه هذه المقاربة نحو تدعيم العمل الجمعوي وتمكينه من الدعم المالي لما له من قدرة على التدخل عن قرب ورصد الإحتياجات المحلية.
  • مقاربة النوع الإجتماعي l’approche genre ؛أي تطبيق هذه المقاربة عند وضع وتنفيذ الميزانية من خلال الأخذ بعين الإعتبار انتظارات واحتياجات النساء والرجال والبنات والأولادمن مختلف الشرائح للحد من الفوارق الإقتصادية والاجتماعية والسياسيةالقائمة بينهما.

المطلب الثاني : الإصلاح القانوني والمؤسساتي

 

إذا كانت الواقع يفرض الإنتقال من الترويج للمقاربة الجديدة لتدبير الميزانية إلى التنفيذ الفعلي لها ، وذالك من خلال التطبيق الفعلي لعدد من المساطر ، والأليات الجديدة كشمولية الإعتماد ، وتقييم الأداء والشراكة ، فإن هذه الإجراءات تبقى غير كافية في غياب أساس قانوني يراعي الثغرات التي تطال تحديث الميزانية ، وهذا ما يدفعنا إلى ضرورة إعادة النظر في المنظومة القانونية المؤطرة للتدبير المالي ، وكذا إشراك مختلف الفعاليات والمؤسسات المؤثرة في تدبير الميزانية .

  • مراجعة القانون التنظيمي للمالية :

يعتبر القانون التنظيمي للمالية بمثابة دستور المالية العمومية  ، لأنه هو الذي يحدد الضوابط التي يخضع لها تدبير مالية الدولة ، ولذلك كان من اللازم الإسراع بإصلاحه في إطار المخطط التشريعي للحكومة ، وذلك قصد ملائمته  مع المرتكزات الجديدة التي جاء بها دستور 2011 ، وفي هذا الإطار تم الخروج بقانون تنظيمي لقانون المالية ، وذلك بغية تقوية الحكامة المالية ، وتعزيز الشفافية والتشاور وتحسين فعالية ونجاعة النفقات العمومية ، وهكذا فمن المؤكد أن المبادرة إلى مراجعة هذا القانون ، من شأنها أن تؤدي إلى ضمان فعالية المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية ، وهي نفس المنهجية التي ارتكزت عليها تجربة الإصلاح المالي في فرنسا .

وقد جاء هذا القانون  إستجابة للفصل 75 من دستور 2011 ، ومن أبرز أهداف إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية ملائمته مع المقتضيات  الدستورية الجديدة في ميدان المالية ومواكبة الدينامية الجديدة للجهوية الموسعة ، كما يرمي هذا المشروع إلى تقوية فعالية و نجاعة السياسات العمومية وتعزيز تناسقها وإنسجامها وتحسين جودة خدمات المرفق العمومي وتكريس مبدأ الشفافية في تدبير أملاك الدولة وتقوية مسؤولية المدبرين فيما يخص تحقيق الأهداف المرتبطة بالموارد المالية المرخص بها .

وهكذا إذن بات التعجيل بمراجعة القانون التنظيمي للمالية أمرا ضروريا لإستيعاب المتغيرات الطارئة على تدبير الميزانية بشكل يضمن نجاح تجربة التدبير بالنتائج ، وفي الإطار ذاته لا يكفي إصلاح القانون التنظيمي للمالية مالم تواكبه إصلاحات مماثلة  ، تخص الشأن المالي كما هو الحال لقانون المحاسبة العمومية .

 

  • مراجعة قانون المحاسبة العمومية :

يلعب النظام المحاسبي كنظام متكامل وشامل ، دورا كبيرا في إمداد المستويات الإدارية المختلفة بالمعلومات اللازمة لتحقيق وظائفها المتمثلة في التنظيم والتخطيط والمراقبة  ، فقد إنطبعت المحاسبة العمومية بسمات القطاع العام من حيث الحضور القوي للإعتبارات القانونية وضعف مؤشرات المردودية ، ذلك أنها تتوخى أساسا مراقبة مشروعية تنفيذ العماليات المالية ، وليس معرفة النتائج المادية ، بخلاف المحاسبة الخاصة التي تعتمد التحليل ضمانا لشفافية الميزانية ، وإعطاء وتقديم معلومات كافية حول سير العمليات المالية مما يتيح مقروئية أحسن وأنجع لوثائق الميزانية ، وسهولة الولوج إلى المعلومة من كل الأطراف المتدخلة في التدبير المالي ،وبهذا يكون من بين أهداف إصلاح النظام المحاسباتي هو تقديم وإعداد معلومات ذات مصداقية وبكيفية تسهل مراقبة المالية العامة .

  • تعزيز السلطة المالية للبرلمان :

يقتضي الإصلاح الموازني دعم وتقوية العمل البرلماني ، وذالك بمنحه صلاحيات أكبر في المجال المالي ، وتقوية المراقبة المشتركة ، وإحداث لجان برلمانية للمراقبة من أجل دراسة التسيير الإداري والمالي والتقني لمرافق الدولة والمقاولات العمومية وذلك بهدف دعم المراقبة بواسطة التقصي، وكذا تحديث العمل البرلماني من أجل تدبير عقلاني للشأن المالي من خلال إعطاءه صلاحيات رقابية.

وتتجلى أهم المستجدات الرامية إلى تقوية سلطات البرلمان في المجال المالي في المظاهر التالية :

إتساع نطاق المبادرة البرلمانية عن طريق إمكانية أعضاء البرلمان في إقتراح نقل الإعتمادات داخل نفس البرنامج ، ومن برنامج إلى أخر ،

تعزيز سلطات البرلمان في مجال الرقابة على عمليات تنفيذ الميزانية ، عبر مراقبة مدى تحقق الأهداف ، عبر مؤشرات أداء محددة مسبقا

توسيع صلاحيات لجنتي المالية بالمجلسين ، بالشكل الذي يمكنها من تتبع الميزانية  ، والإطلاع على كافة الوثائق المهمة لتفعيل الرقابة السياسية على المال العام .

وإضافة إلى كل ذالك يتطلب تعزيز دور البرلمان ضرورة مراجعة التصويت على قانون المالية ، وذالك وفق المهمات بدل التصويت عليها وفق الفصول

يتضح مما سبق أن من شأن تقوية صلاحيات البرلمان في تدبير الشأن المالي ، أن يعمل على بلورة تدبير الميزانية بمنطق النتائج على أرض الواقع وإخراجها من طابعها النظري وهو هدف يستوجب مشاركة المجتمع المدني ، وذلك لكونه شريكا اساسيا للدولة في تخطيط وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية .

 

خاتمــــــة

من خلال ما سبق يتضح أن الإصلاح الموازاني بالمغرب ولد ناقصا مقارنة بنظيره في فرنسا وذلك من زاويتين :

ـــــ من حيث مدخل الإصلاح: والذي يجب أن ينطلق من إصلاح القانون التنظيمي للمالية ،وهذا ما فعلته فرنسا،باعتباره يتضمن المقتضيات المتعلقة بالقانون المالي في كل مراحله(المضمون ،كيفية التقديم،الإعداد ،المصادقة،التنفيذ والمراقبة)،وذلك لكي يتضمن كل الإجراءات المتعلقة بإصلاح تدبير الميزانية ،أي مقومات الإنتقال من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج. بدل الإعتماد على مناشير ومراسيم.

ـــــ منهجية الإصلاح : حيث أنه في فرنسا أساسه مبادرة برلمانية وهذا شيء أساسي وجوهري باعتباره يعيد التوازن بين البرلمان والحكومة. وفي المغرب لازلنا نطمح إلى الحد من العقلنة البرلمانية التي لازمته منذ ولادته، ولعل الدستور المغربي لسنة 2011 أتى بمقتضيات مهمة كالفصل 70والذي ينص «………….يصوت البرلمان على القوانين ويراقب عمل الحكومة،ويقيم السياسات العمومية……….»وهنا اختصاص مهم للبرلمان في تقييم االسياسات العمومية ومنها السياسة المالية. كما ينص الفصل 75 على أن البرلمان يصوت على قانون المالية، ولعل أهم مقتضى ورد في دستور 2011 الوارد في الفصل77والذي ينص«يسهر البرلمان والحكومة على الحفاظ على توازن مالية الدولة…….» وهنا محاولة المشرع الدستوري وضع البرلمان إلى جنب الحكومة في الحفاظ على التوازن المالي، ومنه إعطاء البرلمان سلطات أكبر. كل هذه المقتضيات من شأنها إعطاء دفعة قوية لعمل المؤسسة التشريعية في حالة ماتم تنزيلها وفقا لروح وفلسفة دستور المملكة المغربية ل29 يوليوز 2011.

أما من حيث فلسفة الإصلاح فيمكن القول أن فلسفة الإصلاح الموازاني بفرنسا هي نفسها التي أطرت نظيره بالمغرب: مقاربة شمولية للإصلاح تهدف المرور من منمنطق ميزانية الوسائل إلى منطق ميزانية النتائج.

كما أن لتعزيز دور الأجهزة الرقابية أهمية بالغة في تثبيت الإصلاح الموازاني من خلال الإهتمام بتقنيات التتبع والإفتحاص ،أي عدم الإكتفاء برقابة المشروعية ،بل العمل على إرساء قواعد الرقابة التدبيرية . فما هو إذا دور البرلمان في تقييم السياسات العمومية؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super