وضعية القضاء بالمغرب

وضعية القضاء بالمغرب

تعتبر وضعية القضاء بالمغرب من الأوضاع التي يكاد يجمع مختلف الفاعلين على اتسامها بطابع التردي والاختلال العميق. وأصبح التصريح بأن القضاء المغربي ليس على ما يرام، متداولا بكثرة في الخطابات التي تنتجها النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هناك طبعا تفاوتات في الاعتراف بدرجة السوء التي يوجد عليها القضاء، وهناك اختلافات في تأصيل ومقاربة الأسباب والعوامل التي أفرزت الأوضاع الراهنة، ولكن لا أحد يسلم بما في ذلك المسؤولون عن جهاز القضاء أنفسهم، بسلامة وضعية هذا الأخير، إلى درجة أن وزيرا سابقا في العدل أدلى بتصريحات اتسمت بشحنة نقدية قوية إزاء المسار الحالي للقضاء المغربي، وركب لغة متشددة غير مسبوقة من مسؤول على القطاع، تداولتها الصحف على نطاق واسع، مما أدى إلى بروز رد فعل قوي ضد تلك التصريحات التي كان لها تداعيات، وقيل حينها بأن “الهيئات” الممثلة للقضاء قد اعتبرت كلام الوزير مسا باعتبارها.

ويمكن أن نجمل التحديات الكبرى الموجودة أمام القضاء المغربي في أربع:

1-     تحدي الاستقلالية : فالقضاء استعمل من طرف السلطة لتصفية حسابات سياسية خارج أصول الصراع السلمي الديمقراطي، وإذا كانت هيئة الإنصاف والمصالحة قد فد قدمت جردا بالانتهاكات الجسيمة التي عرفها المغرب منذ الاستقلال المغرب إلى 1999. فإن ذلك الجرد قد أظهر كيف أن القضاء استعمل بدون كبير صعوبة من طرف الأجهزة التنفيذية في تنفيذ مخططات قمعية لكبت الحريات، والتغطية على جرائم والتنكيل بالمعارضين والمنازعة عمليا في حق المعارضة، وتعطيل الممارسة الديمقراطية، ومصادرة حق الضحايا في الانتصاف، وحق المجتمع في مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة. ويستعمل القضاء اليوم، لتنفيذ فصل آخر من عملية ردع الصحافة، وينصب ذلك على الصحافة المستقلة التي بدأنا نلاحظ كيف أن عددا منها يساق إلى المحاكم في إطار متابعات لها ظاهريا طابع الدعاوى المدنية المرفوعة من الخواص ضد ما تنشره تلك الصحافة، إلا أن طريقة سريان المحاكمات، والتعويضات الثقيلة والغريبة والمتتابعة والتي تخص نوعا خاصا من الصحافة الذات الخط التحريري النقدي إزاء الدولة، كل ذلك يشي بأن الأمر يمثل عقابا منهجيا مرتبا .

        تعتبر وضعية القضاء بالمغرب من الأوضاع التي يكاد يجمع مختلف الفاعلين على اتسامها بطابع التردي والاختلال العميق. وأصبح التصريح بأن القضاء المغربي ليس على ما يرام، متداولا بكثرة في الخطابات التي تنتجها النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هناك طبعا تفاوتات في الاعتراف بدرجة السوء التي يوجد عليها القضاء، وهناك اختلافات في تأصيل ومقاربة الأسباب والعوامل التي أفرزت الأوضاع الراهنة، ولكن لا أحد يسلم بما في ذلك المسؤولون عن جهاز القضاء أنفسهم، بسلامة وضعية هذا الأخير، إلى درجة أن وزيرا سابقا في العدل أدلى بتصريحات اتسمت بشحنة نقدية قوية إزاء المسار الحالي للقضاء المغربي، وركب لغة متشددة غير مسبوقة من مسؤول على القطاع، تداولتها الصحف على نطاق واسع، مما أدى إلى بروز رد فعل قوي ضد تلك التصريحات التي كان لها تداعيات، وقيل حينها بأن “الهيئات” الممثلة للقضاء قد اعتبرت كلام الوزير مسا باعتبارها.

ويمكن أن نجمل التحديات الكبرى الموجودة أمام القضاء المغربي في أربع:

1-     تحدي الاستقلالية : فالقضاء استعمل من طرف السلطة لتصفية حسابات سياسية خارج أصول الصراع السلمي الديمقراطي، وإذا كانت هيئة الإنصاف والمصالحة قد فد قدمت جردا بالانتهاكات الجسيمة التي عرفها المغرب منذ الاستقلال المغرب إلى 1999. فإن ذلك الجرد قد أظهر كيف أن القضاء استعمل بدون كبير صعوبة من طرف الأجهزة التنفيذية في تنفيذ مخططات قمعية لكبت الحريات، والتغطية على جرائم والتنكيل بالمعارضين والمنازعة عمليا في حق المعارضة، وتعطيل الممارسة الديمقراطية، ومصادرة حق الضحايا في الانتصاف، وحق المجتمع في مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة. ويستعمل القضاء اليوم، لتنفيذ فصل آخر من عملية ردع الصحافة، وينصب ذلك على الصحافة المستقلة التي بدأنا نلاحظ كيف أن عددا منها يساق إلى المحاكم في إطار متابعات لها ظاهريا طابع الدعاوى المدنية المرفوعة من الخواص ضد ما تنشره تلك الصحافة، إلا أن طريقة سريان المحاكمات، والتعويضات الثقيلة والغريبة والمتتابعة والتي تخص نوعا خاصا من الصحافة الذات الخط التحريري النقدي إزاء الدولة، كل ذلك يشي بأن الأمر يمثل عقابا منهجيا مرتبا .

إن وجود دستور وبرلمان، واعتراف المغرب بانتمائه إلى منظومة الدول الديمقراطية، لا يعني استبعاد قواعد الحكم التقليدي المستندة إلى ما يعتبر هوية دينية وتاريخية والتي تتدثر بلبوس جديد، وتسهر على إعادة إنتاج قيم الماضي .

4-       في ظل هذه الوضعية تتحدد للقضاء وظائف مختلفة عن تلك التي كانت ستتحدد له، لو كان التصريح بالانتماء إلى المنظومة الديمقراطية قد تم بواسطة انخراط كامل في آليات وقواعد هذه المنظومة. فالقضاء عندنا إذن والحالة هذه، يتولى حل النـزاعات تطبيقا لما يفترض أنه إرادة ملكية. وحتى وهو يتعامل مع القانون ويطبقه، فإنه يطبقه لأنه فاض عن الإرادة الملكية، وليس لأنه قانون. فالقانون ليس له قوة مجردة، ومتى قامت قرائن على أن الإرادة الملكية هي شيء آخر غير القانون، أو أنها تعطي تأويلا خاصا للنص القانوني، فإن القاضي يصبح مطالبا بإعمال هذا التأويل المفترض وليس تأويله الخاص والشخصي.

هذا هو عمق المشكل القضائي في المغرب في نظرنا، فعندما يتصرف القاضي، فإنه يأخذ بعين الاعتبار في القضايا المطروحة أمامه طبيعة هذا الإشكال، و ينوء تحت ثقل هذا التقليد، ويتساءل حيال الأحكام التي سيصدرها :

هل سترضى المؤسسة الملكية ؟ وهل تتطابق مع ما يريده الملك ؟

والأمر لا يخرج عن أحد الوجهين: إما أن يحاول أن يلتقط من المحيط السياسي العام عناصر تسمح له برسم توجه ملكي وترجمته في قراراته، أو يسعى للبحث عن هذا التوجه عبر مسالك خاصة.

وعليه، فهناك تداخل بين جهاز القضاء وأجهزة أخرى. ووزارة الداخلية على مر الزمن، تميزت بهندسة خاصة تسمح بأن تؤمن التداخل بين الأجهزة عندما يكون ذلك ضروريا بالنسبة لما يعتبره النظام قضايا استراتيجية مرتبطة بأمنه وبمصيره وبمصير الثقافة التي يرعاها وبحرصه على تجذ يرها في المجتمع والدولة .

لوزارة الداخلية في المغرب أدوار متعاظمة، وهذه الأدوار تنبع من مهمة حل الإشكالات المرتبطة بفرض توجه غير حداثي على عمل أجهزة ومؤسسات يفترض أنها مشخصة للحداثة وناقلة للحداثة. وعندما ينشغل القاضي بهم البحث عن اتجاه الإرادة الملكية، فإنه لا يبحث بالضرورة عن ذلك بصدد كل قضية من القضايا المعروضة على حدة، بل يحاول استقراء التوجه العام، ويبني عليه سلوكا قضائيا عاما. وهذا الانشتغال لا يعتبره القاضي ممارسة زائدة أو إضافية، بل يقدر أنه يقع في صلب ممارسته،  لأنه في النهاية ممثل للملك، ولأن التصرف عكس هذا الاتجاه ليس عملية سهلة أو مقبولة وليست هي السلوك المنتظر منه. إنه يخس بأنه مطوق بواجب، وأن عليه أن يقدم الحساب عن ذلك الواجب، وأن أساس وظيفته هو الحرص المطلق والمستمر على ألا يتناقض في عمله مع التوجه الصادر من الأعلى. فحسب المنطق التقليدي ليست السلطات العليا هي التي تتحمل بواجب الانضباط والامتثال للقانون والخضوع لما يترتب عن تجاوزه من جزاء قضائي، بل القضاء هو الذي يجب عليه أن يمتثل للإرادة العليا.

5-     من ثمة، يحق التساؤل هل يشعر القاضي المغربي بالأمان الضروري الذي توفره له الاستقلالية. فاستقلالية القاضي ليست مجرد نص تشريعي و دستوري، إنها ضمانات مادية تجعل القاضي مطمئنا إلى مصيره، مرتاحا إلى أن سيره في هذا الاتجاه أو ذاك لن يجر عليه عواقب من مصدر معين، هو بالضبط السلطة العامة.

كيف للقاضي المغربي أن ينعم بهذا الأمان، و السلطة المفترض أن يكون مستقلا عنها حسب المنطق الديمقراطي تقوم على القداسة.

هل يمكن أن نكون مستقلين إزاء سلطة مقدسة؟

إن السلطة عندما تمارس بمنطق القداسة، فإنها لا يمكن أن تتحمل عبء الحد من طرف سلطة أخرى. فلا يمكن للقضاء أن ينتصب في وجه سلطة تتمتع بحصانة إلهية. و القاضي يشتغل في محيط سياسي أو في محيط عام يرى فيه بالملموس كيف يكون مصير كل الذين يتطاولون على حصانة السلطة. فالصحافة المستقلة اليوم تجني تبعات محاولاتها مساءلة ممارسة السلطة باعتبارها فعلا بشريا، والتأديب الذي تخضع له من طرف السلطة، وإن كان يستعمل فيه القضاء، فإنه أيضا رسالة موجهة للقضاء نفسه بمعنى أن انتصاب أية سلطة في مواجهة السلطة المركزية هو عملية محفوفة بالمخاطر. و ليس هناك أسهل على السلطة في محاولتها ضبط الأفراد، من أن تستغل وضعيتهم الهشة بسبب الضعف الأخلاقي و قابليتهم للمؤاخذة بسبب الجنوح عن مقتضيات النـزاهة الوظيفية المطلوبة.

6- في بداية الاستقلال لم تكن مهمة النظام السياسي أن يصنع نخبته و طبقته السياسية فحسب بل كانت مهمته أيضا أن يواجه نخبة لها رصيد من الشعبية و النضالية، أي تلك النخبة المنحدرة من الحركة الوطنية. كان النظام يبحث عن حلفاء في معركة يعتبرها وجودية و مصيرية. و لهذا سادت النظام العام ثقافة التسامح إزاء وسائل تكوين الثروة، كمقابل لحشد الحلفاء في معركته. فعوض أن يفتح النظام السياسي على التباري الديمقراطي، اعتمد سياسة التوازنات، و إضعاف أطراف لفائدة لأطراف أخرى، و أدمج نخبا في منطق التوفيق بين الشكل الحداثي و المضمون التقليدي، و وفر لها تعويضا يطابق قساوة هذه المهمة.

إن قبول الولاء للسلطة، و ليس لمنطق و ثقافة دولة القانون، و استحسان و تسويغ الوضع المفارق و حمايته و الدفاع عنه، يمنح طبقة بكاملها حصانة أو نوها خاصا من الحصانة، القابلة للرفع في ظروف خاصة. فلا يمكن أن نفصل بين عمق الإشكال الأخلاقي في القضاء عن عمق الإشكال السياسي للدولة ككل، و يتفرع عنهما إشكال ثقافي عام يتجلى في علاقة الدولة عموما بالحداثة.

7- الدولة المغربية لا يمكن أن تمضي بعيدا في جعل عمل مرافقها خاضعا لفلسفة الحداثة، لأنها تتصور بأن هذه العملية في مستوى معين من مستوياتها، ستتأذى منها الدولة نفسها وستمس  جوهرها و سيطلب منها التنازل عن امتيازات ليست مستعدة للتنازل عنها. فرفع شعار سيادة القانون و دولة القانون لا يعني التسليم بما يترتب عن ذلك من أنظمة سير و مواضعات. فهناك نوع من الاحتراس إزاء قضية تمكين القضاة من تكوين يمنحهم القدرة على طرح مطالب متعلقة بحقهم في الاستقلال، و حقهم في التآلف و بناء قوة تضامنية يحمون من خلالها بعضهم بعضا.

إن ثقافة التبعية التي تجرد الموظف العادي من أسلحة الاحتجاج بمنطق دولة القانون، هي نفس التبعية التي تطال العاملين في المجال القضائي.

يمكن أن تتقدم الدولة في خطوات التحديث التقني، و لكنها لا يمكن أن تدفع مسار التحديث إلى المدى الذي يضع الفلسفة التي تمتح منها أساس الممارسة المطلقة للسلطة موضع منازعة.

لقد رأينا كيف أن الخطاب الرسمي الذي لا يجد أي حرج في إعلان انتمائه إلى الديمقراطية، يستبعد الخضوع لمتطلباتها تحت ذريعة رفض استعارة نماذج أجنبية يعتبر أنها هيهات أن تكون موفقة !

إن الدولة لا تنفتح على الحداثة إلا بالقدر الذي لا يهدد نظام توزيع السلطة و الثروة. و إن سعي النظام لإدماج القضاة في طبقته الاجتماعية، و إفساح المجال لهذه الطبقة لكي تتمتع بعدد من الخيرات، و تجني بعض المنافع المشروعة و غير المشروعة،يؤمن له التحرر من التبعات الحقيقية لاستقلال القضاء.

لكن النظام المغربي اليوم، بعد خمسين سنة من الاستقلال، يوجد أمام المشكل التالي: هناك تسامح كان ضروريا لبناء نموذج سياسي واقتصادي واجتماعي معين، لكن فساد طبقته بلغ درجة تهدد النظام وتنذر بقرب الانفجار الاجتماعي. لذلك كان لابد من الإصلاح، ومن المعلوم أن الاستثمارات الخارجية ومنافذ إنقاذ الوضع الاقتصادي تتطلب إصلاحا قضائيا، يوفر للمستثمرين أمنا قضائيا. لكن، سواء تعلق الأمر بالقضاء أو بغيره، فإن الإصلاح في المغرب يتم بجرعات غير كافية ولا يجرأ على إحداث النقلات النوعية المطلوبة، ويظل بذلك إصلاحا مبتورا ومقيدا  ومحروسا تتغلب فيه عناصر الاستمرارية على عناصر التغيير .

 

 

1- استقلالية القضاء

1 ­ 1 ­ الضمانات الدستورية لاستقلالية القضاء

1 ­ 1 ­ 1 ­ ضمانات دستورية محددة

تضمن الدستور المغربي في مختلف صيغه عدة مبادئ تشكل نظرياً الضمانات الدستورية لاستقلال القضاء؛ وهي:

–       القضاء مستقل عن السلطتين التشريعية أو التنفيذية؛

–       الملك هو الذي يعين القضاة بظهير باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء؛

–       قضاة الأحكام لا يعزلون ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون؛

–       المجلس الأعلى للقضاء يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم.

يتعين التساؤل حول مدى فعالية هذه المبادئ / الضمانات وحدودها؛ وهل هي فعلا ضمانات حقيقية كاملة أم أنها ذات مفعول محدود، وهل النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالتنظيم الهيكلي المؤسساتي للقضاء، والمتعلقة بالعلاقات المختلفة للقضاة داخل المحاكم ومع وزارة العدل والوزير ومع المجلس الأعلى للقضاء، تضمن بصورة صحيحة وتامة استقلال القضاء؟

1.1.1.1 استقلال القضاء والحد من إنشاء المحاكم الاستثنائية

الأصل أن إحداث محاكم استثنائية يشكل خرقا لمبادئ الأمم المتحدة وللإعلانات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان بشأن المحاكمة المنصفة والعادلة.

والأصل كذلك أن يضمن الدستور هذا المبدأ وأن يلتزم التشريع والقانون التنظيمي بذلك.

ولم يتضمن الدستور المغربي أية إشارة إلى المبدأ لكن التشريع سار عمليا في اتجاه إقرار المحاكم الاستثنائية خاصة في المجال الجنائي، حيث أحدثت في المغرب موازاة مع المحاكم العادية محاكم جنائية استثنائية هي محكمة العدل الخاصة، ومحاكم العدل العسكري.

 

أ- فأما محكمة العدل الخاصة فقد وقع إلغاؤها سنة 2004، وقد كانت أنشأت في أواسط الستينيات للنظر في جرائم الغدر والارتشاء واختلاس الأموال العمومية واستغلال النفوذ؛ المرتكبة من طرف الموظفين العموميين. وكانت بالفعل محكمة استثنائية بكل المقاييس؛ اختصاص ومسطرة وطرق الطعن.

ب- أما محاكم القضاء أو العدل العسكري، والتي لا تزال موجودة إلى اليوم، فهي المحكمة العسكرية الدائمة والمحاكم العسكرية للجيوش التي تحدث بصفة ظرفية وقت الحرب. وتتميز المحكمة العسكرية الدائمة بتأليفها من قضاة عسكريين؛ مع حضور مدني محدود يتمثل في رئيس الهيئة؛ المعين بقرار إداري (مرسوم) من بين قضاة المحاكم المدنية. كما تتميز باختصاصها العام في محاكمة جميع أفراد الجيش بسبب ارتكابهم في وقت السلم؛ جنحاً وجنايات مما يدخل تحت طائلة القانون الجنائي العام. أي أن  جميع أفراد الجيش لا يخضعون لاختصاص القضاء الجنائي للمحاكم الابتدائية أو غرف الجنايات.

لكن أهم ما يميزها؛ هو خضوع الأشخاص غير العسكريين لاختصاصها عندما تنسب إليهم أفعال تعتبر بمثابة جناية ضد أعضاء القوات المسلحة، أو بسبب ارتكاب أفعال تشكل مساسا بالأمن الخارجي للدولة. أما محاكم الجيوش فتحدث بصفة خاصة أيام الحرب.

ج- هناك محكمة أخرى ذات طبيعة استثنائية خاصة هي المحكمة العليا المنصوص عليها في الدستور والمختصة بنظر الجنح والجنايات التي يرتكبها أعضاء الحكومة أثناء قيامهم بمهامهم. ولكنها لحد الآن ظلت محكمة رمزية إذ لم يسبق لها أن انعقدت لممارسة اختصاصاتها.

2.1.1.1 حصر التشكيلات القضائية بالسلطة القضائية

يقتضى مبدأ استقلال القضاء المصرح به في الدستور؛ الإعلان دستوريا وتشريعيا وتنظيميا عن الآليات والأدوات الكفيلة بحمايته وضمانه في الواقع. وفي هذا الإطار أبدى المشرع الدستوري اهتماما واضحا بذلك عندما قرر إحداث المجلس الأعلى للقضاء؛ كمؤسسة دستورية موكول إليها “السهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يتعلق بترقيتهم وتأديبهم”.

لكن الدستور والتشريع نفسيهما لا يضمنان بصفة مؤكدة وحقيقية هذا الاستقلال. ولا يسمحان للمجلس المذكور القيام بوظيفته كاملة.

يتكون المجلس الأعلى للقضاء، برئاسة الملك؛ من أعضاء معينين بقوة القانون؛ وهم: وزير العدل بصفته نائب الرئيس؛ والرئيس الأول للمجلس الأعلى والوكيل العام للملك لديه ورئيس الغرف الأولى للمجلس، ومن أعضاء منتخبين من لدن رجال ونساء القضاء وفق نظام ستتم الإشارة إليه فيما بعد.

وقد أضاف النظام الداخلي للمجلس، الذي صادق عليه الملك، إلى هيئة المجلس؛ عضواً تنفيذياً آخر هو الكاتب العام للوزارة الذي وإن كان يحضر الأشغال دون حق التصويت؛ إلا أنه حاضر بصفته الإدارية التنفيذية.

واعتباراً لعدم ترأس الملك بصفة مباشرة فعلية لأشغال واجتماعات المجلس الأعلى للقضاء خلال دوراته التي تدوم عدة أيام وأحيانا عدة شهور؛ فإن الرئاسة الفعلية تنتقل بقوة القانون لوزير العدل بصفته نائباً للرئيس.

لم يتطرق لا الدستور ولا النظام الأساسي لرجال القضاء لمسطرة وشروط تقلد منصب الرئيس الأول والوكيل العامل للملك لدى المجلس الأعلى مع أنهما منصبان رفيعان في الهرم القضائي. ومن المفترض أن يكون التعيين بظهير بناءاً على اقتراح المجلس الأعلى للقضاء، لكن العمل قد يكون جرى على تعيينهما بظهير وفقاً لنظام تعيين كبار موظفي الدولة المدنيين والعسكريين. وهذا يعني أن مركز القرار في المجلس الأعلى للقضاء ليس بيد القضاة كما يظهر؛ بل هو إما مباشرة أو بطريقة غير مباشرة؛ بيد السلطة التنفيذية؛  مما يؤثر سلبا على حقيقة مبدأ فصل السلطات ويفرغ مبدأ استقلال القضاء من محتواه.

وبخصوص نظام انتخاب ممثلي القضاة في المجلس؛ فهو الآخر لا يعكس صورة الاستقلال المفترض في هيئة أسند لها الدستور صلاحية السهر على الضمانات الممنوحة للقضاة ومنها ضمان استقلالهم.

فقد أعطى النظام الأساسي للقضاة؛ لوزير العدل، صلاحيات واسعة ومطلقة في مجال تحديد قواعد وشروط انتخاب ممثلي القضاة بالمجلس. فهو الذي يضع اللائحة الانتخابية؛ وهو الذي له سلطة تلقي الشكايات والطعون بشأنها وبشأن الترشيحات؛ وهو الذي له سلطة البت فيها، وهو الذي يحدد موعد الاقتراع، وهو الذي يعين القضاة أعضاء مكاتب التصويت بناء على اقتراح الرئيس الأول والوكيل العام للملك للمجلس الأعلى، وإليه توجه نتائج الفرز عبر كاتب المجلس الأعلى للقضاء، ومنه تقدم للجنة الفرز.

ولضمان عمل المجلس وتسيير وتنظيم شؤونه اليومية وتدبير الحياة الإدارية للقضاة، فقد أحدث القانون هيئة كتابة المجلس؛ تسند لقاض من الدرجة الثانية. وإذا كان المشرع قد جعل سلطة تعيين كاتب المجلس بيد الملك بصفته رئيس المجلس الأعلى للقضاء، فإنه في ذات الوقت وضع سلطة الاقتراح بيد وزير العدل الذي يملك كذلك في حالة شغور هذا المنصب لأي سبب كان، سلطة مباشرة في تعيين خلف له. ولم يحدد النص لا أسباب الشغور ولا مدة تعيين الخلف، ولم يربط كل ذلك باستشارة المجلس الأعلى للقضاء.

إضافة لذلك كله؛ فقد جعل التنظيم الهيكلي لوزارة العدل، كتابة المجلس الأعلى للقضاء مرتبطة بصفة مباشرة بالوزير وتابعة له؛ بل إن مقرها ومقر المجلس نفسه يوجدان ببناية الوزارة نفسها؛ إذا لا يتوفر المجلس الأعلى للقضاء على بناية مستقلة خاصة به.

 

2.1.1 انسجام قوانين التنظيم القضائي وإجراءات التقاضي مع الضمانات الدستورية لاستقلال القضاء

o     الانسجام مع قوانين التنظيم القضائي

بالرغم من صراحة المقتضيات الدستورية، فقد تضمنت النصوص التشريعية والتنظيمية عدة مقتضيات قد تحد من تلك الضمانات بشكل أو بآخر. فقد منحت هذه النصوص عدة صلاحيات لوزير العدل تتعلق  بكل مجالات النظام الأساسي للقضاة؛ ابتداء من التعيين ومرورا بالترقية والنقل وانتهاء بالتأديب والعزل  والتقاعد على نحو ما سيتم بيانه في الفقرات الموالية من هذا التقرير.

يتم تعيين الملحقين القضائيين بقرار لوزير العدل. وإذا كان الملحق القضائي لا يعتبر قاضيا بعد، فإن  النظام الأساسي للقضاة لم يستثنه من الخضوع لجميع الواجبات المفروضة على القضاة، فقد نص  على  أنه يساعد القاضي في التحقيق، ويحضر الجلسات وهو مرتد البذلة الرسمية، ويشارك في المداولات دون حق  التصويت، ويتمتع بالعطل والتغيب ضمن نفس  الشروط المقررة بالنسبة للقضاة الرسميين.

ومن جهة أخرى، منح القانون لوزير العدل صلاحية تعيين القاضي المكلف بالزواج لمدة ثلاث سنوات؛ وكذا قاضي شؤون القاصرين؛  قضاة التحقيق لدى المحاكم الابتدائية أو محاكم  الاستئناف.

ورغم أن الأمر يتعلق هنا بتكليف بمهمة محددة في الزمان والمجال؛ لكنه في البداية والنهاية أمر  متروك لوزير العدل  بصفة حصرية دون استشارة  المجلس الأعلى للقضاء . وطبيعي أن من  يملك سلطة  التعيين يملك سلطة  الإعفاء بحسب سلطة تقديرية غير خاضعة لأية مراقبة.

تجدر الإشارة إلى أن أعضاء لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب كانوا تحفظوا على هذا المقتضى، أثناء  مناقشة مشروع قانون المسطرة الجنائية، غير أن وزارة العدل تمسكت بأن هذه المسطرة فيها ضمانة أكثر لأن التعيين يتم بناء على اقتراح رئيس المحكمة. !!

وفيما يتعلق بالضمانات المقررة لنقل القضاة يلاحظ أن نص الدستور يتحدث عن قضاة الحكم فقط.   وفي هذا تمييز واضح وغير مقبول بين قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة. وفضلا عن ذلك فالنظام  الأساسي  للقضاة وقانون المسطرة الجنائية يضعان قضاة النيابة العامة  تحت  سلطة  وزير  العدل  من  جهة، ومراقبة رؤسائهم الأعلين من جهة ثانية، فيما يتم  نقلهم بظهير باقتراح من وزير العدل  بعد  استشارة  المجلس الأعلى للقضاء.

كما سمح نفس النظام الأساسي لوزير العدل بانتداب القضاة، سواء تعلق الأمر  بقضاة الحكم  أو قضاة  النيابة العامة أو قضاة التحقيق. وهذه الصلاحية  تحد من الضمانات المقررة لنقل القضاة. وقيد المشرع

هذه الإمكانية بوجوب وجود حاجة لذلك؛ وملء فراغ في قضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة؛  كما وضع ضابطا زمنيا لهذا الإجراء حيث تم تحديده في مدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة  في كل سنة،  وبعد انتهـاء هـذه المـدة  يسترجع القاضي   منصبه  الأصلي.

o     الانسجام مع إجراءات التقاضي

إن المقتضيات الدستورية والتشريعية المتعلقة باستقلال القضاء ترتبط من ناحية أخرى بنظام ممارسة حق التقاضي المحددة قواعده في قانوني المسطرة المدنية والجنائية وسواهما من النصوص ذات الطبيعة الإجرائية.

ولتحديد درجة الانسجام بين مختلف هذه المقتضيات؛ يتعين التطرق إلى الضمانات المقررة تشريعيا بخصوص كفالة حق التقاضي وإجراءاته، وهو ما سيأتي الكلام عنه لاحقا.

2.1استقلالية القضاء المؤسساتية

1.2.1الاستقلال المالي والموازنة المستقلة والموارد

لا يتمتع القضاء في المغرب بأي مظهر للاستقلال المالي. فميزانية وزارة العدل جزء من الميزانية العامة للدولة التي تحدد فيها المداخيل والمصاريف المرتبطة بتسيير وتجهيز الوزارة نفسها والمحاكم القضائية، مما يجعل هذه الأخيرة مربوطة ماليا بميزانية الوزارة ونظم تسييرها وتمركز سلطات التدبير المالي في الإدارة المركزية. لا يختلف الأمر بالنسبة للمجلس الأعلى للقضاء؛ فهو من الناحية المالية أقرب إلى مصلحة تابعة لوزارة العدل وملحقة بها فيما يتعلق بنفقاته ومصاريفه.

كما أن حاجيات المحاكم ومطالبها المادية لتسيير وتدبير الشؤون اليومية، تخضع لولاية مديرية الميزانية ومديرية التجهيز، وهما مديريتان مركزيتان تابعتان تنظيميا وقانونيا للكاتب العام للوزارة ومن بعده للوزير نفسه.

وطبيعي أن هذه الوضعية القانونية المالية لميزانية المحاكم وتبعيتها المباشرة للوزارة، تجعل الحديث عن الموارد أمراً غير ذي معنى، على الرغم من أن المحاكم تحقق مداخيل مالية هامة من خلال الرسوم والمصاريف القضائية والغرامات الجنائية المختلفة التي يتم تحصيلها.

2.2.1استقلالية إدارية

لا يتمتع القضاء في المغرب بأية استقلالية عن مركز القرار بالوزارة، فالمحاكم والقضاة مرتبطون ارتباطا عضويا وثيقا وتسلسليا بالوزارة

ولعل الارتباط العضوي الرئاسي لقضاة النيابة العامة بمختلف المحاكم بوزير العدل، يشكل أهم مظهر للتبعية الإدارية والقانونية لهيئة النيابة العامة للوزير .

3.1استقلالية القضاة الشخصية

1.3.1 ضمانات لحماية الأمن الجسدي والاقتصادي للقضاة

تضمن الدولة بمقتضى القانون حماية  القضاة مما قد يتعرضون  إليه من  التهديدات  والتهجمات  والسب  والقذف ضمن مقتضيات القانون الجنائي والقوانين الخاصة الجاري بها العمل كما تضمن لهم  ­ زيادة  على ذلك عند الاقتضاء ­ طبقا للنصوص التنظيمية الجاري بها العمل تعويضا عن الأضرار التي يمكن  أن تلحقهم أثناء مباشرة مهامهم أو بسبب القيام وذلك في غير ما يشمله التشريع الخاص برواتب المعاش ورأس مال الوفاة. وتحل في هذه الحالة محل المصاب في حقوقه ودعاويه ضد المتسبب في الضرر

2.3.1 تحريم التدخل والتأثير الخارجي والداخلي على القضاة

حرم المشرع الجنائي على أي كان التدخل الخارجي على القضاة بقصد التأثير على قراراتهم واقتناعهم بخصوص المتابعات والطلبات المعروضة عليهم.

 

وقد اعتبر كل قاض –وكل موظف بشكل عام- طلب أو قبل عرضاً أو وعداً؛ أو طلب أو تسلم هبة أو هدية أو أية فائدة أخرى؛ من أجل القيام بعمل من أعماله القضائية أو الامتناع عنها سواء كان ذلك بصفة شخصية من طرفه أو استغلالا لوظيفته في التأثير على قاض آخر لنفس الغاية، وكذلك الشأن إذا ما انحاز لصالح أحد الأطراف أو ضده في إطار ممارسته لعمله القضائي.

ومن جهة أخرى، فإن طبيعة عمل قضاة الحكم والنيابة العامة في إطار المحاكم المختلفة تجعلهم تحت مسؤولية الرؤساء ووكلاء الملك.

ولضمان الشفافية في توزيع الأعمال بين القضاة؛ فقد عهد المشرع؛ فيما يتعلق بتنظيم العمل داخل المحكمة، وتعيين القضاة في الغرف وتغييرهم منها؛ وتحديد مواعيد ومواقيت الجلسات، للجمعية العامة للمحكمة التي تتكون من رئيس المحكمة ووكيل الملك بها وقضاة الحكم والنيابة العامة. فيما أسند هذه المهمة لمكتب المجلس الأعلى، المتكون من الرئيس الأول للمجلس ورئيس كل غرفة وأقدم مستشار فيها، والوكيل العام للملك وقيدوم المحامين العامين.

على أن هذا الإجراء الذي قد يضمن مبدئياً توزيعا عادلا ومنطقيا ومجرداً لملفات المنازعات بين الغرف والقضاة، يعيبه عارض مسطري أساسي، فقد أجاز القانون لكل غرفة البت في أية قضية ولو لم تكن تدخل في نطاق تخصصها الداخلي؛ إذا أحالها عليها رئيس المحكمة.

ومن جهة أخرى فإن صلاحية وسلطة تكليف القضاة بملفات الدعاوي المرفوعة أو المعروضة على المحكمة تعود لرؤساء المحاكم وبخصوص تكليف أو إعفاء غرفة أو قاض من النظر في ملف معين. ولوكلاء الملك  بخصوص إسناد مهمة البحث والتحقيق في محاضر معينة.

كما يمكن للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف تكليف أو إعفاء قاض تحقيق في ملف ما دون إبداء سبب أو تعليل القرار .

كما يجوز للمجلس الأعلى بعد النقض إحالة القضية على نفس المحكمة أو على محكمة أخرى.

3.3.1حصانة نسبية بوجه الملاحقة المدنية والجزائية ورواتب مناسبة

إن حصانة القاضي ليست مطلقة، وهو يخضع النظام المساءلة والمسؤولية مدنيا وتأديبيا وجنائيا.

فعلى المستوى المدني والتأديبي، وضع المشرع المغربي نصوصا تكرس مبدأ مسؤولية القاضي مهنيا وتتيح إمكانية متابعته تأديبيا ومدنيا بحسب خطورة الفعل أو الخطأ المنسوب إليه، مع تأكيد حمايته ضد أي شطط أو تجاوز في تحريك المسؤولية ضده

وعلى المستوى الجنائي عاقب المشرع القضاة كغيرهم من الموظفين على ارتكاب أفعال الشطط في السلطة أو التعذيب أو الاختلاس أو الرشوة، وخصهم بجرائم خاصة بهم كإنكار العدالة والتواطؤ

حاولت الدولة حماية القاضي ضد أية إغراءات مالية، بتحسين أجور القضاة بصورة تمنع عنه خطر السقوط في الإغراء، ولكن ذلك لم يمنع انتشار حالة الفساد والرشوة في الوسط القضائي بصور مختلفة.

4.1 حرية التعبير وحرية الانتماء

1.4.1حرية التعبير

أعطى النظام الأساسي للقضاة؛ ظاهريا؛ الحق في ممارسة حرية التعبير دون خوف من آثار ذلك، عندما نص على عدم إدراج؛ في الملف الإداري الشخصي للقاضي؛ أية إشارة تتعلق بأفكاره السياسية والعقائدية. لكن هذه الحرية غير محمية قانونيا إذ لا يوجد نص يجيز للقاضي حق الاطلاع على ملفه الشخصي ومعرفة محتوياته بالتحقق مما إذا كان لا يتضمن أية إشارة مما ذكر.

كما أن حريته مقيدة فعلا فيما يتعلق بالإعلان عن صفته كقاض على غلاف كتاب يؤلفه أو مقال ينشره، إلا بعد الحصوص على إذن وزير العدل. وهو إذن يدخل في إطار السلطة التقديرية للوزير دون تقييد أو رقابة عليه في ممارستها.

ومن جهة أخرى، فإن حق القاضي في التعبير؛ مقيد أيضا بالمنع الفعلي من المشاركة في أية ندوة أو تظاهرة لا تنظمها الوزارة؛ وكيفما كانت طبيعتها دون الموافقة المسبقة للوزير وعدم اعتراضه.

وبالمقابل فإن المنشورات القضائية للوزارة والندوات التي تنظمها أو تشرف عليها ويشارك فيها قضاة، تتضمن دائما الإشارة إلى صفاتهم القضائية ولو دون إذن أو حتى طلب منهم.

2.4.1 الحق في إقامة التجمعات والجمعيات

يمنع النظام الأساسي للقضاة بشكل قطعي وصريح؛ على الهيئة القضائية؛ ممارسة أي نشاط سياسي أو اتخاذ أي موقف يكتسي صبغة سياسية، وكذا تأسيس نقابة مهنية أو الانتماء إليها، وكل عمل من شأنه إيقاف أو عرقلة تسيير المحاكم.

ويشكل هذا المنع الذي لا يحتاج في الحقيقة لأي تعليق، أقسى صور المساس بحقوق وحريات القاضي كمواطن، وتضييق الخناق عليه كي لا يكون له أي رأي ذو صبغة سياسية؛ ولو ارتبط بحقوقه كقاض.

ورغم عدم وجود نص صريح يمنع القضاة من تأسيس جمعيات مدنية أو الانخراط فيها، إلا أن المنع الفعلي قد طال بعضا منهم ممن تجرؤوا فمارسوا حقهم الدستوري في تأسيس الجمعيات، حيث أرغم بعضهم على الانسحاب كما حصل في أواسط السبيعينيات بخصوص جمعية حقوقية مغربية، أو كما حصل في سنة 2004 بشأن الضغط على بعض القضاة للانسحاب من جمعية مدنية تعنى باستقلال القضاء، أو الاستقالة من العمل القضائي نفسه؛ وما ترتب على ذلك من آثار سلبية عليه.

وبالمقابل؛ فإن الوزارة تغض الطرف؛ بل وتشجع بعض القضاة على الانضمام لجمعيات ذات أهداف اجتماعية أو ثقافية مقبولة من الوزارة والدولة.

يسري المنع أيضا إلى تأسيس النقابات المهنية أو الانتماء إليها، وهو منع يجعل القاضي في وضعية قانونية حقوقية أقل من وضعية أية موظف أو مستخدم، تفرض عليه الخضوع والاستسلام لكل ما من شأنه أن يمس بمصالحه أو مصالح المهنة نفسها، مما يعتبر خرقا سافرا لحقوق المواطن والموظف في هذا المجال؛ حسب ما هي مقررة في المواثيق العالمية لحقوق الإنسان والحقوق النقابية. ولعل عدم انضمام  المغرب اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 المتعلقة بالحرية النقابية يعتبر تكريسا صريحا من الدولة المغربية بعدم الالتزام بالمواثيق الدولية في هذا الموضوع.

5.1  ضمان الاستقرار الوظيفي

1.5.1  سن للتقاعد

يحدد القانون سن تقاعد القضاة في 60 سنة؛ مع إمكانية تمديد مدة العمل لهم، سنتين قابلة للتجديد مرتين متواليتين، إذا كان الاحتفاظ بالقاضي ضروريا لمصلحة العمل.

إذا كان مبرر التمديد مشروعا ومنطقيا، فإن شروط تطبيق رخصة التمديد هي محل الإشكال. حيث أسند القانون مرة أخرى لوزير العدل سلطة وصلاحية تقدير الحاجة إلى القاضي وضرورة تمديد المدة له. فهو، أي الوزير الذي يحدد لائحة القضاة الذين يمكنهم الاستفادة من نظام التمديد، ويعرضها، بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء، على الملك قصد إصدار ظهير التمديد. وتبعا لذلك فإن القاضي الذي لم يقترح الوزير التمديد له؛ يحال أوتوماتيكيا على التقاعد مهما كانت درجة نزاهته وعلمه وجديته وحاجة المحاكم له، وبالمقابل يمكن التمديد لمن لا تتوفر فيه نفس الشروط.

  2.5.1نظام للترقية

اهتم المشرع في النظام الأساسي للقضاة ببيان شروط ترقيتهم ، كما وضع النظام الداخلي للمجلس الأعلى للقضاء معايير وضوابط موضوعية لحد كبير لتطبيق تلك المقتضيات. لكنه مرة أخرى جعل آلية وأداة تحديد لائحة المرشحين للترقية أو التعيين في مناصب المسؤولية بيد وزير العدل؛ فهو الذي يضع ويحصر سنويا لائحة الأهلية أي لائحة المرشحين المؤهلين للترقية. وإذا كان النص قد ربط هذا الإجراء باستشارة المجلس الأعلى للقضاء؛ فإن رأي هذا الأخير يظل استشارياً وغير ملزم للوزير .

3.5.1  نظام للنقل

الأصل وفقا للدستور المغربي أن قضاة الحكم ذوو حصانة ضد النقل إلا بمقتضى القانون. وهو ما يعني أن القاضي لا ينقل من محكمة لأخرى إلا بناءاً على طلبه وعندما يجيز القانون بذلك. لكن هذا الضمان تعرض للانتقاص من أهميته.

فمن جهة قرر النظام الأساسي للقضاة أنه يتعين على القاضي التي تمت ترقيته إلى درجة أعلى، قبول المنصب المعين فيه؛ وهو غالبا ما يقتضي الانتقال من مدينة لأخرى؛ وإلا ألغيت الترقية.

ومن جهة أخرى، أعطى نفس النظام الأساسي لوزير العدل. إمكانية أخرى للمساس باستقلال القضاء وسلطة المجلس الأعلى للقضاء وحصانة القاضي ضد النقل، وهي سلطة انتداب القضاة لملء فراغ في قضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة. وإذا كان الانتداب في المهمة مقبولا إذا ارتبط جغرافيا بالمكان الأصلي لعمل القاضي، فإنه يتحول إلى مساس بحصانة النقل بالنسبة لقضاة الحكم إذا كان تنفيذ الانتداب يفرض الانتقال لمدينة أخرى.

ومن جهة ثالثة فإن الحصانة ضد النقل لا تهم سوى قضاة الحكم أما قضاة النيابة العامة فهم بحكم خضوعهم التسلسلي لسلطة وزير العدل معرضون للنقل بناءاً على اقتراح وزير العدل بعد استشارة شكلية غير ملزمة له؛ لدى المجلس الأعلى للقضاء.

4.5.1منع انتداب القضاة بمهمات غير ذات طابع قضائي أو قانوني

لا يبدو من خلال النصوص أو الواقع تكليف القضاة بمثل هذه المهمات عدا الحالة الخاصة بتكليفهم بالإشراف على الانتخابات؛ وهي مهمة ذات طبيعة قضائية قانونية ولو ارتبطت بنشاط سياسي

5.5.1نظام تأديبي

يعتبر خطأ تأديبيا يوجب المتابعة والتأديب؛ كل إخلال من القاضي بواجباته المهنية أو بالشرف أو الوقار أو الكرامة. وإذا كان النظام التأديبي أمرا إيجابيا لحماية القاضي ضد نفسه وحماية المؤسسة القضائية والمتقاضين من أخطائه، فإن أسس وقواعد متابعة القاضي تأديبيا ومعاقبته عند الاقتضاء، هي التي تشكل جوهر التناقض بسبب التعارض بين حقوق القاضي وسلطة المجلس الأعلى للقضاء كمحكمة تأديبية، وبين سلطات وزير العدل في هذا المجال، مما يفرغ المبدأ الدستوري بشأن سهر المجلس الأعلى للقضاء على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لتأديبهم، من مدلوله الحقيقي.

لقد أطلقت مقتضيات النظام الأساسي للقضاة؛ يد وزير العدل في موضوع تحريك المتابعة التأديبية وما يرافقها من إجراءات؛ وأيضا فيما يتعلق بالعقوبات.

إن هذه المقتضيات تجعل وزير العدل هو سلطة المتابعة، فهو الذي ينهي إلى المجلس الأعلى للقضاء الأفعال المنسوبة للقاضي؛ ثم يعين مقرراً في الملف للتحقيق فيه؛ بعد استشارة المجلس في ذلك ولكن دون التقيد بالضرورة برأيه الاستشاري.

كما يملك، في علاقاته مع القاضي المقرر؛ سلطة واسعة فيما يتعلق بالمجال الزمني لإجراء التحقيق وفي اتخاذ قرار الإحالة أو عدمها على المجلس. فالنص لا يحدد لا للقاضي المقرر ولا للوزير أجلا للقيام بالتحقيق. بل يمكن للوزير بعد إنهاء القاضي المقرر تحقيقه أن يقرر الحفظ مثلا، دون ضرورة استشارة المجلس أو إشعاره.

كما أن للوزير سلطة توقيف القاضي حالاً في إحدى الحالتين؛ المتابعة الجنائية والخطأ الخطير. وفي هذه الحالة الأخيرة فإن تقدير مدلول وطبيعة الخطأ الخطير أمر موكول دون قيد أو شرط للوزير الذي يستطيع فضلا عن قرار التوقيف عن العمل؛ الأمر بوقف المرتب كليا أو جزئيا.

وإذا كانت المادة 69 من النظام الأساسي للقضاة قيدت ظاهريا مفعول هذا القرار بأن أوجبت استدعاء المجلس للانعقاد في أقرب وقت وتسوية حالة القاضي الموقوف خلال أربعة أشهر، فإنها لم تحدد بكيفية دقيقة نطاق هذه السلطة بالنظر لوجود أو عدم وجود متابعة أو تحقيق، كما لا تمنع الوزير من اتخاذ قرار التوقيف ثم إلغائه بعد شهر أو شهرين مثلا.

ومن جهة أخرى أعطت المادة 61 لوزير العدل سلطة مباشرة في فرض عقوبات الدرجة الأولى وهي الإنذار والتوبيخ والتأخير عن الترقي والحذف من لائحة الأهلية للترقية. فضلا عن سلطته في توقيع عقوبة إضافية هي النقل التلقائي التأديبي إلى محكمة أخرى.

2- النزاهة والحياد

2-1 النزاهة المؤسساتية

2-1-1صلاحيات محددة وفعالة للمحاكم

يشمل التنظيم القضائي المغربي عدة محاكم على مستويات مختلفة وبصلاحيات واختصاصات مختلفة تتراوح بين ولاية قضائية شاملة موكولة للمحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، وبين ولاية محددة متخصصة لمحاكم الجماعات والمقاطعات والمحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية والمحاكم الإدارية  ومحاكم الاستئناف الإدارية المحدثة مؤخراً سنة 2006 .

وقد تضمنت مختلف النصوص المنظمة لهذه المحاكم مجالات اختصاصاتها بصورة دقيقة؛ ولا يتوافق نطاق هذا التقرير مع التطرق لها بالتفصيل.

ومن جهة أخرى يثير التنظيم القضائي مفارقة جوهرية بخصوص فعالية المحاكم؛ خاصة المتخصصة منها.

فإذا كانت المحاكم الابتدائية بعددها (66) تغطي نسبيا الحاجة القضائية على المستوى الجغرافي، فإن محاكم الاستئناف لا تحقق نفس الغاية إذ لا يتجاوز عددها 21 محكمة استئناف.

يزداد الوضع صعوبة بالنسبة للمحاكم المتخصصة إذ لا تغطي إطلاقا شساعة الخريطة القضائية ولا تقرب القضاء من المتقاضين. فالمحاكم التجارية محددة في ثمان محاكم، لكل منها دائرة نفوذ ترابية واسعة جدا.

أما محاكم الاستئناف التجارية، فلا تتجاوز ثلاث محاكم لتغطية مجموع التراب الوطني. وتشكل بقلة عددها مساسا كبيرا بفعاليتها .

ونفس الأمر بالنسبة للمحاكم الإدارية التي لا يتجاوز عددها سبعة محاكم. أما محاكم الاستئناف الإدارية فلم يحدد عددها بعد بتاريخ إنجاز هذا التقرير.

2-1-2 قانون للأخلاقيات القضائية

لا توجد في القانون المغربي مدونة للأخلاقيات القضائية على غرار ما هو موجود مثلا  بالنسبة  لبعض  المهن كمهنة الطب  لكن يمكن استقراء مجموعة من القواعد الأخلاقية انطلاقا من النصوص القانونية  المتعلقة بوضعية القضاة وخاصة منها النظام الأساسي للقضاة والنظام الداخلي للمجلس الأعلى للقضاء،  وكذا بالتنظيم القضائي.

واستنادا إلى هذه المقتضيات يمكن استخراج كثير من القواعد الأخلاقية، تمت الإشارة والتعليق على بعضها في أماكن متفرقة من هذا التقرير كالتصريح  بثروة القاضي وثروة زوجه؛ والمحافظة على  فضائل الشرف أو الوقار أو الكرامة التي تتطلبها المهنة؛ والالتزام التلقائي بالقواعد والالتزامات المقررة  لضمان الحياد؛ والامتناع عن ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي أو نشاط  مهني  أو أي  عمل  من  شأنه  عرقلة تسيير المحاكم؛ والإقامة  حيث توجد المحكمة التي يمارس فيها عمله ؛ وأداء اليمني؛ وعدم مزاولة المهنة قبل أدائها؛ والمحافظة على السرية، وارتداء البذلة الخاصة.

وتتدعم هذه القواعد بنظام تأديبي يطبقه المجلس الأعلى للقضاء كما سبق شرحه، كما  تتدعم   أيضا  بنظام لتفتيش المحاكم بقصد تقييم تسييرها وكذا تسيير المصالح التابعة لها أو التنظيمات  المستعملة،  وكيفية تأدية موظفيها من قضاة وكتاب الضبط لعملهم

2-2  النزاهة الشخصية

2-2-1 عدم التحيز في أخذ القرار بما فيه احترام مبدأ المساواة أمام القانون

أوجب المشرع على القاضي الالتزام بالنزاهة وعدم التحيز في علاقاته بالمتقاضين؛ واحترام المساواة بينهم.

ويظهر هذا الالتزام أخلاقيا في صيغة القسم الذي يؤديه القاضي عند تعيينه.

ويتعزز فرضه بضمان قوي ذي طبيعة جنائية؛ حيث عاقب القانون الجنائي كل قاض أو حاكم تحيز لصالح أحد الأطراف ممالأة له أو تحيز ضده عداوة له بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة مالية

2-2-2 قواعد واضحة إلزامية لعدم تضارب المصالح بين القاضي والمتقاضين

تتضمن قوانين المسطرة المدنية والجنائية؛ أنظمة قانونية صريحة بشأن حماية المتقاضين تجاه أي تضارب في المصالح قد ينشأ بينهم وبين قضاة الحكم. وهذه الأنظمة هي: تجريح القضاة؛ منع الجمع في محكمة واحدة بين قضاة أزواج أقارب أو أصهار؛ منع القاضي من النظر في نزاع يكون أحد أطرافه قريبا أو صهرا له؛ منع أية محكمة من النظر في نزاع أحد طرفيه قاض أو زوجه يعمل في نفس المحكمة؛ فتح باب الطعن بإلغاء الأحكام بسبب تجاوز القضاة لسلطاتهم؛ فتح إمكانية طلب سحب الدعوى من محكمة ما بسبب التشكك المشروع في نزاهة هيئة التحقيق أو الحكم.

وعزز المشرع هذه المنظومة الحمائية بنظام عام لمسؤولية القضاة مدنيا وجنائيا وتأديبيا.

2-2-3 التصريح الدوري والإلزامي عن الدخل والممتلكات

يلتزم القاضي بالتصريح، خلال الأشهر الثلاثة الأولى لتعيينه، كتابة وبشرفه بما يملكه هو وزوجه وأبناؤه القاصرون من عقارات وقيم منقولة.

وأعطى المشرع لوزير العدل سلطة تتبع ثروة القضاة وعائلاتهم وتقديرها. وله، بعد موافقة المجلس الأعلى للقضاء، تكليف مفتشين قضائيين لتقدير ثروة القضاة خلال حياتهم المهنية.

والمفتشون القضائيون هم أصلا قضاة ملحقون بالإدارة المركزية لوزارة العدل ويعملون تحت إشراف المفتش العام للوزارة الذي هو بدوره قاض سام. وقد خولهم القانون سلطة التحري والتحقق والمراقبة والاطلاع على الوثائق في إطار مهمة تقدير ثروة القاضي

3.2  النزاهة في إجراءات المحاكمة

1.3.2إجراءات شفافة وحيادية للمحاكمة  حق الدفاع ،  محاكمات علنية،  والمساواة  وعدم  التمييز  في  المعاملة

حق الدفاع: حدد قانونا المسطرة المدنية والجنائية عددا من المقتضيات الضامنة لحق الدفاع أمام مختلف المحاكم العادية والإدارية بمختلف درجاتها.

وتعتبر مساندة الأطراف قضائيا من طرف المحامي أمام القضاء المدني مسألة جوهرية أساسية لما فيها من تمكينهم من وسائل الدفاع الكافية والملائمة أمام تلك المحاكم.

والأصل أن لكل شخص حرية اختيار محام لمساندته ما لم ينص القانون على إجبارية التمثيل بواسطة المحامين كما هو الشأن أمام المحاكم التجارية والإدارية ومحاكم الاستئناف والمجلس الأعلى.

ويحق لمن ليست له إمكانيات مالية لتعيين محام؛ طلب الاستفادة من المساعدة القضائية؛ ما لم يكن يتمتع بها بقوة القانون.

وفي إطار المحاكمة الجنائية بشكل عام، يختلف الأمر كثيرا بخصوص ضمانات حق الدفاع. لتعلقها بالحرية الشخصية سواء في مرحلة الاشتباه والبحث التمهيدي أو مرحلة التحقيق الإعدادي أو مرحلة  الإحالة على المحكمة والمثول أمامها. ولذلك فإن توفير أو تخلف  ضمانات حق الدفاع  يثير إشكالات  وآثارا  أكثر خطورة وسلبية حاول المشرع المغربي مواجهتها.

محاكمات علنية : تشمل العلنية حسب القوانين المطبقة، علنية الجلسات وعلنية التصريح بالحكم . ففيما يتعلق بعلنية الجلسات فهي منصوص عليها  بالنسبة  لجميع  المحاكم ومختلف  الدرجات والمجلس  الأعلى.          يجد مبدأ العلنية مجال تطبيقه الواسع أمام القضاء الجنائي، حيث يكون تحقيق العلنية، معيارا  مبدئيا لشفافية المحاكمة والمسطرة. وهكذا نص القانون على أن مقررات المحكمة  يجب أن تبنى على حجج عرضت ونوقشت شفاهيا وحضوريا في الجلسة أمام المحكمة .كما قرر إجراء البحث  والمناقشات   في جلسة علنية إلا إذا أجاز القانون خلاف ذلك.

أما فيما يتعلق بعلنية إصدار الحكم، فهي أيضا منصوص عليها بالنسبة  لقانون محاكم الجماعات  والمقاطعات وأمام المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف والمجلس الأعلى، وأمام المحاكم التجارية والإدارية وكذا أمام القضاء الجنائي. ففيها جميعا يجب أن تصدر الأحكام باسم جلالة الملك في جلسة علنية، بل  لقد قرر قانون المسطرة الجنائية بطلان الحكم أو القرار أو الأمر الذي لم يتضمن عددا من البيانات منها نصه على أنه صدر في جلسة علنية.

لكن  مبدأ العلنية ليس مبدأ مطلقا؛ إذ قيده المشرع بعدة قيود تتحول  فيها جلسة  المناقشات  أو  جلسة  النطق بالحكم من العلنية إلى السرية لأسباب تتعلق بطبيعة النزاع  وطبيعة  الإجراء  القانوني  أو  بمصالح   الأشخاص أو بالنظام  العام.

واهتم القانون بمسألة ذات أهمية قصوى بالنسبة للإعلام واطلاع الرأي العام على مجريات المحاكمات  الجنائية؛ خاصة منها المثيرة اقتصاديا أو سياسيا؛ والتي تريد أجهزة ووسائل الإعلام تصويرها أو نقل  وقائعها تلفزيا. فقد وضع المشرع قاعدة عامة وهي أن التصوير والتسجيل والنقل المباشر لوقائع  الجلسات ممنوع، إلا إذا أجازه رئيس الجلسة بعد استطلاع رأي النيابة العامة وفي حالة القيام بالتصوير دون إذن أو خلاف المنع، فإن الفاعل يتعرض لعقوبة من 5000درهم إلى 50000 مع مصادرة الأدوات والأجهزة.

المساواة وعدم التمييز في المعاملة : لم يتضمن القانون المغربي نصا صريحا بخصوص مبدأ المساواة أمام القضاء، واكتفى الدستور بالنص على المساواة أمام القانون.

يعتبر إحداث محاكم الجماعات والمقاطعات مثلا واضحا لانعدام المساواة بين المتقاضين، سواء من زاوية تكوينها؛ حيث لا تتوفر الاحترافية في الحكام، أو من زاوية القانون المسطري؛ حيث لا تطبق أمامها قواعد قانوني المسطرة المدنية والجنائية.

تطرح المساواة أمام القضاء أيضا مسألة القدرات المالية والآثار السلبية التي يمكن أن تكون لانعدامها أو قلتها على الحق في التقاضي. فمن المعلوم أن كل طلب يقدم للقضاء، يجب، لكي يقبل شكلا، بالإضافة  إلى الشروط الشكلية الأخرى، أن تؤدى عنه رسوم قضائية لفائدة الخزينة العامة.

وحتى لا تكون الوضعية الاجتماعية والمالية عائقا يحول دون ممارسة  الشخص حقه  في  التقاضي،  فقد  اتخذ المشرع المغربي عدة إجراءات لفائدة ذوي الدخل المحدود أو عديميه من خلال الإعفاء الكلي  التلقائي من أداء الرسوم القضائية بالنسبة لمنازعات قانون الشغل وإعطائهم الحق في مؤازرة محامي  يختارونه أو يعين لمصلحتهم؛ وكذا بالنسبة لطلبات النفقة في إطار  مدونة الأسرة، ودعاوى المطلقات والمهجورات؛ كما أعفي من أداء نفس الرسوم ولكن بناء على قرار  يتخذ من طرف هيأة مختصة.

وعزز المشرع هذا الحق في المجال الجنائي؛ عندما كرس حق المؤازرة من طرف المحامي في جميع مراحل  التحقيق والمسطرة، وأوجب على قاضي التحقيق ومحكمة الجنايات تعيين محام في إطار المساعدة  القضائية لمؤازرة المتهم الذي لم يختر بنفسه محاميا له.

2.3.2   رقابة قضائية فعالة على إجراءات المحاكمة

لا يخضع كتاب الضبط باعتبارهم مسؤولين عن إنجاز مختلف إجراءات المحاكمة  لرقابة إدارية مباشرة من القاضي المقرر أو رئيس الغرفة، ولكنهم يخضعون لرقابة إدارية تسلسلية من  طرف رئيس كتابة الضبط ورئيس المحكمة ووكلاء الملك يراقبون  بحسب التدرج القضائي. فرؤساء  المحاكم يمارسون المراقبة على مصالح كتابة الضبط،وكتاب النيابة العامة .   وإذا كانت هذه المراقبة تكتسي صبغة إدارية محضة، فإن الإخلال الذي يمكن أن يقوم به كاتب الضبط في عمله، ويكون له أثر على صحة الحكم، يجعله معرضا للبطلان.

ويخضع الأعوان القضائيون المستقلون لمراقبة ضيقة من طرف وكيل الملك لدى المحكمة  الابتدائية العاملين في دائرة نفوذها؛ ويمكن أن تفضي في حالة عدم احترامهم في أداء مهامهم للإجراءات المسطرية المتعلقة بالتبليغ أو التنفيذ، إلى تأديبهم. ويمكن أن تصل العقوبة التأديبية التي تصدرها  المحكمة  الابتدائية  إلى العزل أي سحب رخصة المزاولة

يخضع الخبراء المعينون من طرف المحاكم لإنجاز خبرات فنية وتقنية، لالتزامات مهنية بالنزاهة والحياد  واحترام  القواعد المسطرية المنظمة لإنجاز الخبرة. ومن ذلك أنهم ينجزون مهامهم تحت إشراف ورقابة القاضي الذي يمكنه حضور الخبرة إذا اعتبر ذلك مفيدا. كما له الحق في الأمر بإعادة الخبرة إذا وجد أنها لم تنجز وفقا للقواعد المسطرية بشأن حقوق الدفاع؛ أو لم تكن موضوعية. وفي جميع الأحوال يمكن تعرض الخبير في حالة إخلاله بتلك الالتزامات لجزاءات تأديبية تترواح بين الإنذار والتشطيب على اسمه من جدول الخبراء القضائيين أو التعويض عند الاقتضاء.

3.3.2توفر طرق محددة للطعن في القرارات القضائية

يأخذ التشريع المغربي بالمبدأ الأساس العام في التنظيم القضائي  وهو الحق  في التقاضي  على درجتين.  وكرس هذا المبدأ في قانوني المسطرة المدنية والجنائية، وفي قانوني إحداث المحاكم الإدارية والمحاكم  التجارية، مع استثناء جوهري هام وهو  عدم قابلية أحكام حكام الجماعات  والمقاطعات لأي  طعن عادي أو غير عادي . وقد حدد المشرع وعدد بصفة  حصرية، طرق الطعن،  وميز فيها  بين  العادية  وغير العادية كما هو متعارف عليه في مختلف التشريعات المقارنة.

4.3.2إمكانية الحصول على المعلومات القانونية والأحكام القضائية

لا يوجد لا في النصوص التشريعية والتنظيمية ولا في الواقع التزام رسمي من الدولة بضمان حق الوصول إلى المعلومة القانونية أو القضائية والحصول عليها. كما لا تتوفر المجانية في الحصول على الأحكام القضائية ولو لغايات علمية. فمختلف المطبوعات الخاصة والرسمية الصادرة عن وزارة العدل أو عن المجلس الأعلى والمتضمنة لأحكام قضائية، كلها مؤدى عنها وبأسعار مرتفعة بالنظر للقدرة الشرائية لعموم المواطنين والمستهلكين للمادة القانونية من طلبة وباحثين؛ الذين لا يستفيدون من أي تفضيل في الأسعار لفائدتهم، ويسري نفس الإجراء على جمعيات المجتمع المدني نفسه.

 

3- الكفــــاءة

3-1 مؤهلات ملائمة للقضاة وللمساعدين القضائيين

لا يشترط القانون بالنسبة لكتاب الضبط، مؤهلات علمية عالية أو حتى جامعية.  فقد اكتفى بمستوى السادسة من التعليم الثانوي؛ وهو مستوى منخفض بالنظر للمهام الجسيمة والمسؤوليات الخطيرة التي تقع على عاتق كاتب الضبط. وموازاة مع ذلك تطلب القانون مستويات جامعية لولوج بعض الوظائف الإدارية القضائية في بعض المحاكم كما هو الشأن بالنسبة للمحررين القضائيين والمنتدبين القضائيين.

وشترط فقط مستوى الباكالوريا أو الكفاءة في الحقوق بالنسبة للأعوان القضائيين المستقلين ؛ مع قضاء فترة تكوين قصيرة المدى بالمعهد العالي للقضاء وفترة تدريب علني لدى إحدى المحاكم أو لدى عون قضائي ممارس.

-ونظم القانون المهن القضائية المساعدة للقضاء وهي المحاماة والخبرة والعدول، ووضع قواعد وشروط خاصة بمزاوة كل مهنة.

1.1.3 معايير محددة موضوعية للمرهلات القضائية

2.1.3 قواعد للمعايير الأخلاقية

حددت مختلف النصوص المنظمة لمهنة القضاء وللمهن القضائية المساعدة؛ عدداً من الالتزامات والواجبات المهنية التي يمكن اعتبارها مبادئ وقواعد لتخليق الممارسة المهنية ويتعزز هذا التخليق بمراقبة متنوعة ومختلفة؛ بعضها مهني داخلي يسمح بفرض جزاءات تأديبية، وبعضها قضائي خارجي تمارسه السلطة القضائية نفسها مدنيا وجنائيا أحيانا.

لكن أثر المعايير الأخلاقية يبدو ضعيفا في واقع الممارسة المهنية، بل إنه يسير في اتجاه تنازلي مضاد للاتجاه التصاعدي لحالة الفساد والتردي سواء في الوسط القضائي نفسه أو وسط المهن القضائية المساعدة.وقد أبان هذا الواقع عن عدم فاعلية ذلك النظم التخليقية ليس من حيث هي كنظم في ذاتها، ولكن أيضا من زاوية عدم حرص الفاعلين المعنيين بها بتفعيلها حقيقيا مؤثرا.

3-2 معايير موضوعية لاختيار القضاة

يتم اختيار الأشخاص المؤهلين لممارسة القضاء عبر طريقين إحداهما عادية وهي الالتحاق بالمعهد العالي للقضاء والأخرى استثنائية وهي التعيين المباشر ولكل منهما قواعد ومعايير خاصة للاختيار.

3-2-1 معايير محددة وموضوعية للاختيار

3-2-1-1 معايير محددة لتقييم المؤهلات

o      معايير الطريقة العادية

حدد المشرع الشروط المتطلبة في عملية الانتقاء الأولي. وقد حرص من خلالها على جعل مباراة ولوج المعهد؛ غير مقتصرة فقط على المعلومات القانونية الصرفة بل سعى نحو تقييم أهلية المرشح وقدراته الفكرية والذهنية العامة التي يمكن أن تنفعه في التفكير القضائي وتعليل الأحكام. ومن ذلك الاختبار في مجال المعلومات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والثقافية العامة، واختبار في اللغات الأجنبية لضمان القدرة على الاطلاع على القانون المقارن كآلية قانونية قضائية مؤثرة في العمل القضائي.

ويتم تحديد فئات الأشخاص المؤهلين للترشيح لاجتياز مباراة ولوج المعهد العالي للقضاء بناءاً على الشهادات الجامعية المتطلب الحصول عليها والمحددة بقرار لوزير العدل، الذي يحدد كذلك إجراءات ومقاييس الانتقاء الأولي للمترشحين المقبولين للمشاركة في المبارة.

والأصل أن المعهد العالي للقضاء فضاء لتكوين قضاة المستقبل؛ وأنه أنشئ للمساهمة في بناء وتقوية فكر الاستقلال القضائي لدى الملتحقين به، وهو ما كان يستدعي بالنظر إلى شكله القانوني الإداري مؤسسة عمومية ذات استقلال مالي وإداري، أن يكون له فعلا استقلال في تكوينه وصلاحياته ومناهجه بعيداً عن سلطة الوزير وهيمنته.

لكن واقع النصوص المتعلقة بالمعهد وهيئاته ونظامه وعلاقة الملحقين القضائيين  المتدربين به وبالوزارة؛ يبين عكس ذلك:

–       فوزير العدل هو رئيس المجلس الإداري للمعهد؛ خلافاً لما عليه الأمر  في  مختلف المؤسسات العمومية  التي يكون فيها الوزير الأول هو رئيس المجلس الإداري ويكون وزير القطاع نائبه؛

–       استبعد النص من عضوية المجلس الإداري للمعهد الرئيس الأول للمجلس الأعلى والوكيل العام للملك لديه، واستبدلهما برئيس الغرفة الأولى والمحامي العام الأول؛

–       أدخل النص في عضوية المجلس الإداري للمعهد؛ كاتب المجلس الأعلى للقضاء؛ وهو كما رأينا من قبل مرتبط إلى حد كبير بوزير العدل شخصياً؛

–       وزير العدل هو الذي يعين الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف والوكيل العام للملك لديها من بين مجموع الرؤساء الأولين والوكلاء العاملين، ليكونا عضويين  في المجلس الإداري، دون استشارة المجلس الأعلى للقضاء؛

–       وزير العدل هو الذي يعين كذلك من بين نقباء المحامين في المغرب؛ النقيب الذي سيكون عضواً في المجلس، دون استشارة جمعية هيئات المحامين التي يفترض أن تكون لها الصلاحية في ذلك؛

–       وزير العدل هو الذي يعين جميع المديرين المساعدين بالمعهد، وكذا كاتبه العام.

o     معايير الطريقة الثانية

فيما يتعلق بالطريقة الثانية أي التعيين المباشر؛ فقد كان القصد فيها انفتاح القضاء على مهن ووظائف أخرى يمكن أن يساهم بعض ممارسيها؛ إذا ما التحقوا بالقضاء في تطويره وإغنائه. ويتعلق الأمر بصفة خاصة بالمحامين وبعض قدماء الموظفين وأساتذة الجامعة. لكن الشروط المحددة لهذا الانتقاء لا تحقق الغاية منه لاعتمادها على عنصر أساسي واحد مشترك هو الأقدمية في المهنة أو الوظيفة، وهو شرط هام بدون شك؛ ولكنه ليس الرئيسي في تحديد مواصفات المرشح وأهليته وفائدته للقضاء.

2.1.2.3 اختبار النفسي

لا يعمل بهذا الاختبار في النظام القضائي المغربي.

3.2.3 مساواة في التعيين بين المرأة والرجل

لا يوجد من الناحية القانونية أي ميز بين المرأة والرجل فيما يتعلق بالحق في تقلد وظيفة القضاء.

لكن على مستوى الممارسة؛ كان هناك تمييز فعلي بخصوص تعيين القاضيات النساء في مراكز المسؤولية القضائية أي على رأس المحاكم أو النيابة العامة. وقد بدأت هذه الوضعية تتغير منذ بضع سنوات؛ إذ لوحظ تولي قاضيات نساء رئاسة محاكم ابتدائية وتجارية وإدارية.

لكن الميز ما يزال قائماً فعلياً بخصوص تعيينهن في مناصب قضاء النيابة العامة سواء على مستوى محاكم الدرجة الأولى أو الثانية، وكذا في قضاء التحقيق وقضاء التوثيق وقضاء شؤون القاصرين.

كما لم تحظ أية قاضية امرأة بالتعيين في كتابة المجلس الأعلى للقضاء؛ أو في إحدى المديريات الكبرى بالوزارة، إذ ما تزال هذه الوظائف رجالية بامتياز.

3.3 تدريب قضائي مناسب

1.3.3 تدريب في معهد قضائي متخصص

يخضع المترشحون لوظيفة القضاء بعد نجاحهم في مباراة الالتحاق بالمعهد العالي للقضاء؛ لتكوين نظري تخصصي يشرف عليه بصفة أساسية قضاة وأساتذة جامعيون عند الاقتضاء.

كما ينجزون لمدة سنة تدريبا عمليا في المحاكم قبل اجتياز التحاق التخرج.

لكن الملاحظة بخصوص هذا التدريب أنه لا يؤثر في تقييم إمكانيات الملحق القضائي المتدرب وشخصيته ولا يساهم في الحكم عليه في امتحان التخرج.

فالتدريب لا يتوج بتقرير الملحق القضائي؛ ولا بتقرير رئيس المحكمة التي تدرب فيها؛ ولا بتقرير من طرف القاضي أو القضاة الذين تدرب الملحق القضائي عندهم. وهي ثغرات سلبية بخصوص الحكم على مدى قابلية الملحق القضائي المتدرب للمزاولة الناجحة للعمل القضائي

وبخصوص التكوين المستمر للقضاة؛ فإن القانون الجديد للمعهد العالي للقضاء قد وضع من بين مهامه تنظيم التكوين المستمر للقضاة عن طريق تنظيم دورات دراسية وندوات داخل وخارج المغرب. وهو أمر يتم فعليا ولكن بوتيرة غير سريعة أو مكثفة.

ونفس الشيء قرره القانون المذكور بخصوص التكوين المستمر لمساعدي القضاء وممارسي المهن القضائية وكتاب الضبط والأعوان القضائيين؛ في مجالات تقنيات التسيير والتدبير.

2.3.3 موارد كافية بشرية ومالية

يتوفر المعهد العالي   للقضاء، بحسب هيكلته  القانونية والإدارية،  على عدة مديريات  يفترض  أنها تتوفر  على الأطر الكافية  لإداراتها وتسييرها وتنفيذ مختلف المهام والوظائف المسندة للمعهد. لكن الواقع خلاف ذلك.

كما نص القانون الجديد على اعتبار المعهد مؤسسة عمومية ذات استقلال مالي وإداري، مع تحديد موارده المالية في المخصصات السنوية المسجلة في إطار ميزانية السنوية للدولة، ومحاصيل تقديم الخدمات والدراسات والإعانات المالية من أشخاص آخرين غير الدولة، والهبات والوصايا.

3.3.3 تدريب على اللغات الأجنبية

هناك توجه حالي نحو تقوية الإمكانيات اللغوية الأجنبية لدى الملحقين القضائيين المتدربين والقضاة بشكل عام. وقد تجلى ذلك في مواد مباراة الدخول وامتحان التخرج؛ حيث أدخلت ضمنهما مادة الترجمة التي يمتحن فيها المترشحون والملحقون المتدربون كتابة وشفويا.

 

4-  فعالية النظام القضائي

4-1 قوانين أصول محاكمات شفافة، واضحة وفعالة

4-1-1 أصول محاكمات وأنظمة عصرية

يتضمن الدستور مقتضيات تتعلق بصفة غير مباشرة بقوانين المسطرة المدنية والجنائية.

فمن جهة يقرر مبدءاً عالميا حقوقياً وهو منع إلقاء القبض أو الاعتقال أو معاقبة أي شخص بصورة تعسفية. كما يضمن مبدأ حماية حرمة المنازل ومنع انتهاكها وتفتيشها إلا في إطار القواعد المسطرية المحددة في قانون المسطرة الجنائية.

ومن جهة أخرى، عرفت قوانين المسطرة المدنية والجنائية تطورات وتعديلات متتالية  خلال السنوات الأخيرة؛  بهدف تحقيق وضمان تحقيق محاكمة منصفة وعادلة مدنيا وجنائيا؛ سواء من حيث شروط المثول أمام المحاكم أو إنجاز المحاكمات في زمن مناسب وغير طويل، وتطوير القواعد المسطرية الشكلية لتوافق التحولات الكبرى على مستوى بعض النظم القانونية كنظام الأسرة، وإعطاء عناية ولو جزئية محدودة لتنفيذ الأحكام القضائية بإحداث مؤسسة القضاء المكلف بالتنفيذ.

 

لكن الاعتماد على التكنولوجيا لتيسير وتسهيل اللجوء إلى القضاء ومتابعة مراحل المحاكمة ومصيرها، ما يزال متعثراً وضعيف المجال إذ لم يقرر إلا على مستوى المحاكم التجارية فقط.

2.1.4 إجراءات واضحة وإلزامية لتقديم الدعاوي

اهتم قانون  المسطرة المدنية بتنظيم مختلف مراحل الدعوى وتحديد مختلف الإجراءات والأعمال المقررة لحماية حق التقاضي أمام مختلف الجهات القضائية ودرجاتها.

ونفس الأمر وضعه قانون المسطرة الجنائية الجديد؛ سواء فيما يتعلق بالمتابعة وتحريك ورفع الدعوى العمومية أو فيما يتعلق بحقوق المطالبين بالحق المدني وكذا طرق الطعن وتنفيذ الأحكام.

3.1.4 جهاد بشري مناسب للمحاكم بمن فيهم الخبراء

استنادا إلى الإحصائيات المتاحة حول عدد القضاة وتوزيعهم على مختلف المحاكم ، يلاحظ عدم التناسب العددي مع المعايير الدولية النموذجية المقررة في هذا المجال، وهو ما كان يفترض انتظام تنظيم مباريات ولوج المعهد العالي للقضاء، لكن هذه المباراة لم تجر  منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ونفس الملاحظة العددية تنطبق أيضا على كتاب الضبط والأعوان القضائيين المستقلين.

أما المحامون فإن أعدادهم في تزايد مستمر بسبب الإقبال المكثف لخريجي كليات الحقوق المغربية الأحد عشر الأجنبية، لعدم وجود منافذ شغل أخرى لهذا التكوين؛ وإغلاق باب الوظيفة العمومية.

ويرتفع كذلك عدد الخبراء القضائيين المحلفين المقيدين في الجداويل المهنية الخاصة بهم.

وإذا كان الخبراء المحلفون يمتازون بتخصصهم وتقييدهم في الجدول بحسب هذا التخصص، فإن المحامين لم يصلوا بعد لمرحلة التخصص المهني مما يجعل كل محام مؤهلا مبدئياً للترافع في أية قضية وأمام أية محكمة، مع مراعاة الشرط المتعلق بالأقدمية للترافع أمام المجلس الأعلى. وإن كان يلاحظ عمليا وجود احتكار من بعض المحامين بالمدن الكبرى لقضايا بعينها سواء في المجال التجاري الوطني أو الدولي أو في مجال التأمين.

ويعيب عدد من المتقاضين وأحياناً بعض الجهات الرسمية المرتبطة بقطاع القضاء؛ على المحامين وعلى الخبراء أيضا ضعف النزاهة والكفاءة المهنية وضحالة المجهود الفكري المبذول سواء في الدفاع أو في الخبرة.

وبخصوص موظفي المحاكم وبصفة خاصة كتاب الضبط، فإن الاتفاق شبه تام على عدم كفاية عددهم بالنظر لاتساع الخريطة القضائية وتعدد وتنوع المحاكم؛ والارتفاع المتزايد لعدد القضايا المسجلة أمام المحاكم.

ونفس الأمر بالنسبة لأعوان كتابة الضبط المكلفين بإجراءات التبليغ والتنفيذ وكذا المفوضين القضائيين.

4-1-4 أصول واضحة للطعن في كافة القرارات القضائية دون استثناء

لقد تمت الإشارة إلى هذا العنصر فيما سبق، ونكتفي هنا بالتأكيد على تكريس المشرع للمبدأ العام بشأن قابلية جميع الأحكام للطعن؛ وفي ذات الوقت إقدامه على تضييق نطاق هذا الحق في بعض الأحيان كما هو الشأن بالنسبة لمحاكم الجماعات والمقاطعات التي لا تقبل أحكامها الطعن بأي طريق عاد أو غير عاد.

وهناك حالات أخرى لا تشكل خرقاً لحقوق الدفاع لأنها تهم فقط بعض القيود على ممارسة الطعن ضد بعض المقررات القضائية مثل عدم قابلية قرارات المجلس الأعلى الغيابية للطعن بالتعرف

4-2 إدارة المحاكمة وإجراء الأعمال القضائية بصورة موضوعية وشفافة

4-2-1 وجود نظام لتوزيع القضايا مبني على معايير واضحة وموضوعية وعادلة

يرتبط توزيع القضايا داخل المحاكم ببنائها الهيكلي الذي يقوم على نظام الغرف  المختصة،  التي تكلف  بحسب القانون المسطري، بالنظر في ملفات القضايا المعروضة على المحكمة.

ويتميز هذا النظام بكونه يسند الصلاحية التامة في توزيع الملفات على الغرف وتعيين القضاة  المقررين فيها، لرئيس المحكمة في كل المستويات( درجة أولى ودرجة ثانية ) أما لدى المجلس الأعلى فإن  الأمر يعود لرئيس الغرفة.

ونفس السلطة نجدها بيد وكيل الملك أو الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف فيما يتعلق بحريتهما في تعيين أحد النواب أو المحامين العامين  لمتابعة قضية معينة واستبداله دون تبرير؛  وتعيين قاضي التحقيق المحالة عليه قضية ما بين قضاة التحقيق في نفس المحكمة وهو موقف مخالف لما  كان عليه الأمر في القانون القديم الذي كان يعطي سلطة  تعيين قاضي التحقيق في حالة تعددهم  لقيدومهم.

كما يمكن للنيابة العامة، تلقائيا أو بطلب من الطرف المدني أو المتهم، تقديم طلب معلل للغرفة  الجنحية لمحكمة الاستئناف بقصد سحب ملف قضية من قاضي التحقيق المعين فيها أصلا وتكليف قاض تحقيق آخر بها.

ولم يضع المشرع أي تقسيم للغرف في المحاكم التجارية والإدارية. وإن كان أعطى رؤساءها وجمعياتها العمومية نفس الصلاحيات.

وادخل قانون المسطرة الجنائية الجديد، تعديلا جوهريا على تنظيم وتقسيم غرف  محكمة الاستئناف  في المجال الجنائي؛ بمقتضاه تم إحداث غرفة جنحية استئنافية للأحداث، وغرفتين  للجنايات  إحداهما ابتدائية  والأخرى استئنافية، وغرفتين لجنايات الأحداث ابتدائية واستئنافية.

وعلى مستوى المجلس الأعلى نجده مقسماُ، إلى ست غرف، غرفة مدنية وغرفة للأحوال الشخصية  والميراث  كان المفروض تغييرتسميتها لتصبح غرفة قضاء  الأسرة  بالنظر للتعديل  الذي أدخل  على  المادة 2 من نفس  القانون وغرفة تجارية وغرفة إدارية وغرفة اجتماعية وغرفة جنائية.

بخصوص توزيع العمل داخليا وتحديد مجال عمل القضاة في الغرف، أوكل المشرع هذه المهام لهيأة جماعية تتكون على مستوى كل محاكم الدرجة الأولى و الثانية من جميع قضاتها العاملين معا في قضاء الحكم وقضاء النيابة العامة. وتنعقد هذه الهيأة في شكل جمعية عامة سنوية، تجتمع إجباريا  على الأقل  مرة في  السنة خلال الخمسة عشر يوما الأولى من شهر دجنبر، ويمكن أن تجتمع عند الحاجة  بدعوة  من  رئيس  المحكمة.

وقد أسند المشرع لهذه الجمعية العامة اختصاص تحديد تكوين الغرف وأيام وساعات  الجلسات. والعادة أن هذه الجمعية تقرر حسب  المصلحة في تغيير تكوين الغرف ونقل القضاة من غرفة لأخرى حتى يكتمل لديهم التكوين إن كانوا جددا، أو يستفيد من خبرتهم الاخرون إن كانوا من  القدماء.

أما في في  المجلس الأعلى فقد أسند المشرع هذه المهام لمكتب المجلس،  وليس الجمعية العامة.   ومعلوم  أن المكتب يتكون من الرئيس الأول للمجلس ورؤساء الغرف وأقدم  المستشارين  في كل  واحدة منها، إضافة إلى الوكيل العام لدى المجلس الأعلى وقيدوم المحامين العامين.

4-2-2  توزيع القضايا حسب الاختصاص

يرتبط تحديد مجال الاختصاص النوعي والمحلي بشكل مبدئي عام بمسألة أولية هي  إحداث المحاكم، وهو أمر يدخل في مجال القانون وبالتالي من اختصاص البرلمان .

وتنظم وتحكم قواعد الاختصاص النوعي والمحلي، نصوص مختلفة، بعضها ورد في  النصوص  المتعلقة  بالتنظيم القضائي بشكل عام، وبعضها ورد في قانوني المسطرة المدنية والجنائية وقد تمت الإشارة إلى  الموضوع في فقرة سابقة؛ فيمكن الرجوع إليها.

4-3 مدة مناسبة للحصول على حكم نهائي ملزم

4-3-1  سقف زمني محدد ومعقول للإجراءت حسب تصنيف الدعوى

لا يوجد في المغرب أي نص دستوري يتعلق بالحق في محاكمة سريعة. كما أن قانون المسطرة المدنية  لا  يتضمن قاعدة عامة بخصوص مدة حياة الدعوى في المحكمة.

ولعل غياب مثل هذا التحديد الزمني فيه مصلحة وفائدة للأطراف أنفسهم؛ فتحديد  سقف زمني  للبت  والفصل قد يدفع القاضي إلى التسرع بدلا من السرعة وهما أمران مختلفان.

على أن ترك الأمر مفتوحا دون تقييد، قد يفضي إلى التعسف والتباطؤ وضياع حقوق  المتقاضين  خاصة في بعض الدعاوي لذا تدخل المشرع بصيغ مختلفة تتراوح بين الحث على السرعة دون أجل  معين، وبين تحديد أجل يتعين البت خلاله.

4-3-2  إجراءات تأديبية في حالة المماطلة في سير الدعوى من قبل المحكمة

احتاط المشرع لأية احتمالات ولو كانت ضعيفة، يماطل فيها القاضي أو المحكمة ويمتنع عن الفصل في  النزاع المعروض عليه فضمن لذوي الحقوق الحماية، ممثلة في نظامي إنكار العدالة  مخاصمة القضاة كما سبق بيانه في هذا التقرير.

4-3-3 مساءلة المحامين المماطلين تأديبيا

يصعب الحديث عن مماطلة المحامي في القيام بمهامه بالنظر لطبيعة المهنة التي هي مهنة الدفاع عن الحقوق والتي تقوم على عدة مبادئ وأسس أدبية ومعنوية وقانونية تتعارض مع مفهوم  المماطلة.

ومع ذلك فقد تنشأ خلافات بين المحامي وموكله؛ أو تتعلق بعلاقة المهنة ككل بالمؤسسات  القضائية، وهي أوضاع حرص قانون المحاماة على تنظيمها وضبط آثارها.

فقد منع القانون على المحامين بشكل عام الاتفاق فيما بينهم متواطئين، على التوقف عن تقديم المساعدات الواجبة عليهم إزاء القضاء سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات.

وتختلف أسباب التوقف المتفق عليه بين المحامين عن تقديم مساعدتهم تجاه المحكمة  والموكلين،  ما بين  أسباب ذات طبيعة سياسية يكون فيها التوقف رمزيا ولا تقصد به المحاكم، وما بين  أسباب مهنية  نتيجة خلافات محلية على مستوى محكمة معينة، أو وطنية تهم العلاقة بين هيأة المحامين  على المستوى  الوطني بشكل عام وما بين الموسسة القضائية ككل أو بينها وبين وزرة العدل أو أية جهة حكومية  أخرى.

وقد تعرضت العلاقات بين بعض المحاكم وهيآت المحامين المحلية، لتوترات أدت إلى توقف المحامين عن العمل و امتناعهم عن تقديم مساعداتهم المهنية التقليدية.

أما فيما يتعلق بالعلاقة بين المحامي وموكله، فإن تعرضها لأية هزة أو خلاف، لا ينبغي  أن يترتب  عليه قيام المحامي بما من شأنه الإضرار بمصالح موكله وحقوقه.

وقد اعتبر المشرع أن أي خلاف بين المحامي وموكله يعني فقدان الثقة بينهما، التي هي أساس  العلاقة، ولذلك أجاز للموكل عزل المحامي وتجريده من التوكيل مع إلزامه بأدائه له أتعابه ومصاريفه  المستحقة عما بذله من جهد سابق على تاريخ العزل.

كما أعطى للمحامي في حالة اختلاف مع موكله؛ الحق في التخلي عن متابعة الدفاع عنه شريطة إشعاره بذلك وفق قواعد حددها القانون.

4-4  نظام عادل وفعال لتنفيذ الأحكام

يعتبر تنفيذ الأحكام القضائية العلامة الدالة على فعالية ونجاعة العمل القضائي بشكل  عام.

لكن واقع نظام التنفيذ في المحاكم المغربية يفيد وجود عراقيل كثيرة وتأخيرا كبيرا جدا في تنفيذ الأحكام القضائية

ولقد أدى طول إجراءات مرحلة التنفيذ في مختلف المحاكم  بالمغرب إلى انتشار انطباع  بل شبه  اقتناع  عام لدى المواطنين بصورة عامة وأحيانا حتى لدى المسؤولين عن قطاع  العدل،  بفشل  وعجز الإدارة  القضائية عن تحويل الحكم من وثيقة إلى حقيقة واقعة؛ وتمكين ذوي الحقوق منها. وهو فشل يجد له  عددا من الأسباب والمظاهر التي تفضي جميعها إلى اليأس من نجاعة القضاء وفقدان الثقة فيه.

4-4-1 إجراءت تنفيذ محددة

حدد المشرع المغربي في قانون المسطرة المدنية تفصيلات حول مختلف الطرق  ونظم التنفيذ المختلفة  المتعارف عليها في التشريعات المقارنة، محددا صور وأشكال التنفيذ على أموال المحكوم عليه، ومبينا بصيغ مختلفة المساطر الواجب على المحكوم لهم  اتباعها لتنفيذ  الحكم الصادر  لمصلحتهم؛  مراعيا  في نفس  الوقت حقوق المحكوم عليهم  والضمانات الواجب توفيرها لهم حتى لا يقع أي شطط أو تجاوز.

4-4-2  تنفيذ فعال

في هذا الصدد  يمكن ملاحظة التوافق الشبه العام  بين مختلف الفاعلين  في الحقل القضائي،  من محامين ومتقاضين  وجمعيات حقوقية ووزارة العدل نفسها، على عدم فعالية  نظام التنفيذ  في المغرب وافتقاد طرقه  ووسائله للنجاعة  الكافية؛ وكثرة عيوبه سواء من ناحية التنظيم التشريعي أو التطبيق الواقعي،       فضلا عن تكلفته ومصاريفه  المتزايدة والتي تحول  عملية التنفيذ إلى محنة حقيقية بالنسبة لجميع  الأحكام أيا كان موضوعها وسواء صدرت في مواجهة أشخاص القانون الخاص والعام .

 التنفيذ ضد أشخاص القانون الخاص:  يختلف تقدير نظام التنفيذ ضدهم بالنظر إلى نوع  وموضوع  الحكم؛ هل يتعلق بالقانون المدني بشكل عام أو بالقانون التجاري أو قانون الأسرة أو القانون  الاجتماعي.

تنفيذ أحكام الأداء والتعويض: تتنوع الأحكام القضائية القاضية بالأداء؛ وتبعا لذلك تختلف وتتعدد  مشاكل وعراقيل التنفيذ. والأصل أن يتم تنفيذ حكم الأداء عند قيام المحكوم عليه بإبراء  ذمته  بأية  وسيلة مالية كانت بين يدي العون المكلف بالتنفيذ. وعندما يرفض المحكوم عليه الأداء فإن  عون  التنفيذ يكون مضطرا لإنجاز الحجز على المنقولات التي يجدها أمامه في موطن أو محل إقامة المحكوم  عليه.  وقد تكون هذه المنقولات أحيانا غير ذات قيمة مالية حقيقية ؛وحتى إذا كانت لها قيمة، فإن بعضها  يكون أحيانا غير قابل لحجزه بنص القانون، إما لارتباطه بشروط حياة المنفذ عليه العادية أو  بنشاطه المهني.  ويحدد بعد الحجز تاريخ للبيع بواسطة المزاد العلني؛  وهو إجراء يكاد لا يطبق فعليا  لأسباب مختلفة بعضها يتعلق بعدم احترام مسطرة الإشعار مما يعطي المحكوم عليه فرصة  التطويل  بإثارة صعوبة التنفيذ، وإما لعدم حضور متزايدين للمشاركة في المزاد، وإما لعدم كفاية  العروض  أو ضعفها  مما يجعل رئيس المحكمة مضطرا لتأجيل البيع في انتظار شروط أفضل لفائدة الطرفين.

كما يجوز اللجوء إلى الحجز التحفظي على العقار إن كان موجودا. ولكن مسطرة تحويله إلى حجز     تنفيذي عقاري تعتبر أكثر صعوبة وتعقيدا من الحجز التنفيذي على المنقولات.

ويجيز القانون للمحكوم له في حالة استحالة تنفيذ حقيقي فوري اللجوء إلى الحجز على أموال المحكوم  عليه لدى الغير، أجرة إن كان موظفا أو مستخدما، أو ودائع بنكية .وفي جميع الحالات فإن هذا الحجز  يكون شبه غير فعال بسبب تحديد هامش المبالغ الجائز حجزها في حالة الاجرة، أو طول المدة المتطلبة  لجمع المبالغ المحتجزة، ثم اتباع مسطرة تصحيح الحجز وتنفيذه وما يرافق ذلك من صعوبات  مسطرية.

إذا تعلق الأمر بحكم مانح للتعويض؛ فالأمر لايقل صعوبة عما سبق.  قد يكون الحكم  صادرا بالأداء والتعويض في حالة المنازعة الفردية في إطار علاقة الشغل أو في حادثة شغل أو حكما  بالتعويض في إطار حادثة سير أو بسبب أي فعل آخر.

لا يختلف الوضع بالنسبة لتنفيذ أحكام الأداء والتعويض في إطار دعوى ناجمة عن  منازعة  اجتماعية  أداء أجور تعويضات عن الفصل التعسفي أو مهلة الإنذار عن تنفيذ الحكم المدني  بالأداء  من حيث  وسائل التنفيذ القانونية، لكنه يتميز ببعض الخصائص التي تزيد من صعوبة تنفيذ تلك  الأحكام  بحسب  الطبيعة القانونية للمشغل، وهل هو شخص ذاتي له أموال أم لا ، أو شخص معنوي.

ورغم أن القانون يضمن مسبقا أداء التعويضات بإلزامه المشغلين بإبرام عقود تأمين عن  المسؤولية  عن  حوادث الشغل، إلا أن شركات التأمين  تماطل باستمرار في تنفيذ الأحكام، مما يضطر معه المحكوم لهم  للانتظار طويلا، ولايفيدهم حتى الحكم بالغرامة  اليومية المحددة  في القانون

إذا تعلق الأمر بحكم بالتعويض في إطار حادثة سير سواء صدر عن القضاء الجنحي أو  المدني  فإن  معاناة المحكوم له في مواجهة شركة التأمين معاناة خيالية بسبب المماطلة والتسويف من طرف شركات  التأمين واختلاق الأعذار المختلفة للامتناع عن التنفيذ فورا.

وفضلا عن ذلك تتركز جميع شركات التأمين  في مدينة الدار البيضاء،  مما يؤدي إلى  تركيز مصلحة التنفيذ ضد هاته الشركات في المحكمة الابتدائية بنفس المدينة؛ التي تصلها آلاف  الانتدابات  لتنفيذ الأحكام من جميع محاكم المملكة وهي وضعية أثارت منذ عدة سنوات استياء واحتجاج هيئات  المحامين  على الوضعية التي تعرفها ملفات التنفيذ بقسم التنفيذ بالمحكمة المذكورة.

وقد اعترفت وزارة العدل بخطورة هذه الوضعية، والارتفاع المخيف للأحكام القضائية التي تنتظر  التنفيذ ضد شركات التأمين، مما دفعها إلى إحداث مصلحة خاصة بهذا التنفيذ لدى المحكمة الابتدائية  بالدار البيضاء تكلف فقط بتنفيذ الأحكام الواردة من مختلف المحاكم في إطار الانتدابات القضائية ضد  شركات التأمين. وقد ساهم هذا الإجراء في تخفيف نسبي لأزمة التنفيذ المتعطل والمتأخر، ولكن دون  القضاء على الظاهرة التي ما تزال قائمة ومستمرة بعد مرور مرحلة الحماس الأولى المرفوقة بالإعلام  الدعائي لها.

  تنفيذ الأحكام العينية : نقصد بالأحكام العينية الأحكام القاضية إما بإفراغ شخص من  عقار  أو  بإرجاع حالة إلى ما كانت عليه أو القيام بعمل، أو في حالة الأحكام الاجتماعية بإرجاع  العامل المطرود لعمله.

لا توجد في قانون المسطرة المدنية مقتضيات خاصة لمثل هذه الحالات التي يظل البحث عن وسائل لحلها رهينا بكفاءة العون وسلطة رئيس المحكمة أو القاضي المكلف بالتنفيذ على ضوء  الإمكانيات  القانونية  والمادية التي حددها القانون

وأهم هذه الإمكانيات في الصورة الأولى (وهي الإفراغ)، هي تسخير القوة العمومية  ومساعدتها  لعون  التنفيذ على إنجازه .

وتكمن صعوبة هذه الطريقة أو المسطرة في نظام الحصول على استعمال القوة العمومية،

إذ يعود القرار الأخير في ذلك إلى عامل العمالة أو الإقليم، وهو ممثل الملك فيهما.  وقد  أثبتت  التجربة  أن  عمال الأقاليم  والعمالات  يترددون كثيرا ويتأخرون  في الموافقة علي تسخير  القوة العمومية  تفاديا لأخطار ردود الفعل غير المحسوبة من طرف المحكوم عليه، وأحيانا اعتبارا لظروف ومواعيد  اجتماعية أو دينية تمتنع السلطة  فيها عن استعمال القوة العمومية (رمضان أو أعياد دينية أو وطنية).

يظل الحكم بإرجاع عامل مطرود إلى عمله؛ أحد الأحكام التي يستحيل تقريبا تنفيذها لامتناع المشغل  عن إرجاع العامل، وبالتالي فإن أقصى ما يمكن للمحكوم له القيام به هو الرجوع من  جديد إلى  القضاء ورفع دعوى طلب التعويض عن الامتناع عن التنفيذ؛ وعند الاقتضاء اعتبار ذلك قرينة على كون الفصل تعسفيا مع ما يترتب على ذلك من نتائج قانونية ومالية.

التنفيذ ضد أشخاص القانون العام: يعتبر التنفيذ ضد أشخاص القانون العام بالمغرب أكثر صعوبة من  التنفيذ ضد أشخاص القانون الخاص  بسبب عدم وجود نظام واضح وعادل لإنجازه  إذ لم يتعرض  قانون المسطرة المدنية المغربي صراحة لصيغ خاصة بالتنفيذ ضد أشخاص القانون العام ، كما أن رفض  الإدارة، المفترض فيها احترام القانون، تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها، عنصران  يجعلان  من التنفيذ ضد أشخاص القانون العام  معضلة حقيقية وينشيء صعوبات في وجه المحكوم لهم  وفي وجه أعوان التنفيذ أنفسهم.

وهناك عدة أسباب تقوي موقف الإدارة السلبي؛ منها ما يعود للتنظيم القانوني لها ولأموالها،  ومنها مايعود لقوة سلطة الإدارة نفسها.

والواقع أن موضوع التنفيذ ضد الإدارة ليس حديثا أو جديدا أو حتى مرتبطا بالمحاكم  الإدارية،  فقد وقع الاهتمام به منذ سنوات طويلة بطريقة ما زالت لحد الآن هي المعتمدة من لدن الإدارة في  التنفيذ

فخلال فترة الاستعمار صدر نصان قانونيان لم يلغيا إلى يومنا هذا وهما ظهير 14-06-1914  بشأن التنفيذ ضد المؤسسات العامة وظهير14-06-1944  بشأن التنفيذ ضد الخزينة العامة أو الإدارة  المحلية . ويشترك النصان معا في قاعدة  جوهرية مفادها تقييد التنفيذ  ضد الإدارة بشرط إيداع كفالة  مالية تضمن للدولة في حالة إلغاء الحكم استرجاع ما نفذته من قبل. وهذا القيد العسير الذي تتمسك  به  الخزينة العامة يعطل فعالية الحكم القضائي.

ورغم الاختلاف القانوني البين بين الإدارات العامة وبين أشخاص القانون العام الآخرين ذوي الشخصية القانونية والاستقلال المالي، فإن معضلة تنفيذ الأحكام القضائية واحدة ضدهم جميعا،  ومصدرها  الرئيسي  أن أموالهم غير قابلة للحجز عليها أو تفويتها، وبالتالي فإن التنفيذ على الإدارة يبقى  رهينا  بإرادتها وموافقتها على التنفيذ بتلقائية وطواعية.

قد حاول القضاء المغربي  ولمواجهة هذه المشكلة  إيجاد حل توفيقي بالتمييز  بين أموال الإدارة  العمومية  لدى الخازن العام أو منقولاتها، وبين أموال المؤسسات العمومية ذات الاستقلال المالي  والإداري،  فاعتبر الأولى غير قابلة إطلاقا للحجز، بينما اعتبر الثانية قابلة له في حدود ضيقة.

ومن جهة أخرى عزز القضاء كذلك حماية الأحكام الصادرة عنه باعتماد نظام الغرامة  التهديدية  ضد  الإدارة لإجبارها على التنفيذ لكن هذه الوسيلة نفسها لم تفد كثيرا بسبب عدم وضوح النص وعدم  استقرار العمل القضائي على جواز فرض الغرامة التهديدية ضد الإدارة.

وقد شعرت الدولة بخطورة هذه الوضعية ومدى أثرها السلبي السيء على الصورة التي  تريد  تسويقها  عن نفسها وهي صورة دولة القانون، فوجه وزراء أولون متتابعون مذكرات في شكل مناشير إدارية  سنوات 93، 98 ، 99 لحث الإدارات العمومية والمؤسسات العمومية  والجماعات المحلية على تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها ومطالبتها بتخصيص اعتمادات مالية كافية في الميزانيات السنوية لضمان تنفيذ الأحكام القضائية. ومع ذلك فالمشكلة ما تزال قائمة وملحة.

إن مشكلة عدم تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية تزداد تعقيدا بحسب ماهية الحكم نفسه في إطار قضاء  الإلغاء أو القضاء الشامل. فتنفيذ حكم بإلغاء  قرار بعزل  موظف  مثلا يعني  عودة الموظف  المعزول  لعمله مع الآثار القانونية  والمالية لذلك، وهو مشكل في حد ذاته،  لأنه يجبر الإدارة  على إعادة  الموظف إلى المنصب أو الوظيفة التي كان فيها قبل   قرار العزل وهو لا يكون عادة ممكنا.

أما تنفيذ أحكام القضاء الشامل فهو أقرب إلى تنفيذ الأحكام المدنية أو التجارية بالأداء أو  التعويض حيث يكون التنفيذ ضد مالية الدولة مع ما يرتبط لذلك من تعقيد المساطر الإدارية الخاصة  بالالتزام بالنفقات وأدائها، مما يدخل المحكوم له في دوامة من الإجراءات والانتظار والمعاناة مع مصالح  الخزينة العامة أو المحاسبين المعموميين للمؤسسات  العمومية المستقلة أو الجماعات المحلية.

4-4-3 جهاز تنفيذ مناسب

التنفيذ عملية قانونية تتم وتتحقق عن طريق أجهزة وأشخاص مكلفين بذلك ومؤهلين  له.  ويستفاد   من مقتضيات قانون المسطرة المدنية المنظم للتنفيذ ومن واقعه لدى المحاكم المختلفة وعبر  ردود  الفعل المتوالية للمحامين وعموم الواطنين، أن التنفيذ يعاني، بالإضافة لما سبق، صعوبات أخرى  ناجمة  بصفة بصفة أساسية عن أسباب مؤسساتية مرتبطة بالأجهزة والهيئات المخولة صلاحيات  واختصاصات  القيام بالتنفيذ ورقابتها.

فهيأة أعوان التنفيذ الموظفين عاجزة، بسبب قلة عدد العاملين والإمكانيات المادية المخولة لهم،  عن مواجهة آلاف طلبات التنفيذ.

وهيأة الأعوان القضائيين المستقلين، التي أنشئت خصيصا لمواجهة هذه المعضلة، هي نفسها  أصبحت متجاوزة بسبب عدم كفاية عددهم، وعدم وجودهم في جميع المحاكم.

إلى جانب ذلك فإن مراقبة عمل الهيئات والمصالح المكلفة بالتنفيذ لدى مختلف المحاكم  تطرح  هي  أيضا مشكلة جوهرية. فقد كانت المراقبة إلى عهد قريب موكولة إلى رؤساء المحاكم الذين لم يكن  باستطاعتهم، نظرا لمهامهم الكثيرة، الإشراف بصورة كافية وفعالة على مصالح التنفيذ؛ ولم  يكن  بإمكانهم التدخل إلا عندما يشتكي شخص لديهم. وقد حاول المشرع تفادي هذه الوضعية  بإحداث مؤسسة القاضي المكلف بإجراءات التنفيذ.

ورغم ايجابية هذا التطور في نظام التنفيذ القضائي  إلا أنه تطور  محدود لعدم تحديد  واضح وصريح  ودقيق للطبيعة القانونية لمهام هذا القاضي واختصاصاته وارتباطاتها أو  اختلافها  مع  صلاحيات  رئيس المحكمة.

4-4-4   معايير اختبار محددة وموضوعية لموظفي جهاز التنفيذ

يتكون جهاز التنفيذ لدى المحاكم المغربية  من فئتين من العاملين؛  هما فئة أعوان  التنفيذ المنتمين  لموظفي المحاكم؛ وفئة الأعوان  القضائيين المستقلين.

ففيما يتعلق بأعوان التنفيذ من الفئة الأولى؛ لا توجد معايير خاصة أو مواصفات  أو شروط  معينة  أو مؤهلات مطلوبة في اختيارهم. ويرجع الأمر في ذلك إلى سلطة رئيس  المحكمة فقط.  بل لعل  الشروط المتطلبة في توظيفهم لا تسمح بتحقيق الجودة في الاختيار بالنظر للمستوى التعليمي  المطلوب في المترشحين لمثل هذه الوظائف .

أما فيما يتعلق بفئة الأعوان القضائيين المستقلين، فقد حدد القانون المحدث لهذه المهنة  شروطا  للقبول  فيها وأخرى للترخيص في ممارستها.          ويفترض طبقا لهذه الشروط تحقيق الجودة والفعالية في المهام وفي الإنجاز. لكن رغم ذلك فإن  المعاناة ما تزال قائمة وربما تتفاقم؛ مما يقتضي تدخل تشريعيا لتطوير نظام التنفيذ بشكل عام، والنظام  القانوني للقائمين عليه، وتحسين الوسائل والإمكانيات المخولة لهم للقيام بمهامهم في أحسن الظروف.

 

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super