قضاء فحص شرعية القرارات الادارية بالمغرب

مقدمة :

بعد حصول المغرب على استقلاله بدأ نظامه القضائي يتطور شيئا فشيئا، وذلك من خلال استجماع قواه والبحث عن مقومات الهيكلة الجوهرية لخصائصه لاسيما مع إحداث المجلس الأعلى بمقتضى ظهير 27 شتنبر 1957 الذي دشن لعهد جديد في مسيرة القضاء الإداري المغربي بنصه في الفصل الأول منه على اختصاص المجلس الأعلى بالبت في الطعن بالنقض ضد الأحكام الانتهائية التي تصدرها جميع المحاكم والطعون الرامية إلى إلغاء القرارات الصادرة عن السلطة الإدارية من أجل الشطط في استعمال السلطة، وهكذا توالت الأحداث بتوزيع الاختصاصات في المادة الإدارية سواء منها الاختصاصات القديمة والمتمثلة في قضاء الإلغاء والقضاء الشامل أو الاختصاصات الجديدة والتي تم استحداثها مباشرة بعد إنشاء المحاكم الإدارية، يتعلق الأمر هنا بالقضاء الإداري الاستعجالي من جهة. ومن جهة أخرى إعادة بعث وإحياء قضاء فحص الشرعية، والذي يختلف مع قضاء الإلغاء في العديد من المسائل بحيث إذا كان هذا الأخير يهدف إلى إلغاء قرار إداري غير شرعي بناء على طلب المعني بالأمر الذي له مصلحة في رفع الدعوى، فإن قضاء فحص الشرعية يمكن القاضي من النظر في الدعوى، من ذلك أنه يدفع بعدم شرعية تصرفات الإدارة فيقوم بالنظر في شرعية تلك التصرفات أولا، ليتمكن بعد ذلك من الاستمرار بالبت في الدعوى الأصلية. فإذا تبين له عدم شرعية القرار الإداري المعتمد عليه من قبل الإدارة استبعد تطبيقه في الدعوى المعروضة عليه.

كما يختلف قضاء الإلغاء عن قضاء فحص الشرعية في الآثار المترتبة عن كل واحد منها ذلك أنه يترتب عن الدعوى في القضاء الأول إلغاء القرار الإداري في المنظومة القانونية، أما بالنسبة لدعوى قضاء فحص الشرعية فالأمر يتعلق بعدم تطبيق القرار الإداري غير الشرعي بالنسبة لأطراف النزاع فقط.

وتكمن أهمية قضاء فحص الشرعية في كونه يعتبر البديل الطبيعي لغياب مراقبة مباشرة للشرعية قبل سنة 1957، ولهذا قلنا إعادة بعثه وليس ولادته بمعنى أنه كان متأصل، وفي هذا السياق اعتبر الأستاذ “دولوبادير” بأن الرقابة يمكن أن تتم عن طريق الإلغاء أو فحص الشرعية، وما دامت دعوى الإلغاء غير موجودة قبل إحداث المجلس الأعلى، أي قبل 1957، فإن السبيل إلى رقابة أعمال الإدارة يتم عن طريق دعوى فحص الشرعية، ونظرا لما يطرحه من صعوبات لدى القاضي وما يشهد من غموض ولبس سنعمل جاهدين على إبراز أهم معالمه وفقا للقانون المنشئ للمحاكم الإدارية رقم 90-41.

وبناء على ذلك سنعالج هذا الموضوع من خلال التصميم التالي:

 

المبحث الأول: تطور قضاء فحص شرعية القرارات الإدارية.

المطلب الأول: جذور قضاء فحص الشرعية 1913-1957.

المطلب الثاني: أزمة قضاء فحص شرعية القرارات الإدارية 1957-1993.

المطلب الثالث: إعادة إحياء قضاء فحص شرعية القرارات الإدارية بعد 1993.

المبحث الثاني: آثار وحدود تطبيق قضاء فحص شرعية القرارات الإدارية.

المطلب الأول: آثار تطبيق قضاء فحص شرعية القرارات الإدارية.

المطلب الثاني: حدود تطبيق قضاء فحص شرعية القرارات الإدارية.

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول: تطور قضاء فحص شرعية القرارات الإدارية

إن مبدأ مراقبة شرعية القرارات الإدارية من طرف المحاكم القضائية عرف منذ صدور ظهير 1913 المتعلق بالتنظيم القضائي، مما يستدعي تحديد طبيعته القانونية. ويجد هذا المبدأ مبرره بشكل أساسي في غياب الطعن من أجل الشطط في استعمال السلطة. لكن بإحداث المجلس الأعلى بمقتضى ظهير 1957 المنشئ للطعن بالشطط في استعمال السلطة عرف قضاء فحص الشرعية أزمة، على الرغم من أن المحاكم القضائية وهي تبت في المادة الإدارية تراقب كذلك مشروعية القرارات الإدارية.

وعلى هذا الأساس سنتناول هذا المبحث من خلال المطالب التالية:

المطلب الأول: جذور قضاء فحص الشرعية 1913-1957.

المطلب الثاني: أزمة قضاء فحص شرعية القرارات الإدارية 1957-1993.

المطلب الثالث: إعادة إحياء قضاء فحص شرعية القرارات الإدارية بعد 1993.

المطلب الأول: جذور قضاء فحص الشرعية 1913-1957  :

لقد عرف قضاء فحص الشرعية قبل إحداث المجلس الأعلى سنة 1957 تطورا همها لأن المحاكم خلال هذه المرحلة حاولت تعويض غياب الطعن بإلغاء القرارات الإدارية غير المشروعة والتخفيف من الآثار المترتبة من منع هذه المحاكم طبقا للفقرة الخامسة من الفصل الثاني من ظهير التنظيم القضائي من النظر في كل طلب يراد به إلغاء قرار صادر عن إدارة عمومية، وبذلك لم يبق للقاضي سوى الحكم على الإدارة بأداء مبالغ مالية.

ويطبق فحص الشرعية سواء في المادة المدنية أو التجارية أو الزجرية على اعتبار أنه لا يمكن تصور تواجد مخالفة تستحق العقاب في هذا المجال إلا إذا كان هناك قرار إداري غير شرعي.

وإذا كان مشكل تقدير شرعية القرارات الإدارية مطروحا منذ فترة الحماية فإن المحاكم المغربية حاولت اقتباس الخطوط الرئيسية للحلول الموجودة في القانون والاجتهاد القضائي الفرنسيين في الموضوع.

ورغم ذلك فإن القضاء المغربي قد أسس لقاء فحص الشرعية من خلال العديد من الأحكام القضائية.

وقد صرحت المحاكم القضائية باختصاصها في منازعات الدولة المغربية معتبرة أن الدفع بعد الشرعية يمكن قبوله بالنسبة لجميع القرارات الإدارية وبدون أي تحفظ، وقد ذهبت لأبعد من ذلك وميزت في إطار مراقبة المشروعية بين الظهائر القوانين والظهائر المراسيم.

والجدير بالذكر أن دعوى فحص شرعية القرارات الإدارية تختلف عن دعوى الإلغاء، بحيث إذا كانت هذه الأخيرة ترمي إلى إلغاء قرار إداري غير شرعي بناء على طلب المعني بالأمر الذي له مصلحة في رفع الدعوى، فإن دعوى فحص الشرعية تمكن القاضي من النظر في الدعوى، ويدفع بالتالي أمامه بعدم شرعية تصرفات الإدارة، فيقوم بالنظر في شرعية تلك التصرفات، أولا ليمكن من الاستمرار بالبت في الدعوى الأصلية، فإذا تبين لع عدم شرعية القرار الإداري المعتمد عليه من قبل الإدارة استبعد تطبيقه في الدعوى المعروضة عليه.

وبذلك يمكن القول أن عدم وجود طعن للإلغاء بسبب تجاوز السلطة خلال هذه الفترة لم يمنع المحاكم القضائية من مراقبة مشروعية القرارات الإدارية وبذلك لم يحل دون تركيز وترسيخ قواعد قضاء إداري مستقل.

وتكمن أهمية قضاء فحص الشرعية في كونه يعتبر البديل الطبيعي لغياب مراقبة مباشرة للشرعية، وفي هذا السياق اعتبر الأستاذ دولوبادير De Laubadére بأن الرقابة يمكن أن تتم عن طريق الإلغاء أو فحص الشرعية، وما دامت دعوى الإلغاء غير موجودة فإن السبيل إلى رقابة أعمال الإدارة يتم عن طريق فحص الشرعية.

وبإحداث الشطط في استعمال السلطة بعد إحداث المجلس الأعلى بموجب ظهير 27 شتنبر 1957 أصبح التساؤل يطرح حول مبررات استمرارية قضاء فحص الشرعية، لذلك يمكن القول بأن هذا القضاء منذ سنة 1957 أصبح يعيش أزمة استمرت إلى حدود إحداث المحاكم الإدارية سنة 1993، ليتم بعثه من جديد على أساس تشريعي.

المطلب الثاني: أزمة قضاء فحص الشرعية 1957-1993

بعد إحداث الطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة قيد المجلس الأعلى اختصاص المحاكم العادية في مجال فحص الشرعية بحيث أصبح في وسع المتقاضين منذئذ تقديم طلباتهم من أجل إلغاء القرارات الإدارية غير المشروعة.

وإذا كان بعض الفقه يعتقد أنه ثمة اعتبارين أساسيين يساهمان في الحفاظ على نظام فحص الشرعية أمام المحاكم العادية، يرتبط الأول بآجال الطعن بالإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة والتي تتميز بقصرها بحيث تحدد في 60 يوما، وبالتالي فإن الطاعن الذي يرفض طلبه بسبب عيب في قواعد المسطرة أو لوسائل غير مرتكزة على أساس، لا يمكن أن يقيم طعنا جديدا يصلح من خلاله الأخطاء المسطرية أو يقدم وسائل أخرى لعدم طلبه.

ويرتبط الاعتبار الثاني بالنقص الحاصل لدى الأفراد في العلم بوجود قرارات إدارية، حيث لا يعرف هؤلاء هذه القرارات إلا حينما يتم تطبيقها على وضعياتهم، إلا ان الفصل 8 من ظهير التنظيم القضائي لسنة 1913 يعتبر أنه للحكم على الإدارة من أجل إصلاح الآثار الضارة الناتجة عن أعمالها القانونية، يتعين بالضرورة على القاضي أن يفحص شرعية هذه الأعمال. لان عدم مشروعيتها هو الذي يشكل خطأ يترتب عنه مسؤولية الإدارة.

وعلى هذا الأساس، فقد اعتبر المجلس الأعلى بأنه لا يوجد أي نص قانوني يمنع من قيام المحاكم المنشأة سنة 1913 المختصة بالفصل في دعاوى المسؤولية المرفوعة ضد الجماعات العمومية بتقدير مشروعية قرار إداري عندما يكون هذا التقدير ضروريا لتحديد المسؤولية.

وفي نفس السياق، صرحت الغرفة الإدارية بأنه لا يوجد نص يمنع المحاكم المنشأة سنة 1913 بأن تقوم بتقدير مشروعية قرار إداري وعلى الخصوص القرار الذي يدفع بالتقادم الرباعي لديون الدولة.

إن من شأن إحداث الطعن من أجل الشطط في استعمال السلطة أن يعزز الحجج الرامية للحد من سلطة المحاكم العادية، لأنه كان من الممكن التأكيد على أن الطاعن الذي أصبح باستطاعته التماس إلغاء القرار غير الشرعي من طرف المجلس الأعلى، يتعين عليه استعمال تقنية طلب الإلغاء وإلا لن يسمح له فيما بعد برفع شكايته في نزاع آخر يدفع من خلاله بعدم شرعية هذا القرار.

إلا أن بعض الفقه يعتقد بأن هذا النقاش قد تم حسمه، لأنه في إطار الدعوى الإدارية وخصوصا عندما يتعلق الأمر بدعوى مسؤولية السلطة العمومية، فإن المحاكم القضائية يمكنها، بل ويتعين عليها تقدير شرعية القرارات الإدارية وبالتالي تأويلها.

ومهما يكن من أمر فإن الأزمة التي عرفها قضاء فحص الشرعية بعد إحداث الطعن بالإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة، والمتجلية أساسا في اختصاص المجلس الأعلى بالنظر في إلغاء القرارات الإدارية غير المشروعة بناء على طلب المعنيين بالأمر والذين لهم مصلحة في رفع الدعوى، لم يحل دون استمرارية فحص مشروعية القرارات الإدارية، لا سيما وأن الفصل في الدعوى الأصلية يتوقف أحيانا على فحص شرعية القرار الإداري.

ومن جهة ثانية فإن سلطة فحص الشرعية تعتبر اختصاصا اعترف به المشرع منذ سنة 1913 لجميع المحاكم.

ومن ذلك يمكن تسجيل بعض القيود بخصوص فحص الشرعية سواء في المادة المدنية حيث اعتبرت الغرفة الإدارية بأنه يتعين سلوك مسطرة الطعن بالإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة عوض دعوى فحص الشرعية ما دامت هذه الدعوى تؤدي إلى إلغاء القرار. ويتعلق الأمر في هذه النازلة بمختلف الأعمال التي تتخذ طابعا ماليا.

أما في المادة الزجرية قيدت اختصاصات وسلطات القاضي معتبرة بأن تقدير شرعية القرارات الإدارية لا يمكن أن يتم إلا في إطار الفقرة 11 من الفصل 609 من القانون الجنائي.

وقد ترتب عن ذلك إشكالية قانونية حينما عرض الملف على الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى. وتجدر الإشارة في الأخير بأن مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 25 من ق.م.م تمنع على القاضي مراقبة دستورية المراسيم وفحص مدى مطابقتها للدستور.

كما أن مراقبة مشروعية القرارات الإدارية من طرف القاضي العادي مسألة شبه منعدمة من الناحية العملية.

المطلب الثالث: إعادة إحياء قضاء فحص الشرعية :

نصت الفقرة الأخيرة من المادة 8 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية على أن “المحاكم الإدارية تختص أيضا بفحص شرعية القرارات الإدارية وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 44 من هذا القانون. وقد وضحت المادة 44 الاختصاص المتعلق بفحص شرعية القرارات الإدارية، حيث نصت على انه “إذا كان الحكم في قضية معروضة على محكمة عادية غير زجرية يتوقف على تقدير شرعية قرار إداري، وكان النزاع في شرعية القرار جديا، يجب على المحكمة المثار أمامها أن تؤجل الحكم في القضية وتحيل تقدير شرعية القرار الإداري محل النزاع إلى المحكمة الإدارية وإلى المجلس الأعلى حسب اختصاص كل من هاتين الجهتين القضائيتين كما هو محدد في المادتين 8 و 9 أعلاه، ويترتب على الإحالة رفع المسألة العارضة بقوة القانون إلى الجهة القضائية المحال إليها البت فيها. للجهات القضائية الزجرية كامل الولاية لتقدير شرعية أي قرار إداري وقع التمسك به أمامها سواء باعتباره أساسا للمتابعة أو باعتباره وسيلة من وسائل الدفاع”.

ويتضح لنا من خلال مقتضيات المادة 44 أن فحص شرعية أي قرار تتولاه ثلاث جهات قضائية، فالمحكمة الإدارية يكون لها الاختصاص استنادا إلى المادة الثامنة، والمجلس الأعلى –الغرفة الإدارية- يعود له الاختصاص اعتمادا على المادة التاسعة، واستنادا إلى ما ورد في المادتين 16 و 17 من قانون المحاكم الإدارية. وأخيرا الجهات القضائية الزجرية سواء أكانت المحكمة الابتدائية أو محكمة الاستئناف، أو المجلس الأعلى باعتبار هذه الجهات ذات الاختصاص العام.

وبذلك فإن قانون المحاكم الإدارية نزع الاختصاص في مجال فحص الشرعية من المحاكم العادية المدنية، بحيث أنه في حالة الدفع أمامها بعدم شرعية القرار الإداري الذي أسس عليه الدعوى المرفوعة إليها، فإنه يتعين عليها أن توقف البت في النزاع المعروض عليها وتحيل تقدير هذه الشرعية على المحكمة الإدارية المختصة أو على المجلس الأعلى حسب الأحوال، ولا يمكن أن تبت إطلاقا في النزاع المعروض عليها إلا بعد أن تقول الجهة القضائية الإدارية كلمتها في شرعية أو عدم شرعية القرار المعني.

المبحث الثاني: آثار وحدود تطبيق فحص شرعية القرارات الإدارية

يمكن القول بصفة عامة أن مراقبة الشرعية تتناول من حيث النتائج المترتبة عنها جانبين أساسيين هما إما إلغاء القرار الإداري أو الاكتفاء فقط بفحص شرعيته دون إلغائه وهذا بالضبط ما يميز هذا الاختصاص الجديد الذي أسند للمحاكم الإدارية بموجب المادة 8 من القانون 90-41.

وإذا كانت ثمة آثار تترتب عن فحص الشرعية، فإن المسألة تطرح حول حدود سلطات القاضي في تقدير هذه الشرعية.

المطلب الأول: آثار تطبيق فحص شرعية القرارات الإدارية :

وهذه الآثار تتمثل في إصلاح الضرر المترتب عن القرار دون إلغائه بحيث تربط بمسألة فحص الشرعية انطلاقا من مقتضيات الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود بخصوص المسؤولية الإدارية، أكثر من ارتباطها بمقتضيات المادة 44 من قانون المحاكم الإدارية, ولعل السبب في ذلك يرجع حسب بعض الفقهاء إلى المزج الحاصل أحيانا بين قضاء فحص الشرعية والمسؤولية الإدارية، فالقاضي وهو يبت في شرعية القرار الإداري لا يتدخل لإلغاء هذا الأخير وإنما يهدف من وراء ذلك إصلاح الضرر الناتج عنه من خلال تعويض المتضرر وبالتاي لا يملك الحق في التعرض للإدارة لتنفيذ قرارها الفردي أو التنظيمي.

وعموما فإن المجلس لا يسمح للمحاكم القضائية بفحص شرعية قرار إداري إلا إذا كان ذلك ضروريا لتحديد مسؤولية الدولة أو أية جهة عمومية أخرى هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإنه يمكن أن يترتب عن فحص الشرعية إيقاف تنفيذ القرار موضوع النزاع لا سيما حينما يتعلق الأمر بقضايا نزع الملكية الخاصة من أجل المنفعة العامة، إذا كان إيقاف تنفيذ القرار المتسم بعدم الشرعية يعتبر من بين أهم الآثار الخاصة الناتجة عن تقدير شرعية القرار الإداري، من ذلك أن القاضي يمارس رقابة شكلية للقرارات الإدارية. وقد قيد المشرع اللجوء فيما يخص موضوع نزع الملكية بالتصريح والإعلان عن المنفعة العامة ثم إتباع الإجراءات المسطرية بمرحلتيها: الإدارية، والتي تضمن قرار الإعلان عن المنفعة –وقرار إعلان التخلي. والمرحلة القضائية، التي تضم ثلاث عناصر: الحيازة – نقل الملكية- التعويض, وذلك حسب مقتضيات الفصل الأول من قانون 81-7 المتعلق بنزع الملكية والاحتلال المؤقت والصادر بتاريخ 6 ماي 1982 .

هكذا يتبين على أن الآثار المترتبة عن تقدير الشرعية تختلف وتتباين تباين الحالات، ففي ميدان المسؤولية الإدارية يحاول القاضي إبراز عدم مشروعية القرار الإداري المتسبب في الضرر دون أن يؤثر أو يمس ذلك بنشاط الإدارة، أما في مادة نزع الملكية فإن تدخل القاضي يستهدف شل نشاط الإدارة وذلك بإيقاف تنفيذ العملية نهائيا.

المطلب الثاني: حدود تطبيق فحص شرعية القرارات الإدارية :

إن منازعات الإلغاء بسبب تجاوز السلطة ومنازعات المسؤولية الإدارية بقدر ما تبدو مستقلة عن قضاء فحص الشرعية، فإنها تقترن أحيانا به ومع ذلك يبقى التساؤل مطروح حول حدود ممارسة القاضي لفحص شرعية القرارات الإدارية، فالقاضي وهو يبت في شرعية القرار الإداري يظل مرتبطا بالخصائص المتعلقة بمنازعات المسؤولية الإدارية حيث يتعين على القاضي أي قاضي المسؤولية الإدارية تحديد الطبيعة القانونية أو غير القانونية للقرار موضوع النزاع، أكثر من ذلك أنه يستعمل تقنيات قاضي الشطط بسبب تجاوز السلطة، أما فيما يخص قضاء نزع الملكية فيمكن القول على أن القاضي قبل إحداث المحاكم الإدارية كان لا يراقب ملاءمة القرارات أو الأسباب أو الطبيعة بل تقتصر رقابته على معرفة ما إذا تم احترام الشكليات القانونية المتفق عليها، غير أنه وبعد إحداث المحاكم الإدارية أصبح القاضي لا يكتفي بالنظر إلى عنصر المنفعة العامة المتوخاة من نزع الملكية نظرة مجردة بل يتجاوز ذلك إلى النظر فيما يعود به القرار من فوائد تحقق أكبر قدر من المصلحة العامة في إطار الموازنة بين الفوائد التي سيحققها المشروع المزمع إنشاؤه والمصالح الخاصة التي سيمس بها القرار، وهو ما زكاه المجلس الأعلى في قراراته الأول عدد 500 بتاريخ 7 ماي 1997، ملف 63/95 وكذا قرار الغرفة الإدارية تحت عدد 400 بتاريخ 12/10/1995 ملف رقم 1597/95 حينما اعتبرت أن مراسيم نزع الملكية لا يطعن فيها إلا أمام المجلس الأعلى –الغرفة الإدارية- وأن اختصاص المحاكم الإدارية في مادة نزع الملكية طبقا للمادة 8 مقصور على تلقي الوثائق المتعلقة بالنزاع وحل النزاعات الناشئة عن تطبيق قانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة والتأكد من مشروعية الإجراءات المسطرية.

وإذا كان من جهة أخرى القاضي العادي يراقب شرعية القرارات الإدارية رغم أنه لا يتوفر على الحرية التامة أو التخصص الكافي الذي يؤهله لممارسة هذه الرقابة مما يجعل بذلك المحاكم القضائية تفحص شرعية القرارات الإدارية بشكل متحفظ كما يقول الأستاذ دولوبادير، فإن قضاء المجلس الأعلى لم يضع أية قيود تحد من سلطات القاضي في فحص الشرعية المخولة لمختلف المحاكم، وبذلك فوجود عدم الشرعية يفترض تلقائيا مراقبة القاضي مسبقا للقرار موضوع الدعوى.

 

 

 

خاتمة

من خلال ما تقدم يمكن القول على أن القاضي وهو يبت في شرعية القرار الإداري لا يتدخل لإلغاء القرار، وإنما لإصلاح الضرر الناتج عنه من خلال تعويض المتضرر ولعل الأمثلة على ذلك عديدة ومتنوعة من جملتها قضية السيد برومي الذي تقدم بتعويض عن الأضرار التي لحقته من جراء قرار غير شرعي يهدف إلى إحالته على التقاعد بسبب إصابته بعجز دون أن يخول له الاستفادة من الإجازة عن مدة ستة أشهر المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل (قانون الوظيفة العمومية) وبما أن الإدارة أخذت بعين الاعتبار قرارها غير المشروع هذا فقد منحت المعني بالأمر عملا مؤقتا. إلا أن السيد برومي طالب بتعويض يتناسب مع الفارق بين المبالغ التي كان سيحصل عليها لو لم تتم إحالته على التقاعد بطريقة غير شرعية والمبالغ التي يتقاضها في شغله الجديد، وهكذا صرحت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بأن دعوى السيد برومي لا تستهدف إلغاء قرار وزير الفلاحة وإنما إصلاح الضرر الناتج عن هذا القرار والذي يعتبره الطاعن قد اتخذ بطريقة غير صحيحة وفي ظروف غير قانونية ولذلك هو يطالب بالتعويض وليس بالإلغاء.

 

 

 

 

 

 

 

 

                                    الفهرس

 

مقدمة. 1

المبحث الأول: تطور قضاء فحص شرعية القرارات الإدارية. 4

المطلب الأول: جذور قضاء فحص الشرعية 1913-1957. 4

المطلب الثاني: أزمة قضاء فحص الشرعية 1957-1993. 6

المطلب الثالث: إعادة إحياء قضاء فحص الشرعية. 8

المبحث الثاني: آثار وحدود تطبيق فحص شرعية القرارات الإدارية. 10

المطلب الأول: آثار فحص شرعية القرارات الإدارية. 10

المطلب الثاني: حدود تطبيق فحص شرعية القرارات الإدارية. 11

خاتمة. 13

الفهرس… 14

 

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super