مفهوم فسخ عقد الكراء التجاري

أولا: مفهوم فسخ عقد الكراء التجاري.

الفقرة الأولى: تعريف فسخ عقد الكراء التجاري وتمييزه عن الأنظمة المشابهة

   سنتولى في هذه الفقرة تعريف فسخ عقد الكراء التجاري، مع التطرق لتمييز العقد لعدم تنفيذ الالتزام عن إنهاء العقد وانقضائه وكذلك تمييزه عن الانفساخ.

 

1: تعريف فسخ عقد الكراء التجاري

عرف بعض الباحثين فسخ العقد بأنه انحلاله وفك الارتباط الواقع بين طرفيه، ويقع أثناء قيام العقد بسبب إخلال أحد طرفيه بالالتزامات التي التزم بها في العقد، فيلجأ الطرف الآخر للقضاء طالبا الحكم بفسخ العقد الذي يربطه بالطرف الأول لخطإ من هذا الأخير وتحميله كافة نتائج هذا الإخلال، ليتحلل هو الآخر من التزاماته اتجاه الطرف المخل[1] .

والفسخ لا يكون له محل إلا في العقود الملزمة للجانبين إذ يجوز لكل من المتعاقدين، إذا امتنع المتعاقد الآخر عن تنفيذ التزامه[2]، أن يطلب من القاضي فسخ العقد أو أن يدفع في مواجهته بعدم التنفيذ. والفسخ لا يطال إلا العقود التبادلية أي التي تجعل الالتزامات على عاتق كل طرفيها، وكذا العقود المستمرة التي يمتد تنفيذها في الزمن كعقد الكراء.

ولقد نظمت أحكام فسخ عقد الكراء بشكل عام في قانون الالتزامات والعقود خاصة الفصل 692 الذي نص على أن: ”للمكري فسخ عقد الكراء مع حفظ حقه في التعويض إن اقتضى الأمر:

-إذا استعمل المكتري الشيء المكترى في غير ما أعد له بحسب طبيعته أو بمقتضى الاتفاق.

-إذا أهمل الشيء المكترى على نحو يسبب له ضررا كبيرا.

-إذا لم يؤد الكراء الذي حل آجل أدائه”.

من خلال هذا الفصل يتجلى أن للمكري أن يطالب بفسخ عقد كرائه إذا استعمل المكتري العين المكتراة في غير ما أعدت له أو أهملها أو كان هذا الإهمال قد سبب ضررا كبيرا للعين المكتراة للمكري.[3]

ولقد أورد ظهير 24 ماي 1955 كقانون خاص أحكاما خاصة لفسخ عقد الكراء. فالفصل 11 من هذا الظهير نص على أنه بإمكان المكري رفض تجديد عقد الكراء إذا أتى بحجة تشهد ضد المكتري الخارج لأن هناك سببا خطيرا ومشروعا. أما الفصل السادس من الظهير فقد نص على أن عقد الكراء الذي تكون له صلة بواقعة يتيح تحقيقها للمكري طلب فسخ العقدة المذكورة فإن مدتها لا تنقضي إلا إذا وجه المكري للمكتري إعلاما بذلك خلال ستة أشهر على الأقل قبل انتهاء تلك المدة ويجب ان يتضمن الإعلان عبارة تشير إلى كون الواقعة التي نص عليها في العقد قد وقعت.

أما الفصل 26 من ظهير 24 ماي 1955 فقد نص أيضا على الفسخ الاتفاقي لعقد الكراء التجاري بأنه كل بند يدرج في عقدة وينص على فسخه بقوة القانون إذا لم يؤدي ثمن الكراء عند حلول التاريخ المتفق عليه ولا يكون ساري المفعول إلا بعد مضي 15 يوما على تاريخ الإنذار بالأداء الموجه  للمكتري مع بقائه بدون نتيجة ويجب أن يشار في الإنذار إلى الأجل المذكور تحت طائلة البطلان، وأن يبلغ وفقا للفصول 37 و 38 و 39 من ق.م.م وإما بواسطة رسالة مضمونة مع الإعلام بالتوصل .

وواضح من هذا الفصل أنه نص على فسخ عقد الكراء التجاري في حالة التماطل في أداء الكراء دون الحالات الخطيرة والمشروعة الموجبة للفسخ المنصوص عليها في الفصل 692 من ق.ل.ع.

 

2: تمييز فسخ عقد الكراء التجاري عن الأنظمة المشابهة

           أ-تمييز فسخ عقد الكراء التجاري عن إنهائه

نظم المشرع في قانون الالتزامات والعقود أحكام فسخ العقود بشكل عام لكن كثيرا ما يقع الخلط بين فسخ العقد وإنهائه غير أنهما مختلفان تماما[4].

وبالرجوع إلى مقتضيات الظهير، يتضح أنها تتعلق بكيفية إنهاء العلاقة الكرائية بين مكري ومكتري المحل التجاري، فضلا عن مسطرة الإنهاء الودي التي لا تحتاج إلى تدخل القضاء باستثناء الحالات الشبه منعدمة لنجاح مسطرة الصلح أمام رئيس المحكمة، يمكن القول بأن مسطرة الفسخ القضائي تبقى الوسيلة الأمثل بالنسبة لمكتري المحل التجاري، وهي ضمان في مواجهة تعسف المكري أثناء استعمال حقه باسترجاع العين المكتراة.

        ب-تمييز فسخ الكراء التجاري عن الانفساخ  

ينص الفصل 659 من ق.ل.ع على ما يلي: ”إذا هلكت العين المتراة أو تعيبت أو تغيرت كليا أو جزئيا بحيث أصبحت غير صالحة للاستعمال في الغرض الذي اكتريت من أجله، وذلك دون خطأ أي واحد من المتعاقدين، فإنه عقد الكراء ينفسخ من غير أن يكون لأحدهما على الآخر أي حق في التعويض، ولا يلزم المكتري من الكراء إلا بقدر انتفاعه.

وكل شرط يخالف ذلك يكون عديم الأثر”.

فالقاعدة العامة أن هلاك محل العقل أو تعييبه بكيفية تجعله غير صالح للاستعمال، بسبب أجتبي يترتب عليه انفساخ العقد من تلقاء نفسه، وبحكم القانون، على ما يتضح من النص أعلاه. على أن الهلاك أو العيب متى نتج عن فعل المتعاقد ”المكري” أو ”المكتري” وجب عليه أن يتحمل المسؤولية المدنية  تجاه الطرف الآخر.

وفي هذا الصدد اعتبر العقد منفسخا بقوة القانون من تلقاء نفسه أيا كان السبب في هلاك العين، أي سواء كان ذلك راجع إلى القوة القاهرة وخطا المكري أو خطا المكتري أو خطأ الغير، ولا يقدح في ذلك كون الفصل 659 من ق.ل.ع يربط في ظاهر صياغته بين انفساخ العقد وانعدام خطأ أي من المتعاقدين، لأن حكمة ما ورد في هذا النص ينصرف إلى التعويض، ولا أثر له على الفسخ الذي هو واقع لا محالة[5].

 

الفقرة الثانية: أنواع فسخ عقد الكراء التجاري وأسبابه

 1: أنواع فسخ عقد الكراء التجاري

      أ-الفسخ الاتفاقي

الفسخ الاتفاقي هو ما ينص عليه الفصل 206 من ق.ل.ع والذي جاء فيه ما يلي: ”إذا اتفق المتعاقدان على أن العقد يفسخ عند عدم وفاء أحدهما بالتزامه وقع الفسخ بقوة القانون بمجرد عدم الوفاء” ونفس الشيء نص عليه الفصل 1184 من القانون المدني الفرنسي.

ومن خلال هذا الفصل يظهر أن المتعاقدين يمكن يتفقا عند إبرام العقد على إدراج شرط يقضي صراحة بأن عدم تنفيذ أي طرف بالالتزام المحدد والمعين يترتب عنه فسخ العقد تطبيقا للفصل 230 من ق.ل.ع الذي ينص على أن العقد شريعة المتعاقدين.

ويسمى أيضا الفسخ الذي يقع في هذه الحالة فسخا بقوة القانون، وتدخل المحكمة في إطار هذا الفصل ليس من أجل إيقاف الشرط الفاسخ أو مراقبة جديته بل فقط للتحقق من وجوده ومعاينة حصوله[6].

وأما الفسخ الاتفاقي لعقد الكراء التجاري فهو الذي نص عليه الفصل 6 من ظهير 24 ماي 1955 الذي ينص على أن عقد الكراء تكون له صلة بواقعة يتيح تحقيقها للمكري طلب فسخ العقدة المذكورة فإن مدتها  لا تنقضي إلا إذا وجه المكري للمكتري إعلاما بذلك خلال ستة أشهر على الأقل قبل انتهاء تلك المدة ويجب ان يتضمن الإعلام عبارة تشير إلى كون الواقعة التي نص عليها في العقد قد وقعت.

وهكذا نص الظهير على الفسخ الاتفاقي الذي لم يقيده بحالة معينة بل تركه مفتوحا ليشمل تحقق جميع الوقائع المتفق عليها وهو نوع من الفسخ الاتفاقي الموقوف التنفيذ على مضي مدة معينة لتحقق واقعة عينها المتعاقدان عند حدوث هذه الواقعة المقررة للفسخ فإن على المكري انتظار مضي المدة المحددة لعقد الكراء مع واجب إخبار المكتري خلال ستة أشهر قبل انتهاء المدة.

والفصل السادس من الظهير لم يحصل واقعة محددة بل ترك للأطراف حرية تحديد أية واقعة مع التقيد بأحكام الإنهاء عقد الكراء التجاري وفق الشروط الشكلية والموضوعية المنصوص عليها في نفس الفصل، ونفس الشيء نص عليه الفصل 173 من القانون التجاري الجزائري والفصل 23 من القانون التونسي.

   ب-الفسخ القضائي

الفسخ القضائي هو ذلك الفسخ المنصوص عليه في الفصل 259[7]  من ق.ل.ع، بحيث  لا يقع الفسخ بقوة القانون وإنما يجب أن تحكم به المحكمة، ولها سلطة تقديرية في القول بالفسخ من عدمه إذا تبين لها أن الإخلال المبرر للفسخ لا يوجب إيقاع هذا الجزاء القضائي المتمثل في القضاء على عقد الكراء. ولكن التوجه للقضاء للحصول على الفسخ القضائي يحتم توفر الشروط المفصلة في الفصل 255 من ق.ل.ع .

والفسخ القضائي يشترط أن يكون العقد ملزما للجانبين وأن يقوم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه ويخل الطرف الآخر بالتزامه، فيرجع عدم التنفيذ إلى خطإ المدين ويكون طالب الفسخ قد نفذ التزامه.

أما بالنسبة للفسخ القضائي لعقد الكراء التجاري فإن ظهير 24 ماي 1955 كقانون خاص لم يتعرض له، فلا مانع من الالتجاء إلى القواعد العامة في إطار الفصل 692 من ق.ل.ع والذي يعطي للمكري حق المطالبة بفسخ العقد إذا أخل المكتري بالتزاماته القانونية وبالأخص إذا لم يؤدي الكراء الذي حل أجله وثبت تماطله.

   2: أسباب فسخ عقد الكراء التجاري 

    لقد أورد ظهير 24 ماي 1955  أحكاما خاصة بفسخ عقد الكراء .إلا انه اهتم بالفسخ الاتفاقي فقط دون الفسخ القضائي، فالفصل السادس من هذا الظهير نص على أن عقد الكراء الذي تكون له صلة بواقعة يتيح تحقيقها للمكري طلب فسخ العقد المذكور. وهكذا اهتم الظهير بالفسخ الاتفاقي الذي لم يقيده بحالة معينة بل تركه مفتوحا ليشمل تحقق الوقائع المتفق عليها، و ترك للأطراف حرية تحديد أية واقعة مع التقيد بأحكام إنهاء عقد الكراء التجاري وفق الشروط الشكلية والموضوعية المنصوص عليها في نفس الفصل.

أما الفصل 26 من الظهير فقد نص على الفسخ الاتفاقي لعقد الكراء التجاري بأنه  “كل بند يدرج في العقدة وينص على فسخها بقوة القانون إذا لم يؤد ثمن الكراء عند حلول التواريخ المتفق عليه”.

كما نص المشرع على حالات أخرى للفسخ في قانون الالتزامات والعقود  حيث جاء في الفصل 692  “للمكري فسخ الكراء مع حفظ حقه في التعويض إن اقتضى الأمر:

 

   أ– إذا استعمل المكتري الشيء في غير ما أعد له بحسب طبيعته أو بمقتضى الاتفاق

وهدا ما أكده القضاء المغربي من خلال ما ذهب إليه المجلس الأعلى في قراره رقم 1127[8] والذي جاء في مضمونه :ان إدخال تغيرات على العين المكتراه بتقسيمات إلى مخادع للهاتف ومصبنة بدون موافقة المالك يبرر طلب فسخ الكراء.

لكن وبمعنى المخالفة فمتى لم تكن هده التغيرات  مؤثرة في العقد فلا يتم الفسخ وهذا ما أكده المجلس الأعلى في قراره رقم 789[9] والذي جاء فيه: “التغييرات المحدثة والتي يقتضيها استعمال العين لا تدخل ضمن الأسباب المبررة لإفراغ المكتري بدون تعويض.

حيث انه خلافا لما يتمسك به المستأنف فان إحداث مرحاض من طرف المستأنف عليها لا يدخل ضمن التغييرات الجوهرية التي يمنع على المكتري إجراؤها و إنما يعتبر من قبل التغييرات التي يقتضيها استعمال المحل و لا تدخل ضمن الأسباب الخطيرة المبررة لحرمان المكترية من التعويض عن رفض تجديد العقد. وحيث انه خلافا لما أورده المستأنف كذلك فان التعويض المحكوم به لا يتسم بأية مبالغة ويتناسب مع ما سيلحق المكترية من خسارة حقيقية وما سيفوتها من كسب بسبب إفراغها من المحل. وحيث ترى المحكمة بناء عليه أن الحكم الابتدائي واقع في محله ومؤهل للتأييد”.

كما أكد هذا المجلس توجهه في قرار آخر وهو القرار رقم 798[10] “،التغييرات المحدثة والتي يقتضيها استعمال العين لا تدخل ضمن الأسباب المبررة لإفراغ المكتري بدون تعويض.

حيث انه خلافا لما يتمسك به المستأنف فان إحداث مرحاض من طرف المستأنف عليها لا يدخل ضمن التغييرات الجوهرية التي يمنع على المكتري إجراؤها و إنما يعتبر من قبل التغييرات التي يقتضيها استعمال المحل و لا تدخل ضمن الأسباب الخطيرة المبررة لحرمان المكترية من التعويض عن رفض تجديد العقد. وحيث انه خلافا لما أورده المستأنف كذلك فان التعويض المحكوم به لا يتسم بأية مبالغة ويتناسب مع ما سيلحق المكترية من خسارة حقيقية وما سيفوتها من كسب بسبب إفراغها من المحل. وحيث ترى المحكمة بناء عليه ان الحكم الابتدائي واقع في محله ومؤهل للتأييد”.

   ب- إذا أهمل الشيء المكتري على نحو يسبب له ضررا كبيرا.

    ج- إذا لم يؤد الكراء الذي حل أجل أدائه

وهو ما يعرف بحالة التماطل و الذي يرتب الفسخ إذا ما لم تؤدى الواجبة الكرائية داخل اجل المحدد له. والتماطل في أداء الكراء يعد سببا خطيرا أو مشروعا يبرر إفراغ المكتري من المحل التجاري المكرى له بدون تعويض.

وهذا ما أكده المجلس الأعلى في قراره رقم 218 كسبب تعسفي للتعويض: “حيث إنه خلافا لما تمسك به المستأنف فإنه توصل بالإنذار بالأداء شخصيا بتاريخ 08/07/2004 ولم يتقدم بطلبه الرامي إلى عرض واجبات الكراء إلا بتاريخ 29/07/2004 أي بعد انصرام الأجل المعقول المضمن في الإنذار بالأداء كما أن الإيداع الفعلي لتلك الواجبات لم يتم إلا بتاريخ 15/09/2004 وبالتالي فإن عدم أداء المستأنف لواجبات الكراء داخل الأجل يعد سببا خطيرا ومشروعا يبرر حرمانه من التعويض عن رفض تجديد العقد. ويكون ما ذهب إليه الحكم الابتدائي في هذا الصدد واقعا في محله مما ينبغي معه التصريح بتأييده.

ويتضح مما سبق أن الفصل 26 من ظهير 24 ماي 1955 نص على فسخ عقد الكراء التجاري في حالة التماطل في أداء الكراء دون الحالات الخطيرة والمشروعة الموجبة للفسخ المنصوص عليها في الفصل 692 ق ل ع[11].

ثانيا: اختلاف الفقه والقضاء المغربيين حول طبيعة فسخ عقد الكراء التجاري

لقد اختلف الفقه والقضاء المغربيين حول مسطرة فسخ عقد الكراء التجاري في حالة التماطل في أداء الكراء إلى ثلاث اتجاهات مختلفة وفق ما سيأتي بيانه.

الفقرة الأولى: الاتجاه القائل بمسألة الخيار بين مسطرتي الظهير والفصل 692 من ق.ل.ع

إن القصد بمسألة الخيار هي حق المكري في اللجوء إلى دعوى الفصل 692[12] من ق.ل.ع أو مسطرة ظهير 24 ماي 1955 المنصوص عليها في الفصلين 6 و 26 من هذا الظهير. وهذا الاتجاه كان سائدا في أغلب محاكم الموضوع بدرجتها لمدة 20 سنة في المغرب قبل صدور قرار 31 ماي 1989. غير أن مسألة الخيار بين المسطرتين أصبحت محط خلال بين الفقه والقضاء في حالة عدم وجود الشرط الفاسخ المتعلق بحالة عدم أداء الكراء وفقا للفصل 26 من الظهير أو عدم وجود شرط تحدد واقعة ما متفق عليه حسب ما هو منصوص عليه في الفصل 6 من الظهير.

ومن بين الفقهاء الذين دافعوا عن هذا الطرح الأستاذ أحمد عاصم الذي ذهب إلى أنه بالنسبة للفسخ الشرطي لعدم أداء الكراء فظهير 24 ماي قد نظمه تنظيما خاصا في الفصل 26 فلابد من إعمال القواعد الخاصة فلا يجوز للمكري أن يطالب بإعمال الشرط الفاسخ المنصوص عليه في العقد على أساس الفصل 260 من ق.ل.ع السالف ذكره بل يجب تطبيق الفصل 26 من الظهير الذي يخول للقاضي صلاحية إيقاف أثر الشرط الفاسخ ويمنح للمكتري أجل الميسرة قد يصل إلى سنة بكاملها. ومن حق المكتري الذي رفعت ضده دعوى الفسخ الشرطي في نطاق الفصل 260 من ق.ل.ع أن يدفع بعدم صحتها ويطالب بتطبيق الفصل 26 من الظهير الذي يعطيه الحق في الاستفادة من أجل سنة للأداء.

أما بالنسبة للفسخ القضائي فإن ظهير 24 ماي 1955 كقانون خاص لم يتعرض له، فلا مانع من الالتجاء للقواعد العامة في إطار الفصل 692 من ق.ل.ع الذي يعطي للمكري حق المطالبة بفسخ العقد إذا أخل المكتري بالتزاماته القانونية وبالأخص إذا لم يؤدي الكراء الذي حل أجله وثبت تماطله .

وإذا تحققت هذه الحالة وكان العقد ينص على عقد فاسخ وجب سلوك دعوى الفسخ المنصوص عليها في الفصل 26 من الظهير ولا تترك هذه الحال أي إشكال. بينما يثور الإشكال إذا لم يتضمن العقد شرطا فاسخا في حالة عدم الأداء.

 ويرى الأستاذ عاصم أنه في هذه الحالة يحث للمكري أن يطالب بفسخ العقد على أساس الفصل 692 من ق.ل.ع كما يمكن له أن يوجه للمكتري تنبيها بالإخلال طبقا للفصل 6 من الظهير وعليه  أن يحترم مدة العقد وباقي الشروط الأخرى المنصوص عليها في الفصل 27.[13].

ونفس الشيء قال به احد الباحثين عندما ذهب إلى أنه إذا تعلق الأمر بحالة الفسخ للتماطل يثبت للمكري الخيار في مواجهة المكتري المتماطل بمقتضيات القواعد الخاصة أو اللجوء إلى القواعد العامة، وهو الموقف الذي نهجته أغلب محاكم الموضوع بدرجتيها قبل صدور ونشر قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 31 ماي 1989.

وقد جسد المجلس الأعلى هذا الموقف من خلال قرارات لا تقع تحت حصر كرست كلها مبدأ الخيار بين مسطرة الظهير والفصل 692 من ق.ل.ع. ولقد سلم جانب من الفقه بصحة هذا الخيار في تسهيل مسطرة فسخ الكراء الذي يمكن المكري من استفاء حقه دون إبطاء خلافا لمسطرة ظهير 24 ماي 1955 الذي تتسم ببطء الإجراءات وطول المساطر[14].

الفقرة الثانية: الاتجاه القائل بسلوك مسطرة طرد الظهير أو نظرية الإجراء

إن المقصود من سلوك مسطرة الظهير هو إلزام المكري لسلوك مسطرة إنهاء العقد التجاري وفق ظهير 24 ماي 1955 ولو تعلق الأمر بعدم أداء الكراء الذي يعتبر من الالتزامات القانونية الرئيسية للمكتري حسب الفصل 663 من ق.ل.ع والذي يترتب عنه فسخ عقد الكراء التجاري وفقا لمقتضيات الفصل 692 من ق.ل.ع.

وهذا النهج هو تعبير للموقف السائد في قضاء الموضوع وفي قضاء المجلس الأعلى ومن المدافعين عن إجبارية سلوك مسطرة الظهير.” محمد بناني ومحمد بوزيان والدكتور محمد إسماعيل علم الدين والدكتور محمد بونبات. وقد اعتمد رواد نظرية الإجبار على عدة أسانيد منها:

أ-إن هذا الاتجاه يتمسك بقوة القاعدة الأصولية التي تقضي بأن الحكم الخاص يقيد الحكم العام عند التعرض، وبالتالي فهو لا يصح مطلقا باللجوء إلى قانون الالتزامات والعقود في هذا المجال وإنما إلى ظهير 24 ماي 1955 إذا كان محل العقد مخصصا بالصناعة أو التجارة أو الاستعمال الحرفي.

يعتمد هذا الاتجاه عل سلوك مسطرة ظهير 24 ماي 1955 كقانون خاص لأنه أجدر بالتطبيق من القانون العام خاصة أن المشرع فيس الظهير المتعلق بالأكرية التجارية والصناعية والحرفية شرع أصلا لحماية المكتري التجاري من قواعد القانون المدني المتشبعة بمبدأ سلطان الإرادة والعقد شريعة المتعاقدين الذي تخدم مركز المالك أو الملكية العقارية على حساب المكتري التجاري وحماية الحق في الكراء، وإفراغ المكتري خارج مسطرة القانون الخاص واستبعادها قضائيا سبب للمكتري عدة أضرار لأنه وفقده الاستقرار.

ج-إن العلاقات التي تنشأ بين المالك والمكتري لمحل معد لغرض تجاري تخضع لظهير 24 ماي 1955، والذي إذا لم تكن بنوده كلها من النظام العام، فإن لها على الأقل صبغة آمرة.

د-إن حالات الفسخ المنصوص عليها في الفصل 692 من ق.ل.ع قابلة للتطبيق في نطاق الفصل 11 من ظهير 24 ماي 1955 مع احترام هذا القانون ويكون الخروج على هذه المسطرة استبعادا للظهير بدون مبرر[15].

ويعتمد المدافعون على هذا الاتجاه على تفسير القانون لفائدة المكتري كطرف ضعيف إذا كان غموض أو تعارض بين المقتضيات القانونية، وهو ما يرجح إلزام المكري باحترام المسطرة الخاصة.

[1] – عبد العزيز توفيق، عقد الكراء في التشريع والقضاء دراسية تأصيلية، المكتبة القانونية 3 ، الطبعة الثانية 1996، ص 59 وما يليها.

[2] – الفصل 259 من ظهير الالتزامات والعقود.

[3] – نجاة الكص، الحق في الكراء كعنصر في الأصل التجاري ومدى الحماية المقررة له في ضوء ظهير 24 ماي 1955، مطبعة النجاح الجديدة طبعة 2006. ص 231.

[4] – فالفسخ يعتبر جزاءا يقع على المتعاقد المخل بالتزامه بأنه في العقود الملزمة للجانبين إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه، أجاز للمتعاقد الآخر أن يتحلل من التزامه أما إنهاء العقد أو انقضاؤه فهو فك للرابطة القانونية وهو المصير المألوف للعقود، وفقا لما نصت عليه الفصول 319 إلى 398 من ق.ل.ع المتعلقة بانقضاء الالتزامات عن طريق الوفاء، استحالة التنفيذ، الإبراء الاختياري، التجديد، المقاصة، واتحاد الذمة، التقادم، الإقالة الاختيارية. راجع القسم السادس من ق.ل.ع والفصول 319 إلى 398 المتعلق بانقضاء الالزامات

[5] – محمد الكشبور، الكراء المدني والتجاري الطبعة الثانية، 2007 ص 176.

[6] – ينص الفصل 259 من ظهير الالتزامات والعقود في فقرته الأخيرة: “لا يقع فسخ العقد بقوة القانون، وإنما يجب أن تحكم به المحكمة”.

[7] – ينص الفصل 259 من ق.ل.ع: “إذا كان المدين في حالة مطل كان للدائن الحق في إجباره على تنفيذ الالتزام، مادام تنفيذه ممكنا. فإن لم يكن ممكنا جاز للدائن أن يطلب فسخ العقد وله الحق في التعويض في الحالتين.

إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن إلا في جزء منه، جاز للدائن أن يطلب إما تنفيذ العقد بالنسبة إلى الجزء الذي مازال ممكنا وإما فسخه وذلك مع التعويض في الحالتين.

وعلاوة على ذلك تطبق القواعد المقررة في الأبواب المتعلقة بالعقود الخاصة”.

[8] – قرار رقم 1127 بتاريخ 11/09/2005 ملف عدد 144/23/2005، منشور بالندوة الخمسينية لقرارات الغرفة التجارية.

[9] – قرار رقم 789 بتاريخ 19/06/2007، رقم ملف 1171، أورده الدكتور عمر أزوكار، الكراء التجاري في ضوء ظهير 24 ماي 1955 وقضاء محكمة النقض، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء،  الطبعة الأولى ،2013

[10] – قرار 798 بتاريخ 19/06/2007، رقم الملف 378 أورده الدكتور عمر أزوكار، الكراء التجاري في ضوء ظهير 24 ماي 1955 وقضاء محكمة النقض، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء،  الطبعة الأولى ،2013

[11] – هناك أسباب لفسخ عقد الكراء التجاري ومن بينها: امتناع المكتري عن رفع السوم الكرائية، وذلك عندما يكون طلب المكري مستمعا للشروط القانونية التي حددها القانون 03.07، ويكون المكتري في هذه الحالة مخلا بأحد التزاماته التعاقدية وهو ما يترتب عليه الإفراغ دون تمكين المكتري من الحق في التعويض.

[12] – ينص الفصل 692 من قانون الالتزامات والعقود على أنه: “للمكري فسخ الكراء مع حفظ حقه في التعويض إن اقتضى الأمر: أولا: إذا استعمل المكتري الشيء المكترى في غير ما أعد له بحسب طبيعته أو بمقتضى الاتفاق، ثانيا: إذا أهمل الشيء المكترى على نحو يسبب له ضررا كبيرا، ثالثا: إذا لم يؤدي الكراء الذي حل أجل أدائه”.

[13] – أحمد عاصم، الحماية القانونية للكراء التجاري دراسة نطرية تطبيقية للنصوص على ضوء القرارات مجلس الأعلى، دار النشر المغربية، الطبعة الثالثة، 1988، ص 192 و 192

[14] – لتوضيح الاتجاه القائل بمسطرة الخيار لابأس من ذكر بعض القرارات القضائية التي اعتمدت هذا الخيار كالقرار الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 27 يوليوز 1980 الذي ذهب في أحد حيثياته:

”إن طلب فسخ عقد الكراء المتعلق بالأماكن التجارية بسبب التماطل في أداء الكراء، يخول المكتري الحق في الخيارات بين مسطرة ظهير 24 ماي 1955 وسلوك دعوى الفسخ 692 من ق.ل.ع”.

قرار صادر بتاريخ 27 يوليوز 1980 المنشور بالمجلة المحامي العدد الثالث ص 110 وما بعدها.

[15] – نجاة الكص، الحق في الكراء كعنصر في الأصل التجاري ومدى الحماية المقررة له في ضوء ظهير 24 ماي 1955، مطبعة النجاح الجديدة طبعة 2006. ص 243.

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super