الامن الغدائي بين الواقع وسبل التصدي له

مقدمة

قضية الأمن الغذاء مشكلة جوهرية بل إنها تأخذ أهمية قصوى في ظل بعض الظروف السياسية الخاصة، وتزايد السكان المطرد يتطلب تنمية زراعية متطورة ومدروسة ولفهم أبعاد هذه المسألة لا بد من التعريف ببعض المصطلحات التي ينبني عليها هذا الميدان.

استقطبت مسألة التنمية الزراعية والغذاء اهتماما كبيرا على مستوى المتدخلين في مجال التخطيط العمراني، شمل الجانب النظري والانشغالات الأكاديمية كما شمل الجانب التطبيقي والإجراءات العملية.

وليس منبع هذا الاهتمام أن الغذاء يشكل جوهر صراع الإنسان من أجل البقاء, بل لعل فشل هذه الجهود في تجاوز المشكلة الغذائية التي يعاني منها العالم زاد من ضرورة تقييم ومراجعة هذه الجهود. فقد دخلت أوضاع الزراعة والغذاء في اجندة المتدخلين في مجال التعمير, نتيجة ارتفاع معدلات النمو الديمغرافي , وتقلص الأهمية النسبية للقطاع الزراعي في الهياكل الاقتصادية. وقد نجم عن هذا الوضع تفاقم العجز الغذائي.

وتعتبر أسباب الفجوة الغذائية متعددة ومتشعبة, ويختلف الدور الذي تلعبه هذه الأسباب في تعميق هذه الأزمة حسب طبيعة الدول من حيث ثقلها السكاني وتوزيعهم بين الريف والحضر، وندرة أو محدودية الموارد الطبيعية والمالية، أو عدم نجاعة الهياكل الإدارية والتنظيمية ، وعدم الاهتمام بالزراعة ضمن مخططات التنمية. وهي عوامل لها تأثير مباشر أو غير مباشر على الإنتاج والإنتاجية واستغلال الطاقات المتاحة.

تشخيص أزمة الأمن الغذائي ومظاهرها  تدني مستوى الاكتفاء ،و أسباب الأزمة العوامل الديموغرافية والطبيعية والخيارات التنموية الاقتصادية الكلية وأثرها على استفحال الأزمة.

نجد ان أزمة الغذاء مرتبطة بالعوامل مؤثرة فيها, يمكن تلخيصها في:

  • العوامل الديمغرافية.
  • العوامل الطبيعية.
  • الخيارات التنموية الكلية.

ونحن سوف نركز في موضوعنا هذا على العامل المرتبط بمخططات التعمير و المتمثلة في  وثائق التعمير.

والسؤال الذي يِطرح هنا: ما تأثير وثائق التعمير في مشكلة الفجوة الغذائية ودرجة الاكتفاء الذاتي؟

وللإجابة على هذا التساؤل سنحاول رصد ملامح الأزمة الغذائية, ثم علاقة وثائق التعمير وتأثيرها في الأزمة، وأخيرا أبعاد هذه الأزمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الاول : المفاهيم وأبعاد الأزمة المرتبطة بالأمن الغذائي.

المطلب الاول : المفاهيم المرتبطة بالأمن الغذائي.

الفقرة الاولى : مفهوم الاكتفاء الذاتي الغذائي .

يعرف الاكتفاء الذاتي الغذائي “بقدرة المجتمع على تحقيق الاعتماد الكامل على النفس وعلى الموارد والإمكانات الذاتية في إنتاج كل احتياجاته الغذائية محليا”. إلا أن هذا المفهوم أثيرت حوله مجموعة من التحفظات أهمها:

  • الطابع الأيديولوجي لهذا المفهوم.
  • نسبية مفهوم الاكتفاء الذاتي الغذائي.
  • إمكانية تحقيق هذا الهدف عمليا.
  • مدى العقلانية الاقتصادية لهذا المفهوم.

فمفهوم الاكتفاء الغذائي الكامل يعتبر مفهوما عاما وغير واضح إذا لم يوضع في إطار جغرافي وتاريخي محدد، كما أنه في بعض الأحيان يحمل شحنة أيديولوجية.
ويتعلق التحفظ الثاني بنسبية مفهوم الاكتفاء الذاتي الغذائي، هل هو عند الحد الأدنى في توفير الاحتياجات الغذائية أو الحد المتوسط أو الحد الأعلى؟ فلابد من ربط هذا بالمستوى الاقتصادي والمعيشي للمجتمعات أو المجتمع موضع الدراسة.

كما يعتبر التحفظ الثالث أن الاكتفاء الذاتي الغذائي الكامل قد يكون هدفا قوميا نبيلا، إلا أن تحقيقه مرتبط بالدرجة الأولى بالموارد المتاحة وقدرتها على الوفاء بالاحتياجات. وقد يقرر أحد الأقطار المضي في تحقيق هذا الهدف، إلا أن ذلك يكلفه تضحيات اقتصادية واجتماعية باهظة إذا ما قورنت بحلول أكثر وسطية.

أما التحفظ الأخير فيتعلق بمدى العقلانية في القرار الاقتصادي القاضي بسياسة الاكتفاء الذاتي الغذائي الكامل، إذ الموارد الزراعية محدودة وقطاع الزراعة هش لأنه يرتبط بصورة مباشرة بالتغيرات المناخية مما يجعل التعويل عليه بصورة مطلقة قرارا اقتصاديا غير رشيد. كما أنه في ظل العولمة الاقتصادية وما رافقها من تحرير التبادل التجاري في إطار المنظمة العالمية للتجارة، فإن معيار الاختيار الرشيد يميل إلى اعتبار التكلفة الأفضل بغض النظر أو دون تمييز بين إنتاج محلي أو إنتاج خارجي. وهناك اعتبار ثالث يتعلق بارتفاع مستويات المعيشة وتعدد متطلبات وأذواق المستهلكين لدرجة يصعب معها أن تنتج كلها محليا.

ورغم وجاهة التحفظات حول مفهوم الاكتفاء الغذائي الذاتي الكامل فإن اعتماد سياسة الاكتفاء الذاتي الكامل أو الجزئي من السلع الاستهلاكية يعتبر خيارا إستراتيجيا يجب عدم التنازل عنه مهما كلف من ثمن. ونجد على المستوى العالمي أمثلة حية في التضحية الاقتصادية في سبيل تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض السلع الأساسية، كما هو الحال في سياسة زراعة الأرز وزراعة القمح.

وعلى العموم فإن الباحثين الاقتصاديين يعتبرون أنه في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وما رافقها من تحرير التبادل التجاري فإن مفهوم الاكتفاء الغذائي الذاتي الكامل مفهوم طوباوي بل مرفوض لأنه يؤدي إلى إيقاف جميع العلاقات التجارية الخاصة بالمواد الغذائية مع الدول الأخرى. لذا فإن معظم الدارسين يميلون إلى استخدام مفهوم الأمن الغذائي بدل الاكتفاء الغذائي الكامل لخلوه من أي شحنة دلالية أيديولوجية.

الفقرة الثانية :  مفهوم الأمن الغذائي .

يمكن التمييز بين مستويين للأمن الغذائي: مطلق ونسبي. فالأمن الغذائي المطلق يعني إنتاج الغذاء داخل الدولة الواحدة بما يعادل أو يفوق الطلب المحلي، وهذا المستوى مرادف للاكتفاء الذاتي الكامل ويعرف أيضا بالأمن الغذائي الذاتي. ومن الواضح أن مثل هذا التحديد المطلق الواسع للأمن الغذائي توجه له انتقادات كثيرة إضافة إلى أنه غير واقعي، كما أنه يفوت على الدولة أو القطر المعني إمكانية الاستفادة من التجارة الدولية القائمة على التخصص وتقسيم العمل واستغلال المزايا النسبية.

أما الأمن الغذائي النسبي فيعني قدرة دولة ما أو مجموعة من الدول على توفير السلع والمواد الغذائية كليا أو جزئيا. ويعرّف أيضا بأنه قدرة قطر ما أو مجموعة أقطار على توفير احتياجات مجتمعهم أو مجتمعاتهم من السلع الغذائية الأساسية كليا أو جزئيا وضمان الحد الأدنى من تلك الاحتياجات بانتظام.

وبناء على هذا التعريف السابق فإن مفهوم الأمن الغذائي النسبي لا يعني بالضرورة إنتاج كل الاحتياجات الغذائية الأساسية, بل يقصد به أساسا توفير المواد اللازمة لتوفير هذه الاحتياجات من خلال منتجات أخرى يتمتع فيها القطر المعني أو الأقطار المعنية بميزة نسبية على الأقطار الأخرى. وبالتالي فإن المفهوم النسبي للأمن الغذائي يعني تأمين الغذاء بالتعاون مع الآخرين.

وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم الأمن الغذائي ينبغي أن يؤسس على ثلاثة مرتكزات:

  1. وفرة السلع الغذائية.
  2. وجود السلع الغذائية في السوق بشكل دائم.
  3. أن تكون أسعار السلع في متناول المواطنين.

عرف العالم ابتداء من منتصف الثمانينات أمنا غذائيا نسبيا بسبب -بشكل رئيسي- تزايد استخدام الكيماويات في الزراعة الحديثة. إلا أن تزايد الإنتاجية الزراعية بهذه الطريقة جلب مخاوف كثيرة للمستهلكين، وبدأ الحديث عن طريقة جديدة لزيادة الإنتاجية أكثر أمانا لصحة الإنسان كالزراعة البديلة أو الزراعة العضوية. فما هو أمان الغذاء إذاً؟

إن مفهوم منظمة الصحة العالمية للأمان الغذائي يعني كل الظروف والمعايير الضرورية اللازمة -خلال عمليات إنتاج وتصنيع وتخزين وتوزيع وإعداد الغذاء- لضمان أن يكون الغذاء آمنا وموثوقا به وصحيا وملائما للاستهلاك الآدمي. فأمان الغذاء متعلق بكل المراحل من مرحلة الإنتاج الزراعي وحتى لحظة الاستهلاك من طرف المستهلك الأخير.

ويذكرنا علم التسويق “Marketing” في مجال السلع الغذائية أن الاهتمام في المرحلة الأولى كان منصبا على توفير السلع الغذائية، أي أن الاهتمام كان منصبا على الكم لأن الطلب يفوق العرض. ثم بدأت بعد ذلك مرحلة الاهتمام بالجودة والنوعية أو الموازنة بين الكم والكيف في السلع الغذائية. وحاليا في المرحلة الأخيرة بدأ التركيز على الأبعاد الصحية للسلع الغذائية أو ما يعرف بأمان الغذاء، وزاد هذا الاهتمام أكثر بعد ظهور مرض جنون البقر والحمى القلاعية وما أحدثاه من تخوف عالمي.

1- الزراعة العضوية

تعرف الزراعة العضوية بأنها نظام إنتاجي يتحاشى -أو يستبعد إلى حد كبير- المخصبات المركبة صناعيا والمبيدات الحشرية ومنظمات النمو وإضافات العلف الحيواني. وتعتمد نظم الزراعة العضوية إلى أقصى حد ممكن على نظام الدورات الزراعية (تعاقب المحاصيل) ومخلفات المحاصيل والسماد الحيواني والبقول والأسمدة الخضراء والمخلفات العضوية للمزرعة والأساليب البيولوجية -كمكافحة الآفات- للمحافظة على إنتاجية التربة الزراعية وطبيعتها وتوفير العناصر الغذائية للنبات ومكافحة الحشرات والآفات الأخرى.

ويؤخذ من هذا التعريف أن على المزارع الالتزام بما يلي:

  • الكف عن استخدام المخصبات والكيماويات المركبة صناعيا.
  • اتباع نهج المحاصيل المتعاقبة أو الدورات الزراعية.
  • اعتبار التربة الزراعية نظاما حيا يجب المحافظة عليه وتنميته.

غير أنه تجب الإشارة إلى أن الكف عن استخدام الكيماويات ليس على إطلاقه بل يعني تحاشي الاستخدام المباشر والروتيني للكيماويات الجاهزة,. وعندما يكون استخدام هذه المركبات والمواد ضروريا فإنه يلزم استخدام أقل المعدلات إخلالا بالبيئة. كما يجب الانتباه إلى أن تقييم الزراعة البديلة أو الزراعة العضوية يجب أن يكون على أساس تأثير هذه الزراعة على الإنتاجية وعلى المنتًج الغذائي وعلى البيئة.

فعلى مستوى الإنتاجية تبين بعض الدراسات أن الإنتاجية الزراعية تتراجع بنسبة 24% عند استخدام الزراعة العضوية بدل الزراعة التقليدية المعتمدة بالأساس على المخصبات المركبة صناعيا. أما فيما يتعلق بالمنتَج الغذائي فإن الزراعة العضوية تعتبر أقل احتواء على المبيدات الحيوية والنترات من الزراعة التقليدية، كما تعتبر أغنى بالبروتينات والفيتامينات والسكريات والحديد والبوتاسيوم والكالسيوم والفوسفور.

2- التكثيف الزراعي

يعرف التكثيف الزراعي بأنه تكثيف العائد من استخدام الموارد. ومن المعروف أن محددات التوسع الزراعي هي الأرض والماء، لذا فإن التكثيف الزراعي يتم عن طريق تعظيم الإنتاج لوحدة المساحة من الأرض أو وحدة المتر المكعب من الماء أو كليهما. إلا أنه في بعض الحالات يعتبر تكثيف إنتاجية عنصر العمل ورأس المال من عوامل التكثيف الزراعي.

ويتم التكثيف الزراعي من خلال عدة آليات:

  • الأولى- زيادة إنتاجية المحاصيل النباتية والحيوانية لوحدة المساحة من الأرض والمتر المكعب من الماء. وترتكز الجهود المبذولة لزيادة إنتاجية المحاصيل النباتية والحيوانية على تربية أصناف نباتية جديدة أو تربية سلالات حيوانية جديدة ثم إدخال هذه الأصناف والسلالات الزراعية في ظروف إنتاج أفضل تمكنها من تحقيق ما تتيحه لها طاقاتها الوراثية.
  • الثانية- زيادة المحاصيل المزروعة في نفس مساحة الأرض في نفس السنة، أو ما يعرف بتكثيف المحصول. إلا أن هذا التكثيف لا يمكن أن يتم إلا بعد توافر مجموعة من العوامل مثل الظروف المناخية الملائمة ومياه ري كافية وكفاءات بشرية وخصوبة الأرض وشروط متعلقة بطبيعة المحاصيل.
  • الثالثة- التحول من زراعات أقل قيمة نقدية إلى أخرى أعلى قيمة.
  • الرابعة- صناعة الزراعة، وهي درجة عالية من التكثيف الزراعي، وتتم عن طريق زراعة العديد من المحاصيل في بيوت ضخمة وظروف خاضعة للتحكم فيها من الحرارة والرطوبة والإضاءة ومكافحة الأمراض.

 

المطلب الأول: ملامح الأزمة الغذائية.

يعتمد المغرب على القطاع الزراعي في توفير المنتجات الغذائية والمدخلات الوسيطة للصناعات التحويلية وخلق فرص العمل لفئات واسعة من السكان, بالإضافة إلى مساهمته في توفير العملات الصعبة وبالتالي تمويل برامج التنمية. ويعيق تخلف القطاع الزراعي مسيرة التنمية في القطاعات الأخرى, لهذا فإن تنمية هذا القطاع يجب أن تحتل مكانة متميزة في التوجهات التنموية, خاصة بعد تزايد السكان وزيادة الطلب على السلع الغذائية.

وقد تطورت الأزمة الغذائية في العالم تبعا لمعدلات نمو الإنتاج والطلب الاستهلاكي على المنتجات الغذائية. وقد أصبح هناك شبه إجماع على أن أزمة الغذاء في العالم قد وصلت إلى حد حرج يتجلى في تنامي الاعتماد على المصادر الخارجية, وتدهور نصيب الفرد من الناتج الزراعي، وتراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي .

وقد أدى ضعف أداء القطاع الزراعي إلى زيادة الواردات من السلع الغذائية لتلبية حاجيات مواطنين من الأغذية الضرورية وليس لتحسين نوعيتها، وهو ما يظهر جليا في شبه ثبات نصيب الفرد اليومي, من إمدادات السعرات الحرارية مثلا[1]. كما يعمق هذا الضعف الهوة بين الطلب على الغذاء والإنتاج المحقق.

إن الموارد الطبيعية الهامة كوفرة الأراضي القابلة للزراعة والمياه والظروف المناخية المساعدة, عوامل تلعب دورا مهما في عمليات التوسع الإنتاجي. ومن المجمع عليه أن الإنتاج الغذائي يعتمد بصفة خاصة -وإلى حد كبير- على الظروف الطبيعية، إلا أنه من شبه المؤكد أن الحالة الراهنة من عجز غذائي تعود إلى كون الإمكانات والموارد المتاحة غير مستغلة بصفة مثالية. فالمغرب يزخر بأراض هامة قابلة للزراعة, بالإضافة إلى موارده البشرية.

الفقرة الاولى: العوامل المؤثرة في أزمة الغذاء.

1- العوامل الديموغرافية
يعد التزايد السكاني المذهل الذي عرفه المغرب في العقود الماضية من المبررات التي تصاغ لمشكلة الغذاء في المنطقة، فقد شهد حجم السكان تسارعا ملحوظا, مما أدى إلى اختلالات على مستوى عرض وطلب الغذاء. كما أن هذا التزايد الكمي للسكان رافقه تغيير جوهري في توزيع السكان بين الريف والحضر، فقد أدت الهجرة الريفية إلى المدن, إلى تزايد كبير لسكان المدن وحرمان القطاع الزراعي في المناطق الريفية من اليد العاملة, مما أدى إلى تراجع أداء القطاع الزراعي في هذه المناطق.

كما أدى تحسن الوضع الاقتصادي إجمالا, إلى ارتفاع مستويات الدخول الفردية وتغيير النمط الغذائي الاستهلاكي تبعا لذلك، وإلى تراجع نسبة السكان الزراعيين إلى مجموع السكان نتيجة استقطابهم من طرف القطاعات الأخرى. ويصاحب النمو الاقتصادي -عادة- تعديل في توزيع السكان بين الريف والحضر, بحيث يتوالى انخفاض سكان الأرياف وازدياد سكان الحضر. ويؤدي هذا التعديل إلى التوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية وبالتالي فإن الهجرة الريفية تؤدي إلى تذبذب الإنتاج الزراعي ما لم يقابلها تحسن ملحوظ في إنتاجية المزارعين.

وقد أثبتت الدراسات أن متوسط الاستهلاك الكلي أعلى وأكثر تنوعا في الحضر منه في الريف، فانتشار الحضر وتركز السكان يدفعان إلى زيادة الطلب على السلع الغذائية وتغيير أنماطه بفعل محاكاة النمط الاستهلاكي المستورد, ونتيجة للتحسن في القدرات الشرائية للأفراد الذين أصبحوا يتوقون إلى استهلاك أفضل وأكثر تنوعا.

2 – العوامل الطبيعية
رغم الإمكانات الطبيعية –الزراعية التي تهمنا هنا- الهائلة التي يحظى بها المغرب من مساحة قابلة للزراعة, فإن الميل نحو الانتقال من الزراعة المطرية إلى الزراعة المروية, يؤدي إلى تزايد سريع للطلب على المياه وخاصة المياه الجوفية [2]مما عمّق مشكلة الغذاء.

ويعزى قصور الإنتاج الزراعي بشكل عام عن إشباع الحاجيات الغذائية إلى جملة من العوامل أهمها:

  • انخفاض نسبة الأراضي الصالحة للزراعة مقارنة مع المساحة الكلية, كما يلاحظ تدني نسبة ما هو مزروع فعلا من هذه المساحة.
  • اعتماد أغلب الزراعات على العوامل المناخية التي تتميز بالتذبذب والتقلب من عام إلى آخر.
  • وسوء استغلال المياه وهدرها.

كما يمكن تحسين استغلال هذه الموارد لتعويض النقص الكمي الحاصل فيها عن طريق اتباع أساليب الري العصرية والترشيد.

ولئن كان للانفجار السكاني دور سلبي في عرض الإنتاج الزراعي أصبح بموجبه هذا الأخير غير قادر على مواجهة الطلب على السلع الغذائية, فإن لهذا التزايد البشري علاقة بالموارد الطبيعية. فبالإضافة إلى ندرة الموارد الطبيعية أصلا, فإن للتصحر والجفاف والتعرية والتحولات التي يعرفها المناخ ودور الإنسان في الاستنزاف اللاعقلاني للخيرات الطبيعية وتدمير البيئة دورا كبيرا في استفحال أزمة الغذاء [3].

3- الخيارات التنموية الكلية

ان تأمين ما يحتاجه المغرب  من الغذاء يقودنا  إلى التساؤل عن المكانة المعطاة لتنمية القطاع الزراعي ضمن مخططات التنمية الاقتصادية التي يتبناها  المغرب . وتنطوي عملية التنمية عادة على تحول الاقتصاد من وضع تهيمن فيه الزراعة إلى اقتصاد يتعاظم فيه دور القطاعات الاقتصادية الأخرى. وفي كثير من الإستراتيجيات التنموية في الدول النامية  التي تتراوح بين التنمية القائمة التصنيع, من خلال بدائل الواردات أو إستراتيجية النمو الذي تقوده الصادرات, لا تقوم الزراعة إلا بدور ثانوي داعم. وكثيرا ما كانت تغفل أهمية التفاعلات الإيجابية بين الزراعة والقطاعات الأخرى، كما لا يعطى اهتمام كبير لتعزيز البحث والاستثمارات في الزراعة. فكثير من اقتصاديي التنمية لم يعيروا القطاع الزراعي إلا أهمية ضئيلة نسبيا –مع بعض الاستثناءات– رغم قول بعض الاقتصاديين إن أي ثورة صناعية تحدث لابد أن تسبقها بعقود على الأقل ثورة خضراء أو زراعية كما حدث في الصين واليابان[4].

وقد اتجه طموح أغلب الدول النامية منذ حصولها على الاستقلال من أجل تحقيق التنمية, إلى التصنيع بالدرجة الأولى باعتباره مرادفا للتنمية والتقدم مما جعلها تقع في خطأ فادح هو إهمال التنمية الزراعية والتركيز على إنشاء بعض الوحدات الصناعية التي كانت تعتبرها معبرا بالاقتصاد الوطني من حالة التخلف التي ورثها من الحقبة الاستعمارية. وقد تركزت النسبة الكبرى من الاستثمارات العامة في القطاعات الأخرى على حساب القطاع الزراعي, باعتباره قطاعا غير مولد للنمو.

ولم يكن المغرب أكثر حظا من باقي دول العالم الثالث, فقد اتجهت الإستراتيجيات التنموية نحو التصنيع على أساس أنه يعني التنمية، مما أدى إلى تعبئة الموارد المالية وتكثيف الجهود للنهوض بالاستثمارات في القطاع الصناعي، وذلك على حساب القطاعات الأخرى وخصوصا الفلاحة[5].

إن الاهتمام بالتنمية الصناعية الذي اتسم به عقدا الخمسينات والستينات في معظم الدول النامية ومعها المغرب ، بدأ في التراجع مع مطلع السبعينات بعدما بدا واضحا أنه بدون تنمية زراعية, مما سيجعل هذه الدول تجد نفسها أمام مأزق غذائي يقود إلى استيراد الغذاء من الخارج وما ينجر عن ذلك الاستيراد من استنزاف للمتاح من النقد الأجنبي. كما أن تخلف القطاع الزراعي يحرم القطاعات الأخرى -خصوصا الصناعية- من المواد الأولية اللازمة لها, مما يؤدي إلى حدوث اختناقات تنموية حادة.

ويعد إهمال القطاع الزراعي في التوجهات التنموية العامة -وفي المراحل الأولى لظهور بوادر الأزمة الغذائية- أحد أهم العوامل الكامنة وراء تعميق العجز الغذائي ، بالإضافة إلى عدم نجاعة السياسات الزراعية المتبعة للحد من التبعية الغذائية للخارج وتحقيق الاكتفاء الذاتي على المستوى القطري أو القومي.

وشهدت العقود الأخيرة (الثمانينات والتسعينات) خطوات متسارعة -ضمن السياسات الزراعية- نحو تحرير أسعار منتجات القطاع الزراعي[6]. وقد أدت هذه الإجراءات إلى تقليل دور الدولة في الإنتاج والتسويق ، واقتصار دور الدولة في كثير من الأحيان على وضع الخطط ومتابعتها، والإسهام في برامج التنمية الريفية وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية الزراعية وتطوير مراكز البحث والإرشاد الزراعي. وقد أدت هذه السياسات إلى تحسن أداء القطاع الزراعي.

وإذا كان للعوامل الديمغرافية والطبيعية والتوجهات التنموية العامة دور أساسي في تفسير الحالة الغذائية, فإن أهم أسباب العجز الغذائي تكمن في التوزيع غير المتوازن للموارد والطاقات اللازمة للتنمية الزراعية, من موارد طبيعية وبشرية ومالية[7]. فقد شاءت الأقدار أن يوجد معظم الموارد الزراعية –سواء المياه أو الأراضي القابلة للزراعة– تتميز بشح مواردها المالية.

ولكون الموارد المالية عاجزة بسبب ضعف الاستثمارات ونقص تمويلها, فإنه يصبح من الضروري تعجيل من أجل الخروج من المأزق الغذائي.

وما يثير الدهشة هو أن نرى المغرب بما يملكه من موارد طبيعية وبشرية ومالية أصبح عاجزا عن تلبية طلب أبنائه من الغذاء من إنتاجه المحلي[8]؟! ومع تزايد قصور الإنتاج الغذائي عن مقابلة معدلات الطلب الاستهلاكي على السلع الغذائية, ظلت الفجوة الغذائية تتسع حتى أصبحت في الوقت الراهن من أكبر التحديات التي تواجه الأمن الداخلي .

الفقرة الثانية : أبعاد الأزمة الغذائية .

بدأت المشكلة الغذائية مع بداية السبعينات, حتى أصبحت في نهاية العقد الماضي واحدة من أخطر المعضلات, بعد أن وصلت إلى مستويات حرجة. ويمكن قياس تجليات المشكلة الغذائية هذه بحجم وتطور الفجوة الغذائية ودرجة الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية.

1 – الفجوة الغذائية :
تتصف الفجوة الغذائية[9] بالتذبذب من سنة لأخرى بسبب التغير في الإنتاج الزراعي (النباتي والحيواني) وحجم الاستهلاك وتقلبات الأسعار العالمية للسلع الغذائية. ويعاني المغرب من فجوة غذائية حادة في تزايد مع الزمن منذ بداية التسعينات. وأصبح تمويل استيراد الغذاء عبئا تئن تحت وطأته معظم الموازنات المالية ، ويستنزف جزءاً لا يستهان به من الدخل الوطني يتجه نحو الأسواق العالمية لسد الحاجة المتفاقمة إلى الغذاء [10].
وهناك عجز في معظم السلع الغذائية ، وتعتبر الحبوب -خاصة القمح- من أهم السلع الغذائية المستوردة. كما يستورد المغرب  ثلثي احتياجاته من السكر وأكثر من نصف احتياجاته من الزيوت والشحوم وحوالي ثلث متطلباته من اللبن والبقوليات.

2 – الاكتفاء الذاتي:

مالت نسبة الاكتفاء الذاتي  من الغذاء منذ بداية السبعينات إلى التدهور، وأصبحت في السنوات الأخيرة شديدة التدني، وانخفاض نسبة الاكتفاء الذاتي من أهم السلع الغذائية مثل الحبوب. وهناك عجز في معظم السلع الغذائية باستثناء الأسماك والخضر والفواكه وبدرجة أقل البطاطس والبيض.

ويشكل تدهور معدلات الاكتفاء الذاتي  خطرا على الأمن الغذائي الذي يمثل أحد المكونات الأساسية للأمن الوطني  من منظوره الاقتصادي. فالأمن الغذائي الذي يعني قدرة المجتمع على تأمين احتياجاته الاستهلاكية من السلع الغذائية الأساسية بإنتاجها محليا أو باستيرادها من الخارج[11], ليس هو تحقيق الاكتفاء الذاتي الذي غالبا ما يعني إنتاج كافة الاحتياجات الغذائية الأساسية محليا, وإنما يتعداه إلى تأمين مصادر الحصول على الغذاء محليا أو/ ودوليا.

إن المغرب  تعتمد في الوقت الحاضر على الاستيراد من الخارج لسد العجز في احتياجاتها من الغذاء، وهنا تنبغي الإشارة إلى بعض الحقائق المتصلة بهذا الوضع:

    • أن التركيب السلعي للواردات الغذائية  يعكس أهمية السلع الضرورية للحياة والتي يصعب الاستغناء عنها أو التقليل من حجمها الاستهلاكي بسهولة إلا بقدر طفيف، مثل الحبوب التي تعتبر سلعة حساسة في نظام المستهلك.
    • طبيعة الأسواق الغذائية العالمية التي تحتكرها مجموعة قليلة من الدول والشركات المتعددة الجنسية, وما تملكه هذه القوى من إمكانية التأثير في هذه الأسواق والتحكم في أسعار السلع الغذائية واستخدام الغذاء كسلاح ضغط من وجهة نظر هذه الأطراف المهيمنة.
    • ضعف القدرة التفاوضية للدول المستوردة للغذاء بسبب تعاملها منفردة مع القوى الفاعلة في الأسواق الغذائية الدولية وضعف هامش المساومة نتيجة حساسية الغذاء ودوره في الاستقرار السياسي والاقتصادي.

إن تعاظم الفجوة الغذائية وتدهور نسب الاكتفاء الذاتي  يسمح بالقول إن الأمن الغذائي مازال حلما لم يتحقق حتى هذه اللحظات، ويتطلب تحقيقه في المستقبل اتخاذ جملة من المواقف والإجراءات الموحدة والمتكاملة لإزالة المشاكل التي تعيق التنمية بصورة عامة والتنمية الزراعية على وجه الخصوص.

ويتطلب الخروج من المأزق الغذائي جهودا جادة على طريق التكامل في جميع الأصعدة وبالذات الصعيد الزراعي. إلا أن جهود التكامل مازالت تنقصها الإرادة السياسية وحكومات مسؤولة وقوى ناشطة لتحقيق هذا الهدف الذي أصبح المخرج الوحيد من الأزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية. وقد آن الأوان لإحداث تحولات سياسية جذرية تكرس الديمقراطية -كما أشار إلى ذلك تقرير التنمية البشرية الأخير- وتفسح الطريق أمام الشعوب للتأثير بالطرق الديمقراطية في القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المصيرية وفي طرق تنفيذها ومتابعتها.

إن تحقيق الأمن الغذائي لأي أمة, قضية محورية يجب عدم تركها للظروف المتغيرة[12], ولا للعوامل الخارجية لتتحكم فيها، وإنما يجب السعي وبكل جدية إلى ضمان أمن مستديم من خلال زيادة العناية بالقطاع الزراعي وتوسيع قاعدة العمل المنتج وتحسين الإنتاجية.

 

 

 

الخلاصة

لم تكن الأزمة الغذائية إلى حد كبير –وحتى عهد قريب– مشكلة نقص أو شح في الموارد المتاحة، ولا نموا سكانيا متسارعا أو عجزا في الإمكانات المالية, وإنما هي بالدرجة الأولى مسألة فشل أو خلل في السياسات الزراعية وسوء استغلال لما هو متاح من موارد، فهي جزء من مسألة التنمية في جوهرها، بأنماطها الإنتاجية والاستهلاكية والتوزيعية على المستوى القطري والوطني.

ويتضح من العرض السابق أن الفجوة الغذائية  التي بلغت مستويات حرجة, هي حصيلة تفوق معدلات نمو الطلب على معدلات نمو الإنتاج الغذائي. ويعود ذلك إلى عدة عوامل تؤدي إلى زيادة الطلب أو/ وتباطؤ الإنتاج, ويمكن إيجازها في النقاط التالية[13]:

  • ارتفاع معدلات النمو الديمغرافي.
  • التحسن في مستويات الدخول.
  • تدني نسبة الأراضي المزروعة فعلا.
  • أهمية الزراعات المطرية مقارنة بالمروية حيث تعتمد الأولى بشكل أساسي على الظروف المناخية.
  • النمط الاستهلاكي إذ تشكل الحبوب أهم سلعة غذائية استهلاكية.
  • التوزيع اللامتكافئ للموارد الزراعية.
  • ندرة المياه وسوء استغلال المتاح منها وهدره.
  • تدني الإنتاجية الزراعية وفشل السياسات الزراعية إجمالا ونظرتها الانعزالية أو القطرية.

ورغم ما تعانيه الدول النامية من مشكلة غذائية آخذة في الاتساع, فإنها تملك من المقومات والإمكانات الموضوعية ما يكفيها ليس فقط لسد حاجياتها من الغذاء فحسب, بل لتحقيق فائض تصدرها إلى العالم الخارجي.

 

[1] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي, تقرير التنمية البشرية 2000, ص 237.

[2] منى رحمة “السياسات الزراعية في البلدان العربية”، سلسلة أطروحات الدكتوراه (36), مركز دراسات الوحدة العربية, الطبعة الأولى, بيروت, 2000, ص 13.

[3] محمد المختار ولد مليل “جامعة الدول العربية والتجمعات الإقليمية العربية”، أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية, جامعة تونس المنار, أغسطس/ آب 2002, ص 172

[4] الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، “دراسة الحالة الاقتصادية والاجتماعية في العالم 2000″، ص 203.

[5] عبد القادر الطرابلسي “مشكلة الغذاء في الوطن العربي” في “دراسات في التنمية العربية: الواقع والآفاق”، سلسلة كتب المستقبل العربي رقم 13, مركز دراسات الوحدة العربية, الطبعة الأولى, بيروت , 1998, ص 384.

[6] التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2000, ص 49.

[7] خالد تحسين علي “أزمة الغذاء والعمل الاقتصادي العربي المشترك” في “التكامل الاقتصادي العربي: الواقع والآفاق”، سلسلة كتب المستقبل العربي رقم 12, مركز دراسات الوحدة العربية, الطبعة الأولى, بيروت، 1998، ص 244.

[8] سعيد عبد الخالق، “الأمن القومي العربي من منظور اقتصادي”، شؤون عربية, رقم 85, 1996, ص 19.

[9] انظر: يعقوب سليمان، “مفهوم الفجوة الغذائية وواقعها الراهن في الدول النامية”، في “الأمن الغذائي العربي”، مرجع سبق ذكره, ص 292.

[10] عباس فاضل السعدي، “التحليل الجغرافي لدرجة الاكتفاء الذاتي وحجم فجوة الغذاء في الوطن العربي”، شؤون عربية, رقم 100, 1999, ص 147.

[11] سعيد عبد الخالق, مرجع سبق ذكره, ص 21.

[12] محمد السيد عبد السلام، “الأمن الغذائي في الوطن العربي”، عالم المعرفة, فبراير/ شباط 1998, ص 9.

[13] لمزيد التعمق انظر: منصور الراوي، “الأمن القومي العربي: مفهومه وواقعه”، شؤون عربية, رقم 75, 1993, ص 31.

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super