الحكامة المحلية

الحكامة المحلية

تقديم :

 

في إطار مناخ عالمي مليء بالأحداث المؤثرة في الواقع وصيرورته، يجد المغرب نفسه أمام تحديات تحتم عليه إيجاد مناخ ديمقراطي يشجع النقاش وحرية التعبير عن الأفكار والآراء.

ولأجل مواجهة هذه التحديات، عرفت المؤسسات السياسية بالمغرب طفرة حقيقية تمثلت بالأساس في:

– تنظيم انتخابات ديموقراطية وتقوية سلطات البرلمان في مجال مراقبة العمل الحكومي.

– إحداث مجلس استشاري لحقوق الإنسان، يضم ممثلي جميع الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية؛

– تعديل قوانين الحريات العامة؛

إضافة إلى تحديات اقتصادية فرضها واقع العولمة الجارف والذي جعل المغرب في درجة 125 من حيث التنمية الاقتصادية والبشرية على المستوى العالمي؛ كما أنه يعاني من 55% من الأمية و%15 من سكانه النشيطين، فقد أصبحت مسألة الحكامة في قلب مشروع العصرنة والمرتبطة بالأساس بالاقتصاد والمجتمع؛ هذه الدينامية تسترعي قسطا هاما من الاهتمام والنقاش بين أوساط الرأي العام، وذلك لعدة أسباب يمكن إجمالها عموما في:

الالتزام القوي لجلالة الملك محمد السادس الرامي إلى تسريع وثيرة التغيير من أجل الحفاظ على مجتمع قوي وموحد و من أجل تكريس ثقافة القرب والمشاركة والتشارك.

غير أن المحيط المتغير الذي نعيش فيه والذي يستهدف إيمانا جماعيا من طرف المجتمع المدني ومختلف الفاعلين الاجتماعيين، وضرورة رفع المغرب لمجموعة من التحديات والمرتبطة بالعولمة؛ يجد نفسه أمام أصوات مرتفعة وطلبات متعددة لملاءمة الواقع مع التحولات المؤسساتية وأدوار الفاعلين في التنمية المحلية.

وفي مواجهة هذه التحديات، وبهذه الإرادة الهادفة إلى السير إلى الأمـــــام، فإن المقاربة الجديــــدة المتمثلة في الحكــــامة، تصطدم بواقع مريـــر تملئ جوانبه ظواهر متعددة متمثلة في البيروقراطية الإدارية التي تنخرط في كل ما هو دامس من أجل الحفاظ والاحتفاظ بكل وضعية تذر امتيازا، إضافة إلى النقص على مستوى الحياة السياسية، وأيضا الأحزاب السياسية التي أضحت تكرس واقع الانتهازية لتقوي بشكل كبير سوء تسيير واضح على مستوى تدبير الشأن المحلي.

ففي ظل هذه البيئة يطرح التساؤل كيف يمكن تحقيق تنمية تؤسس لحكامة محلية جيدة وفي مستوى التطلعات؟ كيف يمكن لنظام حكامة محلية جيدة أن تساهم في تعميق الإصلاحات اللامركزية الجارية بالمغرب؟ وكيف يمكن تحسيس المجتمع المدني بالمسؤولية الملقاة على عــاتقه؟

والإجابة على هذه التساؤلات ستساهم لا محالة في تنمية الأبعاد الأساسية للحكــامة المحلية بالمغرب، ووضع الدور الجديد للدولة ضمن إطار يسمح بضمان صيرورة مسلسل اللامركزية واللاتمركز.

وقبل الإجابة على هذه التساؤلات نرى من الأفيد توضيح وتحديد مجموعة من المفاهيم المرتبطة بالحكــامة…

الحكــامة هي أولا وقبل كل شيء تعبير عن ممارسة السلطة السياسية وإدارتها لشؤون المجتمع وموارده، وهذا هو التعريف المعتمد من طرف أغلب المنظمات الدولية.

وهو في واقع الأمر مفهوم قديم يدل بالأساس على آليات ومؤسسات تشترك في صنع القرار.

ومنذ عقدين طرأ تطور على هذا المفهوم وأصبح يعني حكم تقوم به قيادات سياسية منتخبة وأطر إدارية كفأة لتحسين نوعية حياة المواطنين وتحقيق رفاهيتهم، وذلك برضاهم وعبر مشاركتهم ودعمهم.

 

شروط الحكـــامة

من أجل أن تقوم الحكامة لا مناص من تكامل عمل الدولة ومؤسساتها والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، إذ لا يمكن أن نتحدث عن الحكامة دون تكريس المشاركة والمحاسبة والشفافية. ولا وجود للحكامة إلا في ظل الديمقراطية أو السيادة الشعبية. والحكامة تستوجب وجود نظام متكامل من المحاسبة والمساءلة السياسية والإدارية للمسؤولين في وظائفهم العامة ولمؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، والقدرة على محاسبة المسؤولين عن إدارتهم للموارد العامة وخصوصا تطبيق فصل الخاص عن العام وحماية الشأن العام من تعسف واستغلال السياسيين.

 

أولا: الحكامة والمجتمع المدني

لعل الإشعاع الذي أضحى يعرفه المغرب في الآونة الأخيرة على مستوى حقوق الإنسان والحريات العامة جعله في قلب الحدث الديمقراطي، وجعل الجميع مقتنعا بأن مجهودات التحديث لن تتأتى إلا بالمشاركة المتزايدة للسكان في تدبير الشأن العام “والديمقراطية التشاركية” وفي إدارة مميزة لتشجيع انخراط المجتمع المدني بصفة عامة بشكل فعلي وجدي كطرف فاعل في التغيير، الشيء الذي يؤكد حقيقة الرغبة في إطلاق العنان للمبادرات الحلية، وفتح المجال أمامها لتحمل المسؤولية في اتجاه تبني مبادئ التفاوض والتشارك لإبراز مؤهلات الإبداع والخلق في سبيل خدمة التنمية التشاركية.

وفي هذا الإطار، الذي يجعل من الحكامة واقعا ليس فقط مرغوبا فيه بل أمرا حتميا وضروريا لمواصلة النهج الديمقراطي الذي سلكته البلاد بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، فإن المجتمع المدني قد عبر عن انخراطه في المسلسل المذكور من خلال اشتغاله ميدانيا وتحمسه لكل مبادرة عنوانها المصلحة العامة.

وبناءا على ذلك فإن موقع الحكامة مجاليا، يحتم الأخذ بعين الاعتبار كل أشكال المبادرة والمواطنة في تسيير الشأن المحلي من خلال إعطائها كامل حقها بل والزيادة فيها مؤسساتيا على ضوء تنوير المسلسل الديمقراطي الجاري ببلادنا.

ومن هذا المنطلق ينبغي الاعتراف بأن العمل الجمعوي هو حقيقة التكامل مع العمل الحكومي، لأن عدم إشراك المواطنين في المسؤولية يفرغ الديمقراطية من كل معنى حقيقي لها وبالتالي يحيل على بيروقراطية سهلة تكون عواقبها وخيمة وفيروسا مجتمعيا يجر كل الشوائب والظواهر غير الصحية.

والحديث عن المجتمع المدني، لا ينبغي فهمه بالمعنى الضيق وحصره في المنظمات غير الحكومية والتي في الغالب تأخذ أشكال منظمات بيروقراطية، بل في اعتقادنا يجب أن تتكثل حول مشاريع موحدة، إنعاش مبادرات الجمعيات، مجموعات الأشخاص والجمعيات المتخصصة على شروط ووسائل النجاح وبالتالي الحصول على تفاعل بين السلطة العمومية والفاعليين الاقتصاديين والاجتماعيين.

إن سياسات التحرير وتحرر الدولة من التزاماتها قد أصبحت تفهم أكثر فأكثر على أنها وسيلة إعادة تزويد الأفراد والمقاولات بقدرة على المبادرة الجديدة، ويدخل ضمن هذا الإطار السهر على حماية حقوق وحريات المواطنين كإطار ترتبط وثيرته ونتيجته بالتقاليد السياسية والإدارية، فارتقاء المواطن من مرحلة يكون فيها مجرد مسير إلى درجة مواطن يتوفر على حقوق جديدة يشكل قفزة نوعية تستدعي تغييرا في العمق للعقليات، إن من جانب الموظفين أو المواطنين المستعملين ذاتهم حيث يبقى الأوائل مطالبون بالامتناع من اللجوء إلى تصرفات سيادية، والفئة الثانية مطالبة بالتخلي عن موقفها السلبي لتصبح شريكة بحصة كاملة؛ ومثل هذا التغيير هو وحده الكفيل بجعل المواطن قادرا على تشجيع القيم الأخلاقية والعدل واحترام المساواة في حياتهم اليومية وخلال الحياة اليومية المعاشة.

 

ثانيا: الحكامة و اللامركزية

إن خيار اللامركزية و الفضاء المحلي كمشروع مجتمعي مستقل قائم على المشاركة الشعبية يتطلب جملة من السياسات والمقومات السياسية والتمويلية والإدارية.

فلا غرو والحالة هذه، إذا ما استحوذت مفاهيم اللامركزية والحكم المحلي والإدارة المحلية والمقاربة التشاركية على الخطاب السياسي للدول والمؤسسات الدولية طوال العقد الأخير من القرن الماضي بحكم عمق وعيها بتعقد وجسامة المسار المفضي، بصرف النظر عن العوارض الوطنية إلى ازدهار مجموعاتنا وجماعاتنا الترابية وذلك في سياق يتسم بالاعتماد المتبادل.

فمن منظور التنمية البشرية، فإن الفضاء المحلي يؤدي افتراضا إلى زيادة فرص الارتفاع بالمستوى المعيشي، وذلك من خلال توسيع خيارات وأفضليات الفرد والجماعة في المجتمع المحلي. فمن المفترض أن الإدارة اللامركزية تكون قادرة أكثر من نظيرتها الإدارة المركزية على التحكم لتوفير البيئة والآليات اللازمة لاستخدام أمثل للموارد المتاحة والابتعاد عن التبذير، حيث أن التخطيط المحلي يمكن من القيام بإجراء تقديرات حقيقية لحجم ونوعية الطلب بصورة أدق مما يقوم به لتخطيط المركزي، وبالتالي فالنتيجة الحتمية أن التسيير المحلي لا شك أن يوفر خدمات مطابقة لخيارات السكان وأوضاعهم.

فإذا كان عامل القرب إلى المواطنين عاملا أساسيا ومحددا للتوجه الصحيح لأي بادرة، فإن توفر نخب مؤهلة ومكونة يجعلها تتوفر على قدرات تحليلية ومعلومات أكثر التصاقا لتشخيص الإمكانيات المحلية للتنمية وفهم طبيعة ونوعية خيارات وأفضليات السكان المحليين، ومن تم تكون قادرة على صياغة خطط محلية وبرامج و مشروعات تستجيب لطموحات وتطلعات المواطنين، بل وتكون قادرة على وضع استراتيجيات متوسطة وبعيدة المدى لتطوير الإمكانيات التنموية المحلية و ضمان نمو اقتصادي مستديم.

ولعل البعد الأكثر أهمية لارتباط اللامركزية بالنهوض بالتنمية البشرية يأتي من خلال زيادة الكفاءة الإنتاجية بمعناها الواسع ومن التمكن من وضع آليات المساءلة والمحاسبة والحد من الروتين وتطبيق مبدأ الشفافية في المعاملات والحد من مظاهر الفساد الإداري والمالي.

ومثل هذا المنظور الرامي إلى تحقيق كفاءة إنتاجية عالية من اعتماد اللامركزية في مفهومها الواسع لن يمكن ترجمته على أرض الواقع ما لم يكن مؤ طرا بمشاركة المواطنين، بحيث يصبحون على المستوى المحلي واعين كل الوعي بكيفية توظيف الموارد واستخدام المال العام، وعلى دراية بما يتم التخطيط له من برامج ومشروعات محلية وبالتالي تكون قادرة على مراقبة ومتابعة و تقييم عملية الإنجاز بصورة أكثر التصاقا وأمانة مقارنة مع ما يجري في الخطط المركزية المعروضة من أعلى.

ولعل الأهم إذن، هو ارتباط اللامركزية بالعدالة الاجتماعية عن طريق التنمية المحلية القائمة على المشاركة السياسية، فالمجالس الجماعية كوحدات ترابية ستكون مهتمة بتوفير الخدمات العامة بصورة عادلة. وقد لا تكفي أنماط الديموقراطية الشكلية في تحقيق ذلك ما لم تكن هناك مشاركة سياسية حقيقية ومباشرة لجميع الفئات الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، فإن الحكامة تقتضي مجموعة من الرقابات لإنجاح خيار اللامركزية، بدءا من ضرورة التحكم الفعلي للمواطنين المحليين، سياسيا وفنيا بما يتم التخطيط له وكذا التأكد من تأسيس وتطبيق نظم إدارية تتسم بالمرونة والشفافية وبالشكل الذي تضمن معه الرفع من مستوى الكفاءة الإنتاجية للعاملين.

وخلاصة القول إن واجب المواطنين في عملية البناء وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، وذو فوائد تتمثل بالأساس في منح أصحاب المصالح مساحة أكبر للتعبير عن آرائهم، ووضع آراء السكان الفقراء والمهمشين في الاعتبار عند وضع القرارات المتعلقة بالسياسة أو البرامج.

د। طارق اتلاتي

 

* حوار لجريدة “بيان اليوم ” مع الدكتور طارق اتلاتي، رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث

 

حكومة الأستاذ عباس الفاسي وملفات الاصلاح السياسي والحقوقي والمؤسساتي والديني

 

الاستراتيجية الأحزاب يغلب عليها في الاختيار القرابة من موقع القرار وتطييب الخواطر والإرضاءات وتغليب الطموحات غير الشرعية بدل فتح المجال للطاقات والكفاءات الحكومة ستكون في وضع لا تحسد عليه من خلال التحديات الكبيرة التي تنتظرها 1) بداية، ماذا يمكن القول عن انتخابات السابع من شتنبر؟ الحديث عن انتخابات السابع من شتنبر، يحتم التذكير بالسياق الذي جاءت فيه الأخيرة، فهي محطة مهمة في تاريخ المغرب ورهان كان يتوخى منه الاستمرار في مسلسل التحول الديموقراطي الذي يعرفه المغرب، والذي تأسست أرضيته بالتوافق التاريخي بين جلالة الملك والأحزاب الديموقراطية والوطنية، وبالمقابل كانت تحمل أيضا عبء -لاقدر الله- تسجيل تراجعات عن كل المكتسبات التي حققت إلى اليوم। في اعتقادي أن هذه الانتخابات وإن كانت في مجملها مقبولة، من خلال شهادة المراقبين الأجانب الذين قالوا عنها أنها شفافة و كذا الاتحاد الأوروبي والمجموعة الدولية؛ فقد شابتها عيوب حتى قبل انطلاقها وذلك في مرحلة التهيء والتحضير من خلال التشاور مع الأحزاب؛ فبالنظر إلى البرلمان هو مؤسسة تشريعية مهمتها إنتاج القوانين والمصادقة عليها بمعنى التنظير للمجتمع والتحكم في سرعة تطوره؛ غير أن هذا الحق والاختصاص الدستوري، قد أبطلت مفعوله الدولة من خلال رفض وزارة الداخلية في لجنة الانتخابات بمحلس النواب الرفع من المستوى التعليمي للمرشحين من الشهادة الابتدائية إلى مستوى أعلى وتبرير ذلك بأن الأمر قد حسم في سنة 2002• وبالتالي الانطباع الذي صار سائدا لدى عموم المواطنين هو أن من هب ودب بل وكل من سولت له نفسه يمكن أن يدخل غمار التجربة، وهو ما أسميه بالديموقراطية الفوضوية عكس الديموقراطية الصحيحة التي توضع لها ضوابط ومعايير। 2) هل يمكن الجزم بأن استعمال المال قد أفسد العملية الانتخابية؟ حقيقة أن انتخابات السابع من شتنبر كما أسلفت كان حولها – عموما -إجماع بنجاحها،غير أن مالا يمكن نفيه ، هو أن استعمال المال كان حاضرا ولو لم يكن بالقدر الذي تعودنا عليه في العهد السابق، ويكفي أن ننظر إلى الأحزاب بكل توجهاتها سواء كانت يمينية أو يسارية أو غيرها- اللهم بعض الاستثناءات- لنجدها في الغالب لم ترشح منا ضليها بل على العكس من ذلك استقدمت الأعيان والذين لا تربطهم بالحزب أية علاقة، ما كان يهم فقط هو تحقيق المسألة الرقمية المتمثلة في الحصول على فريق يمكن من الدخول في مشاورات على المناصب الوزارية। فالأعيان خلال هذه الانتخابات غيروا من مفهوم السياسة في المغرب كبلد قطع أشواطا طويلة في سبيل تحقيق المكتسبات التي وصل إليها اليوم؛ لأن استقدامهم جعل في غالب الأحيان المنافسة تخرج عن الإطار المرسوم لها في سبيل ممارسة الديموقراطية الصحيحة لتنحو منحى المضاربة بالمال لا بالأفكار والبرامج। 3) وما ذا يمكن القول عن نتائج هذه الانتخابات؟ أكيد أن نتائج الانتخابات كانت مخيبة للآمال، ولكن بالنسبة لي على الأقل، لم تكن لا مفاجئة ولا خارج إطار المتوقع؛ ففي شهر يونيو أي شهرين قبل موعد انطلاق العملية الانتخابية، استدعيت من طرف منتدى لحقوق الانسان بكلية الحقوق عين الشق بالدار البيضاء في موضوع حول السياسة وعزوف الشباب، وفي معرض تحليلي للنتائج المرتقبة لهذه الانتخابات، قلت إنني أتوقع عزوفا ليس فقط للشباب ولكن لمختلف الفئات، وبنسبة تتراوح بين 60 بالمائة و70 بالمائة، ونسبة أصوات ملغاة تقارب المليون، وأضفت أنني أخشى أن لا نكون بعيد ين عما أفرزته الانتخابات في الجزائر من نتائج؛ ويبدو أن ديكتاتورية الجوار قد تحكمت ولو أن الأسباب تختلف والمعطيات على جميع الأصعدة تعطي المغرب متفوقا بشكل كبير। وحتى الدولة كانت تتوقع ذلك، لهذا وظفت كل الإمكانات المادية والبشرية للتحسيس بأهمية الانتخابات والظرفية الحساسة التي يمر منها المغرب، وبدا واضحا أن عددا كبير ا من الأحزاب السياسية لم تكن قادرة على لعب دور تأطير وتعبئة الجماهير وحثهم على المشاركة، فاستقدمت لهذه المهمة حمعية تسمى 2007 دابا، هذه الأخيرة التي حققت أسوأ النتائج بل وبذرت الأموال بشتى الأشكال دونما نتيجة ونفرت المواطن من خلال بعض التقنيات الإعلامية المستعملة। 4) في اعتقادكم، هل التأخير في المشاورات من أجل تشكيل الحكومة كان أمرا عاديا؟ تشكيل الحكومة الحالية استغرق مدة زمنية، ونظرا لكون الشارع المغربي زاد تشويقه مع مرور الأيام وكذا العياء الذي خلفه عليه الشهر المبارك، جعله يشعر بالملل، والواقع أن المدة الزمنية بالنظر إلى واقع التدبير الحزبي هي مقبولة؛ فمجموعة من الأحزاب تتعامل بمنطق براغماتي ولا تستطيع رسم تحالفاتها بناء على التوجهات أو البرامج، كل ذلك يجعلها تنتظر النتائج النهائية। وباختيار جلالة الملك لوزير أول تدخل في معادلة صعبة لتوزيع عدد المناصب الوزارية ومحاولة إرضاء المتشاورين، حيث يغيب المنطق وتغيب الرؤى السياسية الواضحة وتتم إعادة رسم مشهد سياسي جديد للمغرب। والسبب الثاني في اعتقادي لتوالي المشاورات وعدم الحسم، يرتبط أساسا بشخص الوزير الأول ومدى الكاريزم الذي يتوفر عليه، فالتردد وتسرب أنباء عن لوائح بأسماء متنوعة ولمرات عديدة كله أمر لا يخدم شخصية الوزير الأول، لكون المتتبع للمشهد يعتبر أن مسار المفاوضات ينفلت من يده، الأمر الذي تأكد من خلال الحسم الملكي بعدما بدا واضحا أن الأمور بدأت تسوء فعلا، وأن هذه الحكومة لن تتشكل وقد افتتح البرلمان في دورته الخريفية। 5) كيف تنظرون إلى هذه الحكومة ؟ وماهي انتظارات الشعب المغربي منها؟ الحكومة الحالية بالشكل الذي هي عليه، تبدو هجينة وهو الأمر الذي سيصعب بل يعقد من مأمورية الوزير الأول، بل سيحد من اختصاصه ويجعله أحيانا خارج الدائرة। وهنا ستطرح إشكالية دستورية أخرى بعد ما عرفه الفصل 24 من جدل، وهي المتعلقة بتفعيل الفصل 65 من الدستور والذي بمقتضاه يقوم الوزر الأول بدور التنسيق؛ فالأمور التي لم تستطع الكثير من الأحزاب أن تستوعبها هي أن المنجزات والأوراش الكبرى في المغرب يشرف عليها جلالة الملك مباشرة وبالتالي طبيعي أن يظهر الوزير الأول أصغر حجما داخل تشكيلته। إن التوجه الملكي واضح منذ فترة زمنية لابأس بها وهي إعطاء الأولوية للتقنيين المتخصصين في مجالات متعددة على حساب السياسيين، وذلك بغرض ربح الرهان التنموي والتنافسي، انطلاقا من كون العالم الحزبي يغلب عليه في الاختيار القرابة من موقع القرار وتطييب الخواطر والإرضاءات وتغليب الطموحات غير الشرعية بدل فتح المجال للطاقات والكفاءات داخل الحزب التي تستحق أن تمثل الأحزاب تمثيلا مشرفا وليس فقط من أجل التنميق وإعطاء الصورة بأن المجال مفتوح أمام الشباب ولو كانوا غير مؤهلين لا تقنيا ولا سياسيا। اعتقادي الشخصي أن الأحزاب نالت عدديا في هذه الحكومة ما تستحقه بالنظر إلى النتائج المحصل عليها في الانتخابات। 6) وماذا عن الانتظارات المرجوة منها؟ بالنظر إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي، فإن هذه الحكومة ستكون في وضع لا تحسد عليه من خلال التحديات الكبيرة التي تنتظرها، فقد د شنت هذه الحكومة بدايتها على إيقاع الاحتجاجات والتظاهرات التي وصلت إلى حد التصادم العنيف بشأن الارتفاع الصاروخي والمهول لأسعار المواد الغذائية، وتأثير اتفاقيات التبادل الحر على الأوضاع الاجتماعية بشكل أساسي। الأكيد أن مهمة الحكومة ستكون جد عسيرة، وسيتطلب منها الأمر جهودا مضاعفة في سبيل رفع مجموعة من التحديات المرتبطة أساسا بالحد من ظاهرتي الفقر والإرهاب।

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super