محاضرات في قانون التعمير

عرفت عملية استعمال الأراضي في مجال التعمير تحولات مهمة نتجت عن تزايد التجمعات السكانية في المدن،واتساع رقعة المساحات التي شملتها عمليات التعمير.وقد تعددت تدخلات الدولة وانشغلاتها بتنظيم المجال واستغلال الأراضي بموازاة مع تزايد الطلب وتنوع حاجيات المجتمع، فأضحت مسألة توفير الأراضي في المناطق الحضرية من أولى اهتمامات السلطات العمومية في ميدان التعمير، من أجل وضع سياسة عقارية واضحة المعالم، وذات أهداف محددة لإستغلال المجالات الحضرية.
ولعل أهمية السياسة العقارية تكمن في كونها هي التي تحدد دور السلطات العمومية سواء في مجال تنظيم استعمال الأراضي، بحيث تسمح بمنح مجموعة من الإمتيازات لمختلف المتدخلين لإستثمار الأراضي الصالحة للتعمير.أو في مجال تطوير النظام العقاري لكي يستجيب لمتطلبات التعمير المتزايدة يوما بعد يوم. فقد أدى ارتفاع معدل النمو الديمغرافي داخل المدن، وتزايد الهجرة القروية، وعصرنة القطاعات الإنتاجية ، بمافيها القطاع الفلاحي، وإحداث المناطق الصناعية والتجارية والسكنية ،إضافة إلى التجهيزات الأساسية والمرافق الإجتماعية المختلفة ،إلى تزايد الطلب على الأرضي بالمناطق الحضرية.وفي مقابل هذا التزايد المستمر تعرف السوق العقارية وضعية لاتتماشى مع الحاجيات المطلوبة للنمو الحضري.
لذا يمكن القول أن العقار يعتبر أساس كل عملية من عمليات التعمير،لكونه المادة الأولى في مجال التوسع العمراني والتخطيط الحضري. فتنظيم المجال يرتبط بالأرض، وبضرورة استعمالها لتنمية المجتمع وتنظيم الحياة الإجتماعية. غير أن هذا التنظيم يصطدم بالمشاكل العقارية بشكل عام ، وبطبيعة السوق العقارية بشكل خاص. مما يستدعي تدخل الدولة للتحكم في هذا القطاع – أي قطاع العقار – لما له من أبعاد ورهانات تمس المجال الحضري وسياسة التعمير على جميع المستويات.
أهـمية المـوضوع:
يكتسي موضوع استعمال الأراضي في مجال التعمير أهمية قصوى في كونه مرتبط بشكل أساسي بدور الأراضي في تحقيق برامج السكن والتعمير. ونظرا للعلاقة الجدلية بين المشاكل العقارية ومشاكل التعمير،فكان لا بدا من إيجاد سياسة عقارية تكون في خدمة التعمير وتساهم في توفير الأراضي اللازمة للإستعمال في هذا المجال وتجنيد احتياطات عقارية للمستقبل.ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية للموضوع.
الإشكالية المحورية :
إلى أي حد ساهمت السياسة العقارية في توجية استعمال الأراضي لخدمة المجال الحضري والسياسة العمرانية بالمغرب ؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية المركزية عدة تساِؤلات من بينها:
1 – ما هي التحولات التي عرفها مجال استعمال الأراضي ؟
2 – كيف تؤثر السياسة العقارية على توجهات سياسة التعمير ؟
3 – ما هي اختصاصات الدولة في مجال تنظيم استعمال الأراضي؟
4 – إلى أي حد ساهم المتدخلون في ميدان التعمير في إبراز الوظيفة الاجتماعية للأرض؟
5 – إلى أي مدى أثر تعدد المتدخلين في قطاع العقار في استغلال الثروة العقارية ؟
6 – كيف يمكن تحقيق تعمير منسجم في ظل وضعية عقارية معقدة؟
7 – ما هي الإكرهات التي تحول دون استغلال أنسب لمورد الأرض في مجال السكنى والتعمير؟
8 – ماهي السبل الكفيلة بتطور النظام العقاري ليستجيب لمتطلبات التنمية,وللسياسات المتبعة في ميدان التعمير؟
9 – ماهي التدابير التي يجب اتخاذها لكي لا يشكل العقار عائقا ولكي يستجيب للمتطلبات والإكراهات الاقتصادية والاجتماعية؟
10 – ما هي آفاق مشروع مدونة التعمير فيما يخص السياسة العقارية ؟
وللإجابة على هذه التساؤلات سنعتمد التصميم التالي :

التـصمـيـم

المبحث الأول : أهمية التحولات التي عرفها مجال استعمال الأراضي
المطلب الأول : ارتباط السياسة العقارية بتوجهات سياسة التعمير
أولا : تدخل الدولة في المجال العقاري
ثانيا : كثافة الإستعمالات العقارية في ميدان التعمير
المطلب الثاني : تحديد التوجهات العامة لاستعمال الأراضي
أولا : المقاربة الوظيفية والاجتماعية في التخطيط الحضري
ثانيا : ضرورة استحضار البيئة في التخطيط الحضري

المبحث الثاني : السياسة العقارية وإكراهات التدبير العمراني
المطلب الأول : صعوبات مرتبطة بالنظام العقاري بالمغرب
أولا : تعدد الأنظمة القانونية الخاصة بالأراضي
ثانيا : ازدواجية نظام العقار من حيث التملك (المحفظ وغير المحفظ)
المطلب الثاني : تداعيات مشاكل العقار على فعالية التدبير العمراني التعمير
أولا : غياب استراتيجية عقارية كفيلة بتحقيق أهداف سياسة التعمير
ثانيا : آفاق التدخل العمومي في ميدان التعمير على ضوء مشاريع الإصلاح

المبحث ا لأول : أهمية التحولات التي عرفها مجال استعمال الأراضي
عرفت عملية استعمال الأراضي في المناطق الحضرية تحولات مهمة نتجت عن تزايد التجمعات السكانية في المدن، واتساع المساحات التي شملتها عمليات التعمير. وقد تعددت تدخلات الدولة وانشغالاتها بتنظيم المجال واستغلال الأراضي بموازاة مع تزايد الطلب وتنوع حاجيات المجتمع خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.
فلقد أدى ارتفاع معدل النمو الديمغرافي داخل المدن، والهجرة القروية الناتجة عن تدهور القدرة المعيشية بالبادية وعصرنة القطاع الفلاحي، وكذلك إحداث مناطق صناعية وتجارية وسياحية بالمناطق الحضرية إلى تزايد الطلب على الملكية العقارية والى تكثيف استهلاك الأراضي.
وتجلت بوضوح أهمية الأراضي وأهمية ضرورة توزيعها بشكل عادل من خلال عمليات التعمير الواسعة، وتنوع حاجيات الجماعة، وتطور العادات والتقاليد الاجتماعية والثقافية، وكذلك ظهور نظريات وقواعد حديثة في مجال التهيئة والتعمير. ومع مرور التجارب ازداد الوعي بالدور الذي تلعبه الأرض في كل من عمليات التعمير وبالأهمية الاقتصادية والاجتماعية التي تحتلها في إطار تنمية المجال، و أضحى استغلالها بالقدر الكافي في الوقت المناسب والمكان المناسب يشكل هدفا من أهداف التعمير بصفة عامة.

المطلب الأول : ارتباط السياسة العقارية بتوجهات سياسة التعمير
عرف المغرب منذ حقبة الاستعمار وبعده وحتى حدود الآن، توسعا حضريا كبيراً، أحدث تغييرات جذرية على التركيبة الاجتماعية، وعلى نمط العيش لدى مختلف الفئات الاجتماعية، وهذا كله بسبب تمركز عدد كبير للسكان بالمناطق الحضرية على حساب المناطق القروية، وذلك لعدة أسباب اقتصادية واجتماعية، الشيء الذي أدى وبشكل سريع ومهول إلى ارتفاع نسبة الساكنة بالحواضر من %5 سنة 1900 إلى %55 وفق آخر إحصاء لسنة 2005.
هذه التغييرات أوجبت على السلطات العمومية ضرورة تجهيز المزيد من الأراضي الصالحة للبناء، لخلق المزيد من التجهيزات والمرافق الاجتماعية وبعض الخدمات التي من أجلها هاجر السكان من القرى إلى الحواضر.
وعليه فحتى تتمكن الدولة من تحقيق مشاريع عمرانية هادفة لتنظيم أنشطة السكان، لا بد أن تتوفر على رصيد عقاري كاف. وهنا تأتي أهمية و دور السياسة العقارية المتبعة في الدولة. بحيث تمكن هذه السياسة من اقتناء الأراضي التي تحتاجها الدولة لإنجاز مشاريع التعمير. فتوفير الأراضي في المناطق الحضرية ،بات من بين أهم انشغالات السلطات العمومية في ميدان التعمير،فأهمية السياسة العقارية تكمن في كونها هي التي تحدد دور الدولة سواء في مجال استعمال الأراضي، بحيث تسمح بمنح مجموعة من الإمتيازات لمختلف المتدخلين لإستثمار الأراضي الصالحة للتعمير،أو في مجال تطوير النظام العقاري لكي يستجيب لمتطلبات التعمير المتزايد يوما بعد يوم.
وبالرجوع لأي سياسة عقارية في أي بلد نجد أنها تمكن الدولة من استيفاء الأراضي المحتاجة عبر وسيلتين رئيسيتين تسمى بأدوات السياسة العقارية، وتتمثل في نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، وهي أقدم وسيلة وأكثرها استعمالا خاصة في المغرب، فهي هنا لتكون رصيداً عقاري خاص بها تتعامل كشخص عام يستفيد من الوسائل الجبرية المستنبطة أساسا من مسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة المنصوص عليها في القانون رقم 7.81 الصادر في 6 ماي 1982، أو أن تتعامل كشخص عادي فتسلك بذلك المسطرة الثانية العادية والتي تنظم الأداة الثانية من أدوات السياسة العقارية وهي الاقتناء عن طريق التراضي وهو منظم في المنشور رقم 209 المؤرخ في 26 ماي 1976 الصادر عن الوزير الأول.
أولا : تدخل الدولة في المجال العقاري
إن اهتمام الدولة بالمشكل العقاري، يأتي في إطار تطور فلسفة التعمير التي ساهمت إلى حد كبير في تعدد عمليات البناء والتجهيز، وخلق مجموعة من الوسائل والأدوات بهدف تنظيم الإستعمالات المكثفة للأراضي وتخطيط التوسع العمراني، وذلك دون المساس بحق الملكية العقارية، في حدود عدم تعارضه مع المنفعة العامة. وقد نصت جل الدساتير التي تعاقبت على المملكة على أن حق الملكية حق مضمون ولا يمكن تقييده إلا عند الإقتضاء وبمقتضى القانون.ومن المعلوم ان تدخل الدولة للتحكم في المجال العقاري يهدف اساسا إلى تحقيق مسألتين اثنتين :العمل على ايجاد الأراضي اللازمة لإنجاز مختلف أعمال السكنى والتعمير من جهة ،ومراقبة السوق العقارية للحد من المضاربات وتجميد الأراضي من جهة أخرى. ومن ها تجدر الإشارة الى ان عملية توفير الأراضي الكافية و الملائمة لكافة المنعشين من القطاع العام والخاص تظل رهينة بوضعية السوق العقارية وبرغبة الدولة في التدخل لتنظيمها.

1 – التحكم القانوني في المجال العقاري
مما لا شك فيه ان أي ارتفاع في عدد أفراد السكان يقابله انخفاض في الإحتياطي العقاري المتوفر سواء بداخل المدن أو بالمناطق المجاورة لها. لذا يبقى تدخل الدولة ضروري عن طريق إيجاد إطار قانوني يسمح بتطوير النظام العقاري وجعله أداة طيعة لإنجاز مخططات التعمير. فمن جهة هناك أدوات السياسة العقارية التي تسهل عملية اقتناء الأراضي من طرف الدولة، كمسطرة نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، وحق الشفعة، والإقتناء بالتراضي.ومن جهة أخرى تعتبر وثائق التعمير بمثابة مشاريع عقارية يعمل المخطط على رسمها وتنفيذها بواسطة الأدوات المذكورة.وتتضمن وثائق التعمير في الواقع مجموعة من القيود التشريعية والتنظيمية التي يفرضها المشرع على حق الملكية، فهي توطئة لتدخل الدولة بهدف التحكم القانوني في مجال استعمال الأراضي.
وقد لعبت وثائق التعمير دورا كبيرا في ابراز الوظيفة الاجتماعية للملكية العقارية، فغدت تفرق بين الأراضي الفلاحية ، والأراضي الحضرية ، وتصف الاراضي بحسب استعمالها ، مناطق سكنية ومناطق صناعية واخرى سياحية ومساحات خضراء وغيرها. فمثلا نجد اختيارات المخطط التوجيهي تحدد مجموع الأليات التي لها علاقة بالسياسة العقارية، مثل تحديد المناطق العمرانية الجديدة، وعمليات التعمير المتعلقة بها، وتحديد المناطق التي لا يمسها التعمير كالغابات والأراضي الزراعية والتجهيزات والمرافق الاساسية والمناطق المثقلة بالإرتفاقات. أما تصاميم التهيئة والتنمية والتنطيق فلا يمكنها التنصيص على استعمالات أو إحداث مناطق، أوارتفاقات تخالف ما جاء في المخطط التوجيهي.فهناك غاية لهذه الإختيارات تكمن أساسا في العمل على تحقيق تنمية عمرانية منسجمة والحفاظ على الترابط بين مختلف المناطق المحدثة فوق الأراضي المعنية.
أما بالنسبة لأدوات السياسة العقارية ، فيمكن القول أن المشرع استعمل بشكل تدريجي مجموعة من التقنيات العصرية في تعامله مع الملكية العقارية وذلك بدءا بالدفاع عن حرية التصرف الخصوصي ثم مرورا إلى إخضاع هذا الحق للترخيص المسبق ثم الامر بسلوك معين ثم المراقبة ثم نزع الملكية عند الحاجة.
ويعتبر نزع الملكية من أجل المنفعة العامة من أولى الأدوات التي اعتمدت عليها السياسات العقارية في مجال التخطيط الحضري، وهي التي ظلت تجسد القوة العمومية والوسيلة الإجبارية المستعملة من طرف الإدارة كلما اصطدمت المصلحة العامة بمصلحة بعض الخواص في المجال العقاري. وهكذا صدر ظهير 26 مارس 1914 وهو أول نص تشريعي ينظم حق نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، لتتمكن سلطات الحماية من إنجاز البنية التحتية اللازمة لتوطيد الإستعمار،والإستيلاء على رصيد عقاري يكفي لخلق نظام عقاري عمومي يكتسب طابعا مغايرا للذي يكتسبه النظام العقاري المغربي من التنظيم الإسلامي. وقد حرص المشرع في هذا النص التشريعي الأول من نوعه في المغرب على “حماية حقوق الأشخاص” الذين تنزع ملكياتهم بالتنصيص على تدخل القاضي لمراقبة المسطرة المنصوص عليها،وتحديد تعويض مناسب لصالح الملاكين في حالة عدم تحديده عن طريق التراضي.
وفي بداية الخميسنات جاء ظهير 3ابريل 1953 ليخفف من عبئ بعض الإجراءات التي كانت تؤثر على الفترة المخصصة لنزع الملكية وعلى حقوق الخواص أيضا. وظلت مقتضيات هذا الظهير سارية المفعول حتى بعد الحماية مثلها مثل جل قواعد التعمير التي لم يعمل المغرب على تعديلها طوال سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي.مع العلم ان جل القوانين التي كانت تعتمد عليها الإدارة للتدخل في الميدان العقاري والعمراني، وهي نصوص قانونية تم وضعها من طرف السلطات الإستعمارية. فقانون نزع الملكية لم يتم تعويضه بأحكام جديدة إلا في بداية الثمانينات، حيث صدر ظهير 6 ماي 1982 الذي يعتبر من أهم الوسائل والأداوات القانونية التي تعتمد عليها حاليا السياسة العقارية بالمغرب. ولقد خص المشرع مسطرة خاصة وشروط لإعلان نزع الملكية من أجل المنفعة العامة،وتعامل باهتمام وحذر لكونها تمس أحد الحقوق المقدسة في المجتمعات،ألا وهو حق الملكية.
وتبعا لذلك سمحت الممارسة شيئا فشيئا بتدخل السلطات العمومية للحد من التصرف المطلق الذي اعتاده الملاكون العقاريون من قبل، وركز المشرع على الوظيفة الإجتماعية للأرض
لكونها لم تعد تخضع لميكانيزمات العرض والطلب المجردة ، ولكنها أصبحت مصدرا لتنظيم انشطة الجماعة وإدماج مختلف فئات المجتمع في النسيج الحضري وقد تعددت الآراء والنظريات وتشعبت التدخلات من أجل استغلال الأراضي الحضرية بشكل يتماشى مع مصالح الجماعة ودون أن يؤذي الى هضم حق الملكية الخاصة الذي يظل هو القاعدة.
ولم يكن بالامكان بلورة هذه المفاهيم الجديدة دون ان تصطدم بمختلف المحاولات الجادة، و بالمصالح الخاصة للأفراد وبسلوكات جماعات الضغط ، التي ظلت تعرقل دائما بلورة مفاهيم جديدة للملكية العقارية . وقد عملت هده الجماعات كل مافي وسعها لإفراغ القوانين والمشاريع من محتواها كلما كانت تتعارض مع مصالحها.
2 – التحكم الإقتصادي في المجال العقاري
إن توجهات السياسة العقارية تصطدم غالبا بحق الملكية الذي يعطي لصاحبه كامل الحرية في التصرف في ملكيته، إذ يفضل مثلا تجميد رصيده العقاري للبحث عن مزيد من الر بح،
أو يفكر في استعماله بعيدا عن مراقبة الدولة لتفادي القيود التي تفرضها وثائق العمير على ملكيته. وهذه الوضعية تساهم في تضخم القيمة العقارية، وتفشي المضاربة العقارية، وانتشار الممارسات المخالفة لقانون التعمير.
ولتفادي هذه السلوكات، فإن المشرع يهدف إلى التحكم في السوق العقارية عن طريق فرض بعض القيود على تصرفات الفاعلين الإقتصاديين، خاصة الفئات التي تذكي نار المضاربة العقارية، إما عن طريق تجميد الأراضي أو خلق الأسباب المؤذية لتضخم القيمة العقارية. كما تتدخل الدولة للتحكم في السوق العقارية إما بواسطة التدخل المباشر لإقتناء الأراضي وتكوين الإحتياطات العقارية اللازمة،أو عن طريق مراقبة السوق العقارية وتوجيهها للحد من ارتفاع سعر الأراضي والمضاربة فيها. وهذه العملية ليست بالسهلة نظرا لخاصيات السوق ولوجوب تخطيط وبرمجة تدخلات الدولة في المجال العقاري.
ومن هنا اعتبر أحد الباحثين أن السياسة العقارية هي مجموع الإجراءات التي تتخذها السلطات العامة للحد من تصرفات الفاعلين الإقتصاديين في السوق العقارية، وتجد هذه السياسة مكانها في إطارالقانون الإقتصادي العام ما دامت تهدف إلى الحد من التصرفات التي تعرقل توازن السوق العقارية وتمس بالمصلحة الإقتصادية العامة للدولة.
وعموما يمكن القول أن الدولة تتدخل لتحديد وتوجيه السياسة العقارية من أجل:
– توفير الرصيد العقاري اللازم.
– سياسة توفير الأراضي على المدى القريب.
– تكوين الإحتياطات العقارية.
– جمع المعلومات المتعلقة بالسوق العقارية.
– مراقبة السوق العقارية.
– مراقبة السوق العقارية الرسمية.
– محاولة القضاء على السوق العقارية السرية
– الجباية العقارية.

ثانيا : كثافة الإستعمالات العقارية في ميدان التعمير
تطرح مسألة استعمال الاراضي الصالحة للتعمير العديد من المشاكل المرتبطة اساسا بعدم وجود رصيد عقاري كافي بالمناطق الحضرية بسبب تزايد الحاجيات السكنية و الاقبال الكثيف على الاراضي الحضرية، مما ادى تضارب الاستعمالات العقارية بنواحي المدن ليخلق بدوره العديد من الازمات.
1- ارتفاع نسبة الطلب على الاراضي بالمناطق الحضرية:
نتيجة تزايد النمو الديمغرافي و الهجرة القروية نحو المدن، و اتساع رقعة المساحات التي تشملها برامج التعمير، أصبحت مشاكل تطور الحواضر و الاسكان تكتسي حدة بالغة على قائمة المشاكل الاجتماعية.
مما دفع بالدولة الى التدخل من اجل تهيئة المجال فعملت على وضع مجموعة من المخططات بدءا من المخطط الخماسي 1960-1964 الى المخطط الخماسي 2000-2004 من اجل محاربة السكن غير اللائق و إنعاش السكن الاجتماعي، و البرنامج الوطني مدن بدون صفيح 2004-2010.
و هو ما يتطلب توفير الرصيد العقاري اللازم من أجل توفير السكن اللائق لكافة المواطنين، سواء تعلق الامر بتوفير الاراضي لانجاز التجهيزات الاساسية او استغلالها في مجال السكن.
2- استعمال الاراضي في انجاز التجهيزات الاساسية:
تتولى السلطات العمومية احداث التجهيزات الاساسية من طرق و مرافق ادارية و صحية و تربوية ، و يرتبط احداث مثل هذه التجهيزات مباشرة بأعمال التعمير حيث يتم تخصيص ما بين 40% و 50% من مساحات التجزئات العقارية لانجاز البنى التحتية من تجهيزات و مرافق عمومية مما ينبغي معه توفير رصيد عقاري هائل لتحقيق هذه المنافع و الغايات المسطرة من قبل الدولة، كما تتطلب كذلك توجهات جديدة و فعالة لتخطيط النمو الحضري.
فحسب المخططات التوجيهية للتهيئة العمرانية تقدر الاراضي الواجب استعمالها في ميدان التعمير و السكنى بأكثر من 36.000 هكتار و لعل الذي يبين مدى العبء الثقيل الذي تتحمله الملكية العقارية في هذا الباب فحسب المخطط التوجيهي لمدينة الدار البيضاء مثلا تقدر بحوالي 13.000 هكتار.
اما بالرباط فتبلغ الحاجات 11.000 هكتار و تحتاج باقي المدن الاخرى على ما مجموعه 39.151 هكتار.
و هو ما يفسر الحاجة المتزايدة لانشاء التجهيزات و المرافق، امام تراجع مساحة الاراضي، و مما لا شك فيه فهذه الوضعية تبقى في تطور مستمر نحو الازمة في ظل نمو التجمعات السكنية و تطورها، و استقطابها لاعداد الساكنة المهاجرة نحو المناطق الحضرية مما يفرض مواصلة البحث عن امكانيات جديدة من اجل استيعاب الحاجيات المتزايدة في مجال الاسكان و التعمير.
3- استعمال الاراضي في مجال السكنى:
نظرا للاهمية الاجتماعية و الاقتصادية للسكن، فقد اهتم المشرع المغربي بوضع عدد من المقتضيات القانونية المنظمة لمجال العقار حتى يكون بامكانه مسايرة المشاريع السكنية، الا ان تعدد الانظمة العقارية غالبا ما يقف في وجه المشاريع مما ينعكس سلبا على التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، ذلك ان هذا التعدد يؤدي الى تجميد رصيد هام من الثروة العقارية الامر الذي دفع بالدولة الى بذل جهد كبير من اجل حل ازمة السكن حيث عملت بالاضافة الى المخططات السالفة الذكر على خلق العديد من المؤسسات لتنشئ وزارة السكنى و إعداد التراب الوطني سنة 1955 و التي عملت بدورها على احداث العديد من المؤسسات المختصة في المجال العقاري و منها:
صندوق الايداع و التدبير، الذي يهتم بمنح القروض و تحقيق برامج الاسكان و التجهيز.
الصندوق الوطني لشراء الاراضي و تجهيزها (1973) مخصص لفائدة الطبقات ذات الدخل المحدود و المتوسط.
المؤسسة المكلفة بالتجهيز و البناء erak.
و من الناحية التشريعية عملت على سن مجموعة من القوانين منها:
قانون الاستثمار العقاري 1981
قانون الاستثمار العقاري 1985
قانون الاستثمار العقاري 1988
ميثاق الاستثمار العقاري 1995
فما يمكن استخلاصه من خلال هذه القوانين الاستثمارية هو ان المشرع كان يتذبذب بين التخفيف من الضرائب و الرفع منها تبعا للظروف الاقتصادية التي كانت تعرفها البلاد، و من اجل منح المزيد من التحفيزات و الضمانات القانونية.
و امام عجز قوانين الاستثمار العقارية السابقة عن تحقيق الاهداف التي أنشأت من اجلها و المتمثلة في توفير السكن عن طريق الاستثمارات السكنية، بادرت الدولة الى ايجاد الوسائل القانونية جديدة تكون قادرة على تحقيق ما عجزت عنه القوانين السابقة لتسن كل من قانون رقم 44.00 المتعلق ببيع العقار في طور الانجاز و قانون رقم 51.00 المتعلق بالايجار المفضي الى تملك العقار.
4- تضارب الاستعمالات العقارية بضواحي المدن:
اذا كان حجم المراكز الحضرية يعرف توسعا مستمرا بفعل الضغط العمراني المتزايد و التخطيط الحضري فإن ذلك يتم عادة على حساب الاراضي الفلاحية المحيطة بالمدن و التي تعتبر من اهم الركائز التي يقوم عليها الاقتصاد الوطني، هذا من جهة و من جهة ثانية ، فإن هذه المناطق شكلت محور استقطاب الفئات الفقيرة العاجزة عن تحمل ارتفاع اسعار العقار بالمجال الحضري تنيجة المضاربات العقارية، و هو ما شجع على انبثاق تجمعات سكنية لا تستجيب للمعايير القانونية المعمول بها في مجال السكنى و التعمير مما ادى الى نشوء تعمير هامشي او محيطي و نشوء اسواق عقارية غير رسمية يتم فيها التعمير بعيدا عن مراقبة الشرطة الادارية و دون توفر المتطلبات الضرورية للتجهيز و دون احترام المعايير المعمول بها في مجال التعمير.
هذا الوضع انتج مجموعة من الظواهر اهمها استفحال ظاهرة السكن غير اللائق و خلق احياء عشوائية لا تخضع لمراقبة السلطات الادارية لانها غالبا ما تحدث فوق اراضي لا تدخل في اختصاص المدار الحضري الذي تشرف عليه الادارة المعنية، كما لا يتم احترام توجهات تصميم البناء و التعمير مما يصعب معه تحديد المجال الذي تدخل في نطاقه الاراضي المعمرة عشوائيا، فهي داشمة التوسع و الانتشار.

المطلب الثاني : تحديد التوجهات العامة لاستعمال الأراضي
إن المخططات التوجيهية تخطط في الواقع لتوزيع المجال وتعمل على وضع إطار قانوني عام للسياسة العقارية، بحيث تحدد المناطق العمرانية الجديدة وكيفية تهيئتها وكذلك المناطق الزراعية والغابوية والمساحات الخضراء، اضافة الى التجهيزات الأساسية والمرافق الضرورية كشبكة الطرق الرئيسية والموانئ والمطارات والسكك الحديدية ، وكذا المناطق المثقلة بالارتفاقات وغيرها من الناطق المختلفة .
كما تهدف المخططات أيضا الى تنظيم التوسع العمراني للمناطق، وتنسيق عمليات تهيئتها، والحفاظ على الترابط المنسجم بين مختلف مكوناتها الإقتصادية و الديمغرافية والإجتماعية. وهناك معطيات موضوعية يجب أن يعتمد عليها المخططون لتحديد رقعة أرضية معينة أو منطقة معينة ، واختيار مختلف السيناريوهات لتوسيعها وتنميتها في إطار من الإنسجام والتناسق على جميع المستويات، مما يجعل المخطط التوجيهي هنا يؤسس في الواقع لإستراتيجية تحدد المعالم العمرانية للرقعة الأرضية المعنية ، ويضع مبدئيا أسس القطيعة مع كل توسع عفوي أو عشوائي للمنطقة بحيث تأخد بعين الإعتبار التوجيهات الأساسية التالية:
أولا : المقاربة الوظيفية والاجتماعية في التخطيط الحضري
عبر التأكيد على التمازج بين الوظيفي والإجتماعي الذي يجب ترجمته على ارض الواقع وذلك عن طريق التوزيع المتوازن لمختلف الوظائف الحضرية داخل كل تجمع عمراني وأخد الظروف والعوامل الإجتماعية والاقتصادية بعين الإعتبار.
وقد جاء هدا المبدأ في مدونة التعمير الأخيرة كرد فعل عن واقع وثائق التعمير والتهيئة سواء بالمجالات الحضرية أو القروية حيث بين أن تطبيقها يشهد عدة اختلالات بسبب عدم مسايرة مقترحات التهيئة للواقع الإجتماعي والاقتصادي للرقعة المعينة ومن ذلك مثلا ضعف تخصيص المناطق الكافية للسكن خصوصا السكن الإجتماعي ذي العقارية المنخفضة كمثال سابق يؤكد ماسبق.
فاهتمام وثائق التعمير والتهيئة الحضرية بكيفية بناء الأحياء السكنية وتوزيعها بالإضافة الى توفير المرافق الإجتماعية داخل المجالات الحضرية في ميدان التعليم و الصحة و الرياضة والترفيه يشكل استراتيجية ذات ايجابية في المحيط الإجتماعي كونها منهجية تترجم استيعاب الرقعة الأرضية لكل الوظائف . كما أن عدم الإهتمام بالجانب الإجتماعي في مقاربة المشروع الحضري يؤدي الى مظاهر عدم الإندماج الفردي والجماعي داخل النسيج العمراني ومن ثم يصعب عليه تأطير السكان وتعبئتهم لإنجاح مختلف البرامج التنموية.
فالواضح أن وثائق التعمير تلعب دورها الأساسي في سياسة التخطيط الحضري وبقدرته على تنمية المجالات الحضرية تكون مؤهلة لتحقيق إدماج الفرد داخل محيطه كأسمى تعبير عن التحقق من الفعلي للمقاربة التي تهدف الى المزج بين العنصرين الوظيفي والاجتماعي.
وقد تم الوعي بأهمية هده المقاربة مند سنوات عديدة خاصة من لدن أعلى سلطة في البلاد إذ جاء في خطاب للملك الراحل الحسن الثاني “الحقيقة أن دوركم أكبر مما تظنون وتهيئتكم لأي مشروع يتطلب أن تتطلعوا على ماقبله وتتطلعوا الى مابعده ، لما تكونو منهمكين في الرسم فإنكم لاترسمون حائطا أو سقفا بل ترسمون فلسفة الحياة ، إما فردية عندما تشتغلون لصالح الفرد وإما جماعية عنما تخدمون المدينة أو البلدية “. إن هذه المقولة تتضمن في تصورها طابعا استشرافيا بحيث يجب أن يقوم علية أي تصميم أو استعمال عقار في المدى المتوسط أو البعيد لاسيما في الجانب الإجتماعي.
ثانيا : ضرورة استحضار البيئة في التخطيط الحضري
لقد اعتمد التعمير ومنذ نشأته الأولى في بداية القرن التاسع عشر على مبدإ المحافظة على الصحة العامة، لكن تطور الفكر العمراني مع التطور الهائل الذي عرفته البشرية وخضوعه لسلطان المال وهاجس الربح جعل القضايا المتعلقة بسلامة الإنسان وجودة إطار عيشه تصبح قضايا ثانوية حتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي، حيث أخذ انشغال السلامة البيئية طريقه الفعلي إلى ميدان التعمير.
إن إدراج الاعتبارات البيئية في رسم مخططات التنمية المحلية أصبح ضرورة لا خيارا. وفي هذا الإطار، لابد أن نسجل المجهودات المبذولة التي تمت ترجمتها في إصدار كل من قانون 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة، والقانون 12.03 بشأن دراسات التأثير على البيئة . والقانون رقم 13.03 بخصوص مكافحة تلوث الهواء.
إلا أن الواقع البيئي المغربي المعيش لا زال ينم عن تغييب للاعتبارات البيئية في مسلسل التنمية، حيث يؤذي المغرب فاتورة تقدر تكلفتها بأكثر من 20 مليار درهم في السنة؛ أي 8.2% من الناتج الداخلي العام ، علما أن قياس درجة الإنماء الاقتصادي أصبح مرهونا بحجم التكاليف البيئية المترتبة عنه . فلا يمكن للتخطيط العمراني أن يحل مشاكل البيئة في غياب آليات محفزة تدرج احترام البيئة في مسلسل التنمية وإنتاج الثروات، دون أن ننسى كذلك أهمية الجانب الثقافي باعتباره مدخلا أساسيا لتصحيح الممارسات المشينة وتقويم الإعوجاجات على مستوى سلوك الأفراد

المبحث الثاني : السياسة العقارية وإكراهات التدبير العمراني
المطلب الأول : صعوبات مرتبطة بالنظام العقاري بالمغرب
يلعب التدبير العمراني دورا كبيرا باعتباره ميدانا لبلورة الاختيارات الواردة في أدوات التخطيط العمراني وترجمتها إلى أرض الواقع، لكونه يروم حل المشاكل والانشغالات اليومية. غير أن مسلسل التدخل العمومي في ميدان التدبير العمراني لا زالت تعترض فعاليته عدة عقبات اقتصادية وسياسية وقانونية وسوسيومجالية، نقف منها على تلك التي تهم الجانب العقاري. فالوضعية العقارية بالمغرب لا تتميز بتعدد الأنظمة من أراضي للجموع وأراضي للملك الخاص وأراضي الدولة الخاصة والعامة وأراضي الكيش وأراضي الأحباس فحسب، بل كذلك بازدواجية النظام العقاري، حيث ثمة أراضي محفظة وأخرى غير محفظة وما لذلك من آثار على التدبير العمراني . الأمر الذي قد يترتب عليه في الغالب من الحالات عدة نزاعات قد تؤثر سلبا على مسار التنمية العمرانية
خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار تعدد المتدخلين العموميين والخواص في هذا المجال ،وتداخل بين المصالح العامة والمصالح الخاصة إلى حد التعارض.،وتفشي ظاهرة المضاربة العقارية، طالما وأن الطبيعة القانونية والاقتصادية والخلافات الاجتماعية والسياسية، التي يثيرها العقار تعد من العناصر الأساسية التي يجب أخذها بعين الاعتبار للقيام بكل عملية تهدف إلى عقلنة التدبير العمراني.
أولا : تعدد الأنظمة القانونية الخاصة بالأراضي
يصطدم التدبير العمراني أثناء تنفيذ مقتضيات وثائق التعمير بإكراهات صلبة ترجع أساسا إلى تنوع الهيكلة العقارية وعدم تحيين التشريع العقاري ليساير أرضية الواقع، مما يؤذي إلى ابتعاد التوقعات في التخطيط عن حقيقة الوضع العقاري . فينتهي الأمر إما إلى توقيف جانب من المخططات أو إنجاز الميسر منها رضوخا لمعطيات الوعاء العقاري ، أو ولوج مجال القضاء وانتظار نتائج البث القضائي في النوازل التي تعرض على أنظاره.
يطرح تعدد الأنظمة العقارية وعدم تطويع جلها لخدمة التعمير عدة إشكالات نرصد بعضها كما يلي:
بالنسبة لأراضي الجموع : فمعظمها غير محفظة مما يحول دون تجزئتها استنادا إلى منطوق المادة الخامسة من قانون 25-90 السالف الذكر، حيث أضحت معه مرتعا لتفشي ظاهرة السكن غير اللائق بشتى أشكاله، أضف إلى ذلك ما تطرحه من مشاكل تهم طرق الاستغلال والتحديد والترامي والظروف الاجتماعية للمقيمين عليها. فقد أظهر التطبيق العملي لقوانين تحديد هذه الأراضي بأن هذه العملية تواجهها صعوبات تتعلق في مجموعها بالتعرف على ذوي الحقوق على العقارات مما يطرح بدوره مشاكل طول مدة إجراءات التحديد وكذا تجميد هذه الأراضي، كما حدث عند محاولة تجزئة الأراضي الجماعية لأولاد أوجيه بالقنيطرة مثلا. ويصاحب هذه المشاكل على الصعيد الحضري التعمير الفوضوي، حيث بقيت السلطات العامة في حيرة أمام وضعية هذه الأراضي خاصة وأنها تثير مشاكل اجتماعية وحسابات سياسية تتعلق في مجموعها بالقاطنين بها.
بالنسبة لأراضي الكيش: تثير من جهتها مشاكل تشابه تلك التي تطرحها أراضي الجموع، خاصة فيما يخص عملية اقتنائها من قبل السلطات العامة لإقامة مشاريع ذات النفع العام. وكمثال على ذلك ما أثارته عملية اقتناء أراضي جيش الوداية لإقامة حي الرياض بالرباط من مشاكل.
بالنسبة لأراضي الأحباس: تشكل أراضي الأحباس العمومية على وجه الخصوص رصيدا هاما يمكنه أن يساهم في تسهيل عمليات التعمير، لكن هذه العملية تظل رهينة بمدى استطاعة السلطات العمومية تجاوز مشكل مسطرة التفويت التي لازالت معقدة بالنظر إلى طبيعة هذا النظام. إذ لا يمكن تحقيق ذلك إلا بعد الحصول على ترخيص بمقتضى ظهير وشريطة تعويض الملك بإعادة استخدام ثمن التفويت.
وقد أفرز واقع الحال إحداث تجزئات عقارية في بعض أراضي الأحباس دون احترام المقتضيات التشريعية كما هو الشأن بجماعة سيدي رحال الشاطئ بإقليم سطات وكذا بالمنطقة الصناعية “سيدي بوزكري” بمكناس، كما أقدم بعض المستفيدين من الأوقاف المعقبة على كراء قطع أرضية للخواص تحولت بين عشية وضحاها إلى أبنية عشوائية. هذه الظاهرة لا تقتصر فقط على مكناس وسطات بل تشمل مجموعة من المدن الأخرى مثل مراكش و القنيطرة وسيدي قاسم ووجدة.
وهكذا يتبين أن جل الأنظمة العقارية السائدة أضحت تشكل عائقا أمام تحقيق تدبير عمراني يخدم التنمية.
ثانيا : ازدواجية نظام العقار من حيث التملك (المحفظ وغير المحفظ)
يوجد المغرب في مفترق الطرق حول المسألة العقارية المتميزة بوجود نظام للعقارات المحفظة ونظام للعقارات غير المحفظة، مما يؤثر بشكل كبير على تعبئة الأراضي القابلة للتعمير. فإذا كان لا يختلف اثنان حول ما للتحفيظ العقاري من مزايا وضمانات ومناعة قانونية، فإن ذلك لا يمنعنا من الوقوف على العراقيل والصعوبات التي قد يطرحها العقار المحفظ والعقار غير المحفظ من ثغرات تقف حجرة عثرة أمام ترجمة أهداف التدبير العمراني.

أ – الآثار السلبية للعقار غير المحفظ على التدبير العمراني
ماتزال العمليات العقارية الخاصة بالأراضي غير المحفظة تعرف نزاعات لا حد لها؛ فتتكاثر بذلك الدعاوى المتنازع فيها حول استحقاق العقار وذلك لتفشي ظاهرة التواطؤ والغش والتدليس. فالعقود العدلية التي يعتمد عليها لإثبات حق الملكية لا تتوفر على المعلومات المدققة للعقار لا من الوجهة القانونية ولا من الوجهة الطبوغرافية، كما أن السجلات العقارية ليست مضبوطة الضبط الكافي الذي ييسر إمكانية الرجوع إليها واعتمادها .وهو ما يعرقل عملية الإطلاع على العقارات وتتبع وضعيتها ومعرفة ملاكيها الحقيقيين. ونضيف إلى هذا ضعف الهياكل المشرفة على تطبيق هذا النظام ، الشيء الذي نتج عنه عدم تقنين هذه القواعد ثم اختلاف الآراء الفقهية والقضائية بشأنها؛ كما أنه في إطار العقار غير المحفظ يصير من الصعب جدا إجراء أبحاث ودراسات عقارية دقيقة تخدم إنجاز وثائق التعمير.
أما على مستوى تنفيذ وثائق التعمير فإنه يصعب تحديد ملاك الأراضي الواقعة عليها التجهيزات والمرافق العمومية والطرق والمساحات الخضراء وغيرها من المكونات الأساسية للوثيقة التعميرية خاصة عندما يتعلق الأمر بسلك مسطرة نزع الملكية.
إذا كانت هذه –باختصار- بعض أهم السلبيات التي قد تعرقل تنفيذ وثائق التعمير بالنسبة للعقار غير المحفظ، فإن هذا الأخير لا يخلو كذلك من إيجابيات يستنتج بعضها من نقائص العقار المحفظ.
ب – آثار السلبية للعقار المحفظ على التدبير العمراني
ففي بعض الحالات يكون العقار غير المحفظ أرحم بتنفيذ وثائق التعمير من العقار المحفظ، فأمام وضعيات مثل حالة الشياع على رسم عقاري يتعدد ملاكه، فإن الأمر يستوجب من أجل حصول أحد المالكين مثلا على رخصة بناء موافقة جميع المالكين أو إجرائهم قسمة رضائية أو قضائية عند الاقتضاء، في حين إذا تعلق الأمر بحالة الشياع بعقار غير محفظ فإن الأمر يسهل على أحد المالكين إذا رغب في الحصول على رخصة للبناء وذلك بإدلائه بأية وثيقة تبرز صلته بالبقعة الأرضية المعنية موضوع الطلب من قبيل إشهاد عدلي طالما أن القانون رقم 90-12 المتعلق بالتعمير وكذا مرسومه التطبيقي لا يشترط شهادة الملكية ضمن قائمة الوثائق الواجب الإدلاء بها في إطار ملف طلب رخصة البناء.
وفي نفس الصدد نجد بعض المدن قد أنشئت على رسوم عقارية دون أن يقوم أصحاب الشأن باستخلاص الرسوم العقارية الفردية لبقعهم ، مما جعل معاملاتهم العقارية وإن كانت على عقارات محفظة شبيهة بتلك المتعلقة بالعقارات غير المحفظة، و تقوم مدينة البروج بإقليم سطات خير مثال على ذلك.
أضف على ذلك بعض مطالب التحفيظ التي طال أمدها دون استكمال مسطرة التحفيظ لتعقد وضعيتها وتعدد مالكيها وكثرة التعرضات بها وتنوع التقييدات والتحملات العقارية عليها حيث صار من الأرحم إلغاؤها لتنفيذ بعض مقتضيات وثيقة التعمير، وهذا هو حال مطلب التحفيظ عدد 4974 والمسمى “أرضى الشعيبية” الممتد على مساحة زهاء 500 هكتار بجماعتي السوالم الطريفية والساحل أولاد احريز بإقليم سطات، والذي يعود تاريخ إيداعه (أي المطلب) إلى سنة 1934، حيث ظل حبيس وضعية معقدة زهاء سبعين سنة مشكلا أحد أكبر المشاكل العقارية بجهة الشاوية ورديغة المطروحة في وجه تنفيذ وثيقة التعمير ليتم إلغاؤه بعد جهد جهيد ، وهو ما أتاح لبعض المشاريع الاستثمارية أن ترى النور. وهنا تظهر بعض الجوانب الإيجابية للعقار غير المحفظ أثناء تنفيذ وثائق التعمير.
وعلى صعيد آخر، يجب التمييز في علاقة العقار بتنفيذ وثائق التعمير بين تصميم التهيئة وتصميم النمو فإذا كان تصميم التهيئة يضع ضمن شروط قبول ملف طلب الترخيص بالتجزيئ أن يكون العقار محفظا أو في طور التحفيظ (المادة 5 من قانون 25-90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات) الشيء الذي يستحيل توفيره في عدة مناطق من المملكة للطبيعة الاختيارية للتحفيظ. فإن عدم اشتراط تصميم النمو التحفيظ في التجزئات القروية كان له الأثر الإيجابي على تطبيق واحترام مقتضياته، وهنا يظهر كذلك العقار غير المحفظ كمساعد على ترجمة بنود وثائق التعمير على أرض الواقع. كما نشير في آخر هذه النقطة إلى ثمن العقار المحفظ المرتفع مقارنة مع نظيره غير المحفظ مما قد يعرقل اقتناء الأراضي وتسخيرها لخدمة تنفيذ مقتضيات وثائق التعمير.
المطلب الثاني : تداعيات مشاكل العقار على فعالية التدبير العمراني التعمير
أولا : غياب استراتيجية عقارية كفيلة بتحقيق أهداف سياسة التعمير
من بين المظاهر التي ترافق التوسع الحضري، تجد ارتفاع القيم العقارية التي تظهر كواقع مستمر و حتمي و بذلك يكون هذا الارتفاع بمثابة عرقلة عامة امام كل عملية للتعمير، حيث يثقل من حجم التكاليف الواقعة على الدولة و الجماعات المحلية، و يجعل المنعشين العقاريين و مشيدي البناء في بحث مستمر عن الاراضي الاقل ثمنا و بالتالي فإن اية زيادة في أثمنة العقار ستؤدي حتما الى ابعاد البنايات ذات الطابع الاجتماعي. و بالتالي اصبحت المضاربة العقارية اكبر عقبة تواجه قطاع التعمير ،لما لها من تأثيرات سلبية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، إذ تؤدي إلى التضخم في الاقتصاد، كما أنها تؤثر سلبا على مجريات التخطيط الحضري؛ فهي لا تساهم في الدورة الاقتصادية بشكل سليم، كون الذين يمارسوا المضاربة العقارية، يحاولون الاستفادة من وضعية ندرة الأراضي، وعدم التوازن بين العرض والطلب، الذي تعرفه السوق العقاري.
أ‌- ندرة الاراضي و ارتفاع سعرها:
تعرف المضاربة العقارية بكونها عملية معقدة ترتكز على بيع و شراء العملات و الاسهم و غيرها قصد جني الربح من فروق الاسعار، و ما يزيد من خطورة هذه الظاهرة كجريمة اقتصادية هو انها اصبحت سلوكا عاما فلم يعد المظارب هو ذلك التاجر، بل اصبح يتعاطى هذا النشاط اصحاب المهن الحرة و كذلك بعض موظفي الادارات العمومية الذين تساعدهم وظيفتهم على الحصول على معلومات حول المشاريع المزمع اقامتها من طرف الدولة.
اضافة الى عجز السلطات المختصة التي لم تستطع ضبط السوق العقارية التي تعرف فوضى عارمة في الاثمان، فكانت اغلب التفويتات تتم بعيدا عن الضوارط القانونية و التنظيمية الامر الذي ادى الى نشوء ازمة حقيقية تمثلت في ندرة العقارات المخصصة للتعمير و ارتفاع اسعارها. التي اسهمت بدورها في افراز تعمير تعمير فوضوي و مجال مشوه.
ب – تعدد المتدخلين في السوق العقارية:
الى جانب و الذي ينتج عنه غياب التنسيق و الفعالية بين مختلف الجهات الى جانب البطء الذي تتسم به الاجراءات مما يساهم في عرقلة الاستثمار العقاري في قطاع التعمير و يحد من نسبة المشاريع المنجزة في قطاع الاسكان. و يمكن حصر المتدخلين بشكل عام في ثلاث فئات:
الدولة بمختلف مؤسساتها،
المنعشون العقاريون سواء على المستوى الرسمي او المستوى السري،
الملاكون العقاريون،

1 الدولة:
كانت الدولة اهم متدخل في السوق العقارية منذ بداية السبعينات بالرغم من عدم قدرتها على على تمكين كافة المواطنين من الملكية العقارية، حيث ظهرت معالم السياسة العقارية بالمغرب من خلال توجهات المخطط الخماسي 1973-1977، الرامي الى توزيع الملكية العقارية على جميع الفئات الاجتماعية دون استثناء او تمييز بينهم و خصوصا المواطنون الذين لا يتعدى دخلهم الشهري 200 درهم، تماشيا مع الخطاب الرسمي السائد انذاك، بالاعتماد على سياسة التجزئات السكنية من قبل وزارة السكنى ووزارة الداخلية هذا على المستوى المركزي.
أما على المستوى العملي فقد لعبت كل من الشركة الوطنية للتجهيز و البناء و الوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق اضافة الى المؤسسات الجهوية للتجهيز و البناء و بعض المؤسسات التابعة لصندوق الايداع و التدبير دورا هاما في إنجاح هذا المخطط.
و غالبا ما تلجأ الدولة او تعتمد على املاكها و الاملاك التي يتم نزعها من اجل المنفعة العامة لانجاز مشاريع التهيئة و التعمير، حيث يتم تخصيص ما يقارب 60% من الاراضي لاعمال البناء و التعمير فقط.
الا ان مشكل ضعف الرصيد العقاري و ارتفاع معدل النمو الديمغرافي الامر الذي دفع بالدولة الى اسناد هذه المهمة الى القطاع الخاص، غير ان المبادرة الخاصة لا يمكنها ان تساير تطلعات الدولة التي تعمل على تغليب المنفعة العامة في كل تدخلاتها المتعلقة بمجال التعمير.
2 المنعشون العقاريون الخواص:
بعد فشل الدولة في تحقيق ما سطرته من خلال المخطط الخماسي 1973-1977، من تعميم الملكية العقارية على كافة المواطنين بغية الحصول على سكن لائق، برز القطاع الخاص كبديل من اجل حل معضلة السكن، و قد ظهرت فئتين من المتدخلين:
منعشون عقاريون رسميون:
تضمنت هذه الفئة كل من الحرفيين و شركات البناء و التي ساهمت بشكل كبير في تهيئة المجال، لكن مشكل ضعف امكانياتها المادية حال دون تحقيق الاهداف المرجوة منه، حيث اقتصر نشاط هذه الفئة على انجاز المشاريع التي تدر ربحا وفيرا خلال مدة قصيرة بخلاف الدولة التي تسعى جاهدة الى تعميم الاستفادة من السكن على الجميع و بأثمان معقولة و مناسبة يكون على مقدور كل مواطن بسيط تحملها.
3 المنعشون العقاريون السريون:
ظهرت هذه الفئة نتيجة لتزايد حدة المضاربة العقارية، غالبا ما تنشط على وجه الخصوص بالمناطق المحادية لكبريات المدن لكونها تعتبر مصدر استقطاب و جذب لليد العاملة القادمة من مدن و قرى اخرى.
4 الملاكون العقاريون:
تتشكل هذه الفئة اساسا من اشخاص يعتمدون على امكانياتهم الذاتية البسيطة لايجاد و بناء مشاريع سكنية خاصة بهم وحدهم مخصصة للاستعمال المباشر في غالب الاحيان، حيث تتمركز هذه الفئة على وجه الخصوص في المدن الصغيرة حيث يطغى مفهوم الملكية الفردية، مما يؤدي الى ظهور و تواجد قطع او بقع ارضية لا تتجاوز مساحتها 100 متر في معظم الاحيان.

ج – تاثير المضاربة العقارية
1- الآثار الاقتصادية والاجتماعية للمضاربـة العقـاريـة.

لقد تحولت الملكية العقارية، من رمز للجماعة، إلى أداة للعزلة وعدم التضامن، وتتسم بالسلبية، لأن المشكلة العقارية، أضحت عائقا أمام التطور العمراني، وكما يصفها البعض بعدو التعمير والتخطيط الحضري.
ونظرا للأرباح المضمونة، التي تعود من خلال المضاربة العقارية على المعنيين بها، فإنها لا تساعد بذلك على تنمية الإنتاج وعلى تطور المجال الحضري، بقدر ما تعمل على شل التهيئة الحضرية للمدينة، وعلى جعل أقلية من الفاعلين في السوق العقارية، تتحكم في نمط عيش أغلبية الساكنة.
فجل الباحثين يتفقون على أن المضاربة العقارية، تؤثر بشكل سلبي على المجتمع بكامله، حيث تؤدي إلى انزلاق الاستثمارات، نحو قطاع غير منتج بالمعنى الاقتصادي الدقيق، لأن هذا القطاع يعرف ارتفاعا في الأسعار بوتيرة تفوق ما يحدث في السوق الاقتصادية بشكل عام.
وتعرف مختلف القطاعات الاقتصادية، تضخما بفعل ما يجري في المجال العقاري، كما يتأثر قطاع البناء وسياسة التهيئة بشكل سلبي، بفعل ظاهرة المضاربة، ويرى البعض أن أعمال المضاربين العقاريين تساهم في تغييب وعرقلة كل تخطيط حضري، إذ بدل إعداد استراتيجية حضرية وعمرانية منسجمة، تجد السلطات نفسها، بصدد إعداد سياسة دفاعية، لحماية الأنشطة الاقتصادية، وعلاج النسيج الحضري، وهذا ما يحدث بالفعل في مدينة الدار البيضاء مثلا وباقي المدن المغربية التي تعرف نموا حضريا مرتفعا. فاحتكار الأراضي بهذه المدينة، قد جعل السلطات العامة، عاجزة عن حل مشكلة نذ رة الأراضي، والمشاكل المرتبطة بها، من نزاعات وغيرها. ومن شأن هذه الوضعية السلبية أن تؤثر على مختلف التركيبات الاجتماعية من عدة زوايا.
2- تأثير المضاربة العقارية على سياسة التخطيط الحضري.

إن الارتفاع المتزايد لأثمان الأراضي، لا يؤدي فقط إلى تضخم الاقتصاد، ولكنه يؤثر سلبا على
العدالة الاجتماعية، ويعيق سياسة التخطيط الحضري. والمتمعن في النسيج الحضري للمدن المغربية
يجد أنه يتطور، ولكنه في نفس الوقت، لا يستجيب لحاجيات السكن، فنمو المدن قد تجاوز حدودها
الإدارية الرسمية، وعلى امتداد الطرق الإقليمية. وفي ظل ارتفاع الكثافة في بعض أجزاء المدن من جهة،و غياب سياسة عقارية تحد من المضاربة من جهة ثانية ، فإن الأزمة تؤدي إلى تدهور
الأوضاع السكنية، وإلى انتشار السكن العشوائي وغير القانوني، بهوامش وضواحي المدن وهي
وضعية، في الواقع، تبين سوء التوزيع في المجال الذي أفرزته سلبيات المضاربة العقارية. فظاهرة
التمدين على هذا الشكل، تتم في غياب المساواة في توزيع المجال.

ثانيا : آفاق التدخل العمومي في ميدان التعمير على ضوء مشاريع الإصلاح
ان تنامي المشاكل التي تواجه تكوين و تجديد الاحتياطات العقارية اصبح يفرض ضرورة تدخل الدولة من اجل وضع استراتيجية واضحة المعالم و الاهداف لتنمية الرصيد العقاري، و هذا لن يتأتى الا من خلال استحضار البعد العقاري خلال مرحلة التخطيط و نهج سياسة عقارية بناءة.
و في هذا الاطار جاء مشروع مدونة التعمير بعدد من الاليات العقارية من شأنها توفير رصيد عقاري من خلال عملية الضم العقاري و منح الدولة في مناطق معينة حقا للاولوية عند تفويت عقارات أو حقوق عينية عقارية مقابل أداء الثمن نقدا او عينيا.
1- عقلنة تدخل الدولة في المجال العقاري:
يتحدد دور الدولة في المجال العقاري من خلال الية التخطيط الحضري باعتبارةه التنظيم العقلاني
للمستوطنات البشرية بالحواضر و البوادي طبقا لضوابط و قوانين محددة، فإن مغزاه الاجتماعي يهدف
الى الحفاظ على سلامة بيئة عيش المواطنين و ضمان سهولة تنقلاتهم و تخصيص اماكن للتجهيزات
العمومية و مناطق الانشطة المتوفرة للشغل مع تيسير اسباب راحتهم بصفة عامة، و ذلك يكتسي صبغة
الصالح العام، هذه الصبغة تكمن اساس في التنسيق الضروري بين تنظيم الاطار المجالي و بين مختلف
الاختيارات النابعة من التخطيط الاجتماعي و الاقتصادي العام للبلاد.
و ينبني التخطيط اساسا على وثائق التعمير التي تحتوي على مشاريع و برامج يتم تسطيرها على المدى
المتوسط و البعيد، لكن نجاح هذه الوثائق يصطدم بوضعية عقارية فريدة من نوعها تحتم ضرورة
استحضرها اثناء عملية التخطيط.
2- استحضار البعد العقاري خلال عملية التخطيط:
ان تعدد الانظمة القانونية المنظمة للعقارات، و انقسام العقارات الى عقارات محفظة و اخرى غير
محفظة، باتت تطرح اكثر من اشكال امام المخططين الذين يصطدمون بالمشاكل الناجمة اما عن طبيعة
القطعة الارضية، او عن اعتراض الملاكين على عملية البيع، او بسبب عدم استجابة القطعة الارضية للحاجيات المتوخاة من التجهيز او المرفق المقرر انشاءه .
و هذا يطرح التساؤل حول الفائدة من انجاز وثائق التعمير بامكانيات مادية و بشرية كبيرة، و في المقابل
تجد هذه الوثائق نفسها امام صعوبة انجاز و تنفيذ المقتضيات التي جاءت بها و ذلك يرجع بالاساس للاسباب العقارية.
فالانظمة العقارية السائدة اصبحت متجاوزة، غالبا ما تخضع للانظمة و الاعراف المحلية كالاراضي
الجماعية مثلا، فضلا عن صعوبة التوفيق بين مطالب الجماعات السلالية و متطلبات التخطيط
الحضري المحكم.
ففي غياب قوانين و انظمة عقارية ملائمة لهذا النوع من العقار، و امام التطور السريع للمدن، تبقى هذه
الاراضي عرضة لانتشار ظاهرة البناء العشوائي و تفشي التجمعات السكنية غير القانونية، بل انها
اصبحت تشكل مجالا خصبا للمضاربات و المعاملات العقارية غير المشروعة مما ينعكس سلبا على
التخطيط و التطور العمرانيين.
الامر ذاته ينطبق على اراضي الكيش، فهي الاخرى تفتقر الى قانون ينظمها مما يجعلها تخضع في
تنظيمها للاعراف المحلية التي تختلف من منطقة الى اخرى، و تثير هذه الاراضي بنوعيها سواء التي
تم تسليمها بصفة نهائية للسكان المقيمين عليها او التي لم يتم تسليمها بصفة نهائية للجماعات و بيت تعد
من املاك الدولة و بالتالي تخضع لتدبير الاملاك المخزنية، تثير عدة مشاكل خاصة عند عملية اقتناءها.
كما تثير اراضي الاحباس صعوبات مرتبطة بصعوبة اقتناء العقار الذي يمر عبر مسطرة معقدة و طويلة خاصة و انها تحتل موقعا استراتيجيا داخل المدن و الضواحي المحيطة بها.
3- نهج سياسة عقارية بناءة:
و هنا يبرز دور الدولة كمتدخل رئيسي في عمليات التعمير، بتوفير الاراضي اللازمة لعمليات التعمير
عبر نهج سياسة الاحتياطات العقارية، و مراقبة السوق العقارية عن طريق الحد من مشكل المضاربات
العقارية.
ففيما يخص سياسة الاحتياطات العقارية، فالسلطات العمومية خلال فترة الحماية و كذلك بعد الاستقلال
حاولت تكوين رصيد عقاري كافي من اجل مواجهة الحاجيات المتزايدة للساكنة الحضرية، من خلال عملية اقتناء الاراضي التي بالاضافة الى كونها تعد الية لتوفير الاحتياط العقاري للدولة فهي تساعد الدولة على وضع سياسة عقارية بعيدة المدى تتماشى مع القواعد و النظريات الحديثة في مجال التعمير،كما تساعدها على توجيه التوسيع العمراني بشكل معقلن.
و من اجل تمكين الدولة من توفير الاحتياط العقاري احدث مشروع مدونة التعمير لهذا الغرض نوعين من الادوات العقارية ضم الاراضي و حق الاولوية.
أ – ضم الأراضي
لتشجيع التعمير العملياتي يقترح مشروع مدونة التعمير اطارا قانونيا جديدا ينظم عمليات الضم العقاري كآلية جديدة تمكن الملاك العقاريين الاتحاد فيما بينهم لانجاز عمليات تهيئة العقارية و تعرف بالضم الحضري و يراد بهاته العملية تجميع قطع ارضية اينما وجدت سواء كانت مملوكة لمالك واحد اوعدة ملاك بقصد اعادة توزيع الوعاء العقاري بينهم بعد تحرير المواقع المخصصة للتجهيزات العامة و ذلك بجعل كل ملكية عقارية صالح للبناء بالنظر الى وثائق التعمير الجاري بها العمل .
فالغرض من الضم الحضري هو تنفيذ مقتضيات وثائق التعمير و ذلك على الخصوص بتحرير المواقع المخصصة للتجهيزات ذا المصلحة الجماعية و المساحات المخصصة للتجهيزات العامة و جعل الاستعمال بالنسبة لاراضي المتوفرة معقلنا لتكن قابلة للتعمير .
الملاحظ ان مشروع مدونة التعمير اقترح نوعين من عمليات الضم الحضري :الضم الحضري الاجباري و الضم الحضري الاتفاقي.بحيث يمكن القيام بعمليات الضم الحضري الاجباري من قبل الدولة و الجماعات المحلية و الهيائة العمومية المختصة في التهيئة بمبادرة منها او بعد دراسة الطلبات الموجهة اليها من من كل مالك عقاري معنى بالامر .كما ينتج الضم الحضري الاتفاقي عن اتفاق بين ملاك الاراضي المعنية الذين ينتضمون في جمعية نقابية للملاك العقاريين بمبادرة منهم بقصد تنفيذ مقتضيات وثائق التعمير وخصوصا .لانجاز عمليا الضم والتهيئة الحضريين.
ب- حق الاولوية.
للتحكم في مكونات التهيئة يبدو واضحا ضرورة التحكم في الوعاء العقاري الذي يعد شرطا اساسيا لانجاز عمليات التخطيط و التهيئة الحضرية .بحيث يققترح مشروع مدونة التعمير احداث لفائدة الدولة في مناطق معينة حقا للاولوية عند تفويت عقارات أو حقوق عينية عقارية مقابل أداء الثمن نقدا او عينيا.
و يجوز للدولة أن وتفوض ممارسة هذا الحق للجماعات المحلية و المؤسسات العامة و شركات القانون الخاص التي يكون رأسمالها في اغلبية مملوكا للاشخاص العموميين.
امانطاق ممارسة حق الاولوية فينحصر ي مناطق المشاريع العملياتية ومناطق الاحتياطات العقارية و المناطق المخصصة للتجهيزات الكبرى كالشبكة الرئيسية للطرق و المطارات و الموانئ و السكك الحديدية و المؤسسات التعليمية و الصحية والرياضية الرئيسية.
ج – الحد من المضاربة العقارية:
ان تدخل الدولة في السوق العقارية يهدف بالاساس الى الحد من المضاربة العقارية، و محاربة تجميد الاراضي الصالحة للبناء، و امتصاص القيمة الناتج عن ارتفاع القيمة العقارية و التحكم في السوق العقارية.
و على العموم هناك وسيلتين اساسيتين تعتمدهما الدولة في الحد من المضاربة العقارية:
– توفير احتياطات عقارية كافية لتلبية اغراض التعمير الانية و المستقبلية: فالى جانب اهمية هذه الالية في توفير رصيد عقاري على المدى المتوسط و البعيد، من جهة و الحد من المضاربة العقارية من جهة اخرى، فهي تمكن من الدولة من تتبع تطورات السوق العقارية و الحاجيات التي ينبغي العمل على الاستجابة اليها في هذه السوق عن طريق التخطيط و التدخل المبكر لمواجهة المشاكل التي من الممكن ان تطرحها مسألة استعمال أو تفويت الملكية العقارية في مجال التعمير مستقبلا.
– اعتماد السياسة الجبائية للتحكم في السوق العقارية: و هي اداة غير مباشرة تسمح للدولة من التدخل في السوق العقارية من اجل التخفيف من مشكل تجميد الاراضي الحضرية و المساهمة في مراقبة السوق العقارية من اجل التخفيف من مشكل تجميد الاراضي و المساهمة في مراقبة السوق العقارية، حيث يهدف المشرع من ورائها استرجاع فائض القيمة العقارية الناتج عن الزيادات التي تعرفها العقارات بفضل التجهيزات العمومية و التنظيم العمراني، و الى دفع الملاكين العقاريين الى استعمال الاراضي الحضرية او تفويتها بدل تجميدها بحثا عن جني ربح اكبر.

خاتمة:
ختاما، يمكن القول ان هذه الوضعية التي افرزتها الاستعمالات المكثفة للاراضي في مجال التعمير و الاشكالات التي تطرحها الانظمة المتعددة للعقارات، و تعدد الاوضاع القانونية المؤطرة لها و تعدد التقنيات المستعملة فيها و الغايات التي تستهدفها، مما خلق تداخلا في القواعد المطبقة و تعقيد الاوضاع العقارية بصفة عامة، اثرت بصفة اساسية في تشكيل المدن و توجيه التخطيط و التهيئة بهاالامر الذي نتج عنه تفاقم مشاكل اخرى لها علاقة مباشرة بهذه الوضعية.
و بالتالي اصبح العامل العقاري يشكل اكبر عائق يواجه قطاع التعمير في ظل غياب وجود خطة واضحة المعالم تعمل على تطوير النظام العقاري و تقويته و تحصينه.

لائحة المراجع:
الكتب:
– الهادي مقداد، السياسة العقارية في ميدان التعمير و السكنى، مطبعة النجاح الجديدة- الالطبعة الاولى 2000
– عبد الرحمان البكريوي، التعمير بين المركزية و اللامركزية، الشركة المغربية للطباعة و النشر، الرباط 1993
• عبد الله حداد، “قطاع الاسكان بالمغرب ـ دراسة قانونية وقضائية ـ ” منشوارت عكاظ 2003

الرسائل و الاطروحات:
– يحيى غرابتي، تعدد الانظمة العقارية بالنمغرب و اليات الحد من الياتها على التعمير، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون المقاولة و الاعمال، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية وجدة، 2010-2011
– احمد البقالي، جريمة المضاربة في القانون الجنائي المغربي، رسالة لنيل الماستر في القانون الخاص، كلية الحقوق جامعة محمد الخامس الرباط، 1985-1984
المقالات:
– فضل علي محمد رفيق،المضاربة العقارية و أثرها على المجال الحضري، www.marocdroit

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super