المركزية وعدم التمركز و اللامركزية السياق التاريخي للامركزية بالمغرب

 

المركزية وعدم التمركز و اللامركزية

السياق التاريخي للامركزية بالمغرب

شهد المغرب منذ فجر الاستقلال ، اهتماما متزايدا بموضوع اللامركزية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمالية.

وهكذا ، انطلقت المرحلة الأولى لبناء اللامركزية سنة 1960، بصدور ميثاق التنظيم الجماعي، وكذا قانون تنظيم مجالس العمالات والأقاليم سنة 1963، ثم تلتها بعد ذلك مرحلة ثانية انطلقت سنة 1976 تميزت على الخصوص بصدور قانون جديد عرف بظهير 30 شتنبر 1976، والذي يعد بحق النص المؤسس لمشروع اللامركزية بمفهومها الحديث على مستوى البلديات والمجالس القروية ، حيث اصبحت الجماعات المحلية بمقتضى هذا القانون ، كيانات تتمتع بالاستقلال المالي والإداري والشخصية المعنوية، وبمجموعة واسعة من الصلاحيات ذات الصبغة الإدارية، والاقتصادية والاجتماعية. بيد أن هذه المرحلة لم تشهد أي تطور على مستوى مجالس العمالات والأقاليم التي ظلت طيلة هذه المدة محكومة بقانون 1963. وخلال عقد التسعينات، تم الارتقاء بالجماعات المحلية الى مؤسسات دستورية بمقتضى الفصل 94 من دستور 1992 و 100 من دستور 1996.

وابتداء من سنة 1997 ، سيعرف التنظيم اللامركزي بالمغرب تطورا نوعيا على قدر كبير من الأهمية تمثل في صدور قانون 96/47 الخاص بإحداث وتنظيم الجهات ، ثم القانون رقم 79.00 المتعلق بالتنظيم الإقليمي بالمغرب الصادر في 3 اكتوبر 2002، وكذلك القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي في صيغة جديدة والذي عدل بقانون 17.08 بتاريخ 18 فبراير 2009.

ومما لا شك فيه، أن نهج اللامركزية واللاتمركز ساهم الى حد كبير في تخفيف العبء الإداري والتنموي عن المركز والحد من سيادة البيروقراطية الإدارية وتسهيل وتسريع اتخاذ القرار فضلا عن تنمية روح المواطنة وتعميق الشعور بالمسؤولية لدى المواطن والمسؤول على حد سواء .

ففيما مضى اتجهت الدول في تسيرها لمرافقها العمومية وتصريف أمورها الإدارية إلى حصر جميع إختصاصتها في يد الإدارة المركزية في العاصمة غير أنه في وقتنا الحاضر لا يمكن تطبيق هدا التنظيم و دلك راجع لمجموعة أسباب لدلك اتجهت مختلف الدول إلى توزيع الاختصاصات على موظفين يمارسون مهامهم بالإدارة المركزية و آخرين موزعين على المصالح الخارجية المختلفة التي تنوب عن السلطة المركزية في شتى الأقاليم و العمالات و تترك لهم سلطة البت في بعض الملفات مع استمرار إشراف السلطة المركزية في العاصمة عليهم و على أعمالهم.

. فكيف تتوزع الاختصاصات بين السلطة المركزية و هده الهيئات المستقلة و كيف يتم تحديد نشاط هده الهيئات وهل تختلف حدة الوصاية الإدارية من دولة إلى أخرى وما هي معاييرها :

 

الفصل الاول المركزية الإدارية

سنتناول في هدا الفصل دراسة المركزية الإدارية في ثلاثة مباحث و التي ستقسم بدورها إلى فقرات.

 

المبحث الاول مفهوم المركزية الإدارية و عناصرها .

يقصد بالمركزية الإدارية حصر مختلف مظاهر الوظيفة الإدارية في الدولة بأيدي أعضاء الحكومة و تابعيهم في العاصمة أي في الأقاليم مع خضوعهم جميعا للرقابة الرئاسية التي يمارسها عليهم الوزير أي الوزارة فهي لا تتمتع بشخصيتها المعنوية و إنما تعتبر ممثلة للسلطة الإدارية المركزية و جميع الوزارات تعتبر مرافق عمومية باستثناء وزارة الدولة – و تتشكل جميع هده الوزارات بواسطة ظهار ملكية شريفة طبقا للفصل 24 من دستور 1996 و الذي ينص على ما يلي “يعين الملك الوزير الأول. ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول. وله أن يعفيهم من مهامهم. ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها. “ و بالتالي فالإدارة المركزية تتكون من ثلاث عناصر .

 

1- تركيز السلطة بين أيدي السلطة المركزية.

إن تركيز السلطة في أيدي الحكومة المركزية ماخودة بمعناها الواسع أي رجال السلطة التنفيذية في مدا رجها العليا في العاصمة و عمالها من موظفي المصالح الخارجية لهده السلطة في الأقاليم و العمالات و يتمثل دلك في تركيز ولاية البت النهائي في يد رجال الحكومة المركزية . و كدا تركيز الاختصاصات الفنية في يد أخصائيين في العاصمة حيث أنهم يقومون بدراسة الملفات و إعداد القرارات تمهيدا لرفعها إلى الوزير المختص لإتخاد القرار و التوقيع عليه

 

2- التبعية الهرمية.

المقصود بها بالنسبة للسلطة الرئاسية داخل الإدارات المركزية و مصالحها الخارجية هو التبعية المتدرجة التي تحكم موظفي وأعمال هده الإدارات في علاقاتهم بالسلطة الرئاسية. و تعتبر هده التبعية من لوازم النظام المركزي، و بمقتضاها يخضع الموظفون والمستخدمون لما يصدره رئيسهم من توجيهات و أوامر ملزمة . و تتدرج هده التبعية في سلم إداري إلى أن تصل إلى أدنى درجات الإدارة. و مختلف وحدات هدا الجهاز الإداري المركزي المتماسك لا تتمتع بشخصية معنوية قائمة بذاتها .و لكنها جميعها تنتمي إلى شخص الدولة.

 

3- السلطة الرئاسية

السلطة الرئاسية هي جوهر النظام الإداري المركزي وتقتضي خضوع الموظف الأدنى مرتبة لسلطة الموظف الأعلى مرتبة . ويؤكد الفقه على أنها ليست حقا شخصيا و لا مطلقا لصاحبه و لكنها مجرد اختصاص يمارسه الرئيس على مرؤوسه وفق قوانين و نصوص تنظيمية فهي تخول لرئيس حق تعيين مرؤوسه و تخصيصهم لعمل معين . ونقلهم و ترقيتهم و توقيع الجزاء التأديبي عليهم متى وقع منهم إخلال بواجباتهم وله أيضا على أعمال مرؤوسيه سلطات يأخذ بعضها صورة التوعية للمرؤوس لإعانته على تفهم القوانين و الأنظمة ويأخذ بعضها الأخر صورة التعقيب لإرجاع تصرفات المرؤوس إلى حكم القانون والأنظمة.

 

المبحث الثاني: صور المركزية الإدارية

لا يقوم الوزير بتسيير المرفق المناط بوزارته بنفسه في جميع الأمور التفصيلية على حساب ممارسة الأعمال الرئيسية. وذلك لصعوبة تطبيقها حتى في الدول المحدودة المساحة و عدد السكان، بل يستعين بعدد كبير من المستخدمين و الفنيين يمثلون القوة البشرية لوزارته ولا تتوقف قدرة الوزارة وكفاءتها على عدد موظفيها بقدر ما تتوقف على مستواهم الفني و حسن توزيعهم . وتتخذ هده الصلاحيات و الاختصاصات التي يمارسها الوزير أحد الشكلين.

 

الشكل الأول : التركيز الإداري

و هذه الصورة من المركزية ينفرد فيها الوزير بممارسة كافــــــة الاختصاصات المنوطة بوزارته فلا يشرك في ممارستها أحد من موظفي الوزارة لا في العاصمة ولا خارجها . فالوزير وحده هو الذي يملك سلطة القرار في كل صغيرة وكبيرة و هدا يعني أن موظفي الوزارة لا يقومون بأي شيء سوى التحضير والدراسة والاقتراح عن طريق رفع تقارير و مذكرات إلى الوزير المختص الذي يتخذ وحده القرار النهائي في شأنها . وبعد مصادقة الوزير على تلك الاقتراحات و التقارير يظهر الموظفين من جديد للقيام بعملية تنفيذ تلك التدابير و متابعتها. غير أن هذه الصورة لا تكاد تكون موجودة من الناحية العملية في أي دولة من الدول المعاصرة.

الفقرة الأولى : مزايا المركزية الإدارية

تتصف المركزية الإدارية بأنها تقوي السلطة العمومية و تسهل نشر نفوذ الحكومة وهيبتها، كما أن إشراف الحكومة على المرافق العمومية في جميع الأقاليم يؤدي إلى العدالة والمساواة بين الأفراد في الخدمات التي تقوم بها و بالإضافة إلى أن السلطة المركزية بإمكانياتها المالية و الفنية تستطيع أن تكفل أداء المرافق العمومية لخدماتها على أتم وجه عن طريق تنظيمها تنظيما موحدا وإخضاعها لإشراف دقيق نتيجة السلطة الرئاسية . و في الأخير فإن هذا النظام يحقق تجانس النظم الإدارية في الدولة كلها و بالتالي فإن تسهيل الإحاطة بتلك النظم للموظفين يساهم في تحسين تنفيذها على المواطن.

كما أن المركزية الإدارية تؤدي إلى الإقلال من النفقات العامة إلى أقصى حد ممكن نظرا لوحدة مصدر النفقات والرقابة الدقيقة الموحدة المسلطة عليها.

وبالنظر لما تتوفر عليه السلطة المركزية من إمكانيات كبيرة ماديا وفنيا، فهي تقوم بإنجازات ضخمة ومختلفة تعجز عنها ، الهيئات اللامركزية ذات القدرات المحدودة .

ثم هناك ايضا بعض المزايا مثل:

– الحاجة إلى التوجيه الأمثل للموارد الوطنية.

– الاحتياجات الكبيرة للمشروعات الحكومية.

فالمركزية تعمل على توحيد وتشابه النظم الإدارية في جميع أقاليم ومرافق الدولة الشيء الذي يقوي من وحدة الدولة.

الفقرة الثانية : عيوب المركزية الإدارية

تتصف المركزية الإدارية كذلك بعدة عيوب و التي تتمثل في أنها أسلوب غير ديمقراطي حيت تتركز الاختصاصات الإدارية في أيدي قلة من الوزراء وكبار الموظفين , وتبعد كثيرا من الكفاءات الوطنية عن الإسهام في إدارة المرافق العمومية بالإضافة إلى اتصافها بالبطء و التعقيد و الروتين في أداء الخدمات العامة وتلبية احتياجات المواطنين بفعل بعد مركز اتخاذ القرار عن المكان الذي ينفد فيه و خاصة في الأقاليم البعيدة من العاصمة ، مما يجعلها غالبا غير ملائمة لمواجهة الاحتياجات المحلية . ويؤدي إلى استئثار العاصمة و المدن الكبرى بمعظم المشروعات والمرافق العمومية و لا يترك للقرى و المناطق البعيدة الى النزر اليسير، الأمر الذي يؤدي إلى عدم تجانس مستوى النمو الاجتماعي و الاقتصادي في الدولة الواحدة.

ثم ان المبالغة في المركزية عادة ما تؤدي إلى تعطيل الأعمال والإصرار على هذه المبالغة قد يؤدي بالعمل الإداري ذاته إلى الروتين ، إذ أن المرحلة التي يقطعها القرار من أسفل إلى أعلى التنظيم بحثا عن “التصديق ” يكون على حساب الكفاءة والكلفة.

– إن المبالغة في المركزية عادة ما تؤدي إلى ضعف التخطيط والتنسيق ذلك أن ارتفاع القرارات التفصيلية في السلم الإداري يعطل وقت الإداريين بقضايا تفصيلية ويؤدي إلى إغراقهم في الأعمال التنفيذية على حساب الإدارة الشاملة والتخطيط والتنسيق الكلي .

– إن المركزية المتشددة تؤدي إلى ضياع الفروع المختلفة للوزارات في السعي للحصول على الموافقات والموارد المالية اللازمة.

– المركزية المشددة تؤدي إلى تجاهل الحاجيات المحلية وعدم أخذها بعين الاعتبار مما يضعف قرارات الجهاز الإداري وخططه التنفيذية.

– تقوية السلطة المركزية يؤدي إلى تقوية الحكم المطلق وطغيان الاستبداد داخل الدولة.

– ونظرا لبعد الأقاليم عن العاصمة فإن اتخاذ السلطة المركزية لبعض القرارات قد يجعل هذه الأخيرة غير ملائمة لمواجهة الاحتياجات المحلية .

– استئثار العاصمة والمدن الكبرى بمعظم المرافق والمقاولات العمومية يجعل المناطق النائية تعاني من عدم تجانس النمو الاجتماعي والاقتصادي في الدولة الواحدة .

وهكذا وبالرغم من كل هذه العيوب فلا يمكن تصور دولة حديثة من دون مركزية إدارية، إلا أن جعل النظام الإداري كله مركزيا لا سيما بالنسبة للمرافق الإقليمية هو الذي يعيب المركزية الإدارية لذلك قامت اللامركزية كسبب فعال للتخفيف من أعباء الحكومة المركزية .

 

الشكل الثاني : عدم التركيز الإداري ( اللاتمركز)

يعد أسلوبا من أساليب التنظيم الإداري ،يقضي بتوزيع السلطات الإدارية بين الحكومة المركزية وممثليها على الصعيد المحلي بحيث تمنح لهؤلاء بعض الصلاحيات والاختصاصات والسلطات الإدارية مع بقائهم تابعين للحكومة المركزية ومعينين من قبلها دون أن يترتب على ذلك استقلالهم عنها، إد يبقون خاضعين لرقابة وإشراف السلطات المركزية.

ويمكنهم اتخاذ بعض الأعمال والقرارات، والبث فيها نهائيا دون حاجة إلى طلب المصادقة عليها من طرف الوزير قبل الشروع في تنفيذها. ومن الجانب المالي لاتتوفر سلطات اللاتركيز الإداري على ميزانية خاصة بها بل ترتبط بميزانية الدولة، وقد تتلقى مصالح اللاتركيز الإداري مسؤولية الأمر بالصرف في بعض الأمور الثانوية فتأخذ صفة آمر بالصرف مساعدا .ويتم تحويل الصلاحيات والاختصاصات من السلطات المركزية إلى سلطات اللاتركيز الإداري عن طريق التفويض الذي يأخذ شكلين :تفويض الاختصاص، وتفويض التوقيع، مما يترتب عنه أن تصبح هيئات اللاتركيز الإداري تتمتع باستقلال نسبي.

 

أ ـ شروط التفويض

*الشروط الموضوعية للتفويض : وتتجلى في شرطين أساسين هما:

– وجوب وجود نص قانوني يجيز التفويض، وذلك بمقتضى المبادئ الدستورية أو القوانين العادية أو المراسيم التنظيمية.

+ المبادئ الدستورية، مثل ما جاء في الفصل 64 من الدستور المغربي المراجع سنة 1996 الذي يقضي بأن [ للوزير الأول الحق في تفويض بعض سلطه للوزراء].

+ القوانين العادية، مثل ما جاء به الظهير الشريف رقم 15.71.1 بتاريخ 8 أبريل 1971 الخاص بالتفويض في السلطة، والذي يسند إلى الوزير الأول:

> التفويض في القيام باختصاصات معينة منصوص عليها ،

> التفويض في التأشير على القرارات المحددة .

– أن يصدر قرار إداري يقضي بالتفويض: لأنه بمقتضى ذلك القرار يتمكن صاحب السلطة الأصلية من التعبير عن إرادته في التفويض إلى غيره حتى يلتزم هذا الغير بعمل أو بالامتناع عن عمل، فيحقق ذلك القرار أثرا قانونيا إ تجاه الطرفين.

* ـ الشروط الشكلية للتفويض: وهي أيضا تتكون من عنصرين و تعد ضرورية لأنها تكمل الشروط الموضوعية، وهي على التوالي: شكل قرار التفويض في ذاته، ثم العلم بقرار التفويض عن طريق نشره.

 

ب ـ أنواع التفويض:

1 ـتفويض الاختصاص: يقصد بهذا التفويض أن يعهد صاحب الاختصاص بممارسة جانب من اختصاصه سواء في مسألة معينة أو في نوع معين من المسائل إلى فرد آخر أو سلطة أخرى طبقا لما تقتضيه الأوضاع القانونية.

2 ـ تفويض التوقيع: يقتصر دوره على مجرد توقيع المفوض إليه أو إمضاؤه على بعض القرارات الداخلة في اختصاص السلطات الأصلية ولحسابها وتحت مراقبتها،فهو مجرد عمل مادي ،حيث يوقع المفوض إليه على وثيقة سبق أن أعدتها السلطة الأصلية المختصة.

 

ج ـ آثار التفويض:

 

بالنسبة للمفوض: أن يتعلق التفويض بالسلطات والاختصاصات التي يملكها وفي الحدود المسموح بها قانونا.

– إذا حدد النص الذي يجيز التفويض من يفوض إليهم بأسمائهم أو صفاتهم تعين على السلطة الأصلية أن يكون قرارها بالتفويض لهؤلاء الأشخاص دون غيرهم.

– إذا حدد النص الذي يجيز التفويض ترتيبا معينا للأشخاص الذين يجوز التفويض إليهم وجب على المفوض احترام هذا الترتيب، وإلا اتسم قراره بعدم المشروعية.

إذا حدد النص الذي يجيز التفويض التزاما على جانب السلطة الأصلية باستخدام إمكانية التفويض في حالة معينة كأن يتعلق استخدامه بناء على طلب سلطة معينة،فإنه يتعين على السلطة الأصلية استخدام إمكانية التفويض متى طلبت منه الجهة المعينة ذلك.

ويمكن للسلطة الأصلية العدول في أي وقت من الأوقات عن التفويض لا لشيء سوى لأنها صاحبة الاختصاص الأصلي، ولأن اختصاصات المفوض إليه في هذا المجال هي اختصاصات مؤقتة يجوز إلغاؤها .

 

بالنسبة للمفوض له: فيجب عليه احترام التفويض والعمل بمقتضاه،وإذا امتنع عن ممارسة التفويض الممنوح له صراحة أو ضمنا ،فإن هذا الامتناع يعتبر مخالفة تأديبية وتجوز مساءلته وتوقيع الجزاء عليه ،وفي حالة قيامه بالاختصاصات المفوضة إليه ،فإنه يتحمل كافة الآثار المترتبة على قراراته.وإذا حدد قرار التفويض النطاق الزمني أو المكاني لممارسة الاختصاصات المفوضة إليه أو وضعت له قيودا أو توجيهات معينة فإنه وجب عليه احترامها وعدم تجاوزها.

وقبل التطرق لمزايا وعيوب المركزية الإدارية لا بد من ذكر بعض مزايا وعيوب اللاتركيز الإداري،وذلك في ملحق خاص بهما.

 

أ ـ مزايا اللاتركيز الإداري:

– يسمح للسلطة المحلية أن تتخذ القرارات المستعجلة التي تتطلبها الضرورات المحلية دون الرجوع إلى السلطة المركزية.

– يجعل الممثلين في حالة ممارسة الاختصاصات المحلية خاضعين للسلطة الرئاسية للنظام المركزي وهذا الخضوع يتجلى في احتفاظ السلطة المركزية بسلطة إصدار التعليمات وحقها في تعديل وإلغاء قرارات السلطة المحلية وحقها في أن تحل محلها.

 

ب ـ عيوب اللاتركيز الإداري:

وتتجلى في ما يلي:

– ممثل السلطة المركزية قد يجهل المشاكل المحلية، مما يسبب له صعوبة بالغة في تسيير عمل الإدارة المحلية.

– تعيين ممثل السلطة المحلية قد لا يكون ديمقراطيا في كثير من الحالات.

 

 

الفصل الثاني: اللامركزية الإدارية

 

المبحث الاول: مفهوم اللامركزية الإدارية وأنواعها وأسسها

الفقرة الأولى: تعريف اللامركزية الإدارية

يقصد باللامركزية الإدارية توزيع الوظائف الإدارية بين الحكومة المركزية في العاصمة و بين هيئات الجماعات المحلية ويتم نظام اللامركزية الإدارية بمواكبة الاتجاهات الحديثة التي ترمي إلى تحقيق مزيد من الديمقراطية للشعوب و دلك لمساهمتها الفعالة في تدبير الشؤون الإدارية كما يتسم بتعدد الأشخاص المعنوية العامة في الدولة و التي تتمتع بالاستقلال القانوني والمالي.

و تعتبر اللامركزية وسيلة من وسائل تنظيم الإدارة وعلاقة الدولة بالمواطنين إذ يتعلق الأمر بتمكين هؤلاء من المساهمة في القرار وفي تسيير حياتهم العامة إنطلاقا من مجموعة من المبادئ المتعددة كالديمقراطية و حقوق المواطنين وفعالية التسيير وغير ذلك من متطلبات المجتمع، نظرا لعجز الدولة عن التواجد في كل مكان وكل وقت وللخصائص المحلية.

وقد عرف الفرنسي آندرى دالانبادير اللامركزية بأنها: “اصطلاح وحدة محلية بإدارة نفسها وقيامها بالتصرفات الخاصة بشؤونها”، ومن الفصحاء العرب عرفها الأستاذ فؤاد العطار بما يلي: “يقصد باللامركزية توزيع الوظيفة الإدارية بين الحكومة المركزية وهيئات منتخبة أو محلية تباشر اختصاصاتها تحت إشراف الحكومة ورقابتها”، وعرفها الأستاذ سليمان الطاوي بأنها توزيع الوظائف الإدارية بين الحكومة المركزية في العاصمة وبين هيئات محلية أو تتجسد من خلال إنشاء مجموعات محلية مستقلة عن الدولة لها صلاحيات خاصة بها وموجهة نحو البحث عن الحلول لمشاكل التنمية المحلية.

 

 

الفقرة الثانية: أنواع اللامركزية الإدارية

: 1اللامركزية الإقليمية : يقصد بها تنظيم الإدارة في الدولة على قاعدة تعدد الهيئات الإدارية الإقليمية ، وتتحقق بمنح جزء من التراب الوطني لشخصية المعنوية. يعني منحه الاستقلال الإداري والمالي في مباشرة الاختصاصات الموكلة إليه بهدف السهر على تحقيق المصالح المحلية تحت إشراف الحكومة ورقابتها، ويدير شؤونها افراد منتخبون .

كما يلاحظ أن التشريعات الدولية لم تقف موقفا واحدا من ناحية تحديد الاختصاصات التي تعهد به للهيئات الإقليمية، وتحديد اختصاصاتها قد يكون بإحدى صورتين:

الأولى: تحدد اختصاصات الهيئات الإقليمية البلدية على سبيل الحصر، فلا يمكن لواحدة منها الخروج من تلك الدائرة إلاّ بناءا على تشريع جديد، وتملك هذه الهيئات حرية واسعة في التصرف. وقد أخذت بهذا النمط بريطانيا (ويسمى بأسلوب تعدد الأنماط )حيث تراعى فيه الفوارق الخاصة بكل بيئة .

الثانية: تحدد اختصاصات الهيئات الإقليمية على سبيل الحصر بوضع نمط يعطي الهيئات الإقليمية اختصاصات عامة، ويحدد الحاجات العامة لسكان الإقليم.

وقد اتبعت فرنسا والدول التي تدور في فلكها هذا النمط. وتسمى بأسلوب وحدة النمط .

أنواع اللامركزية الإدارية

 

: 2اللامركزية المرفقية أو المصلحية : ويقصد بها توزيع العمل طبقا لطبيعة النشاطات ونوع المرافق والمشاريع التي ينصب عليها هذا النشاط، واللامركزية المصلحية هي ما يسمى بالمؤسسات العمومية التي تتولى إدارة نشاط معين يسند اليها بحكم القانون، وتتحقق بمنح المرفق عام سواء أكان وطنيا أو محليا الشخصية المعنوية، يعني منحه الاستقلال الإداري والمالي في تسير شؤونه إلا أن هذا الاستقلال غير مطلق وإنما هو مقيد بشرط الرقابة أو الوصاية من طرف السلطات المختصة. وتختلف اللامركزية المرفقية عن الإقليمية بكون الشخص العام المرفقي ينشا لتحقيق غرض محدد ويكون اختصاصه محدودا فيما لا يتجاوز الغرض المحدد الذي أنشئ لتحقيقه، بينما ينشا الشخص الإداري المحلي لرعاية نشاط يهم مصالح سكان منطقة جغرافية محددة بالقانون او إقليم من أقاليم الدولة.

كما يكون لشخص الإداري المحلي وجود من الناحية المادية يسبق وجود القانون. أما الشخص العام المرفقي فلا يكون له وجود قبل إنشاء المرفق ومنحه الشخصية المعنوية إلى درجة يمكن القول أن الشخص الإداري المحلي يعتبر أعلى درجة وأوسع اختصاص وسلطانا من الشخص الإداري المرفقي.

 

الفقرة الثالثة: الأسس العامة للامركزية الإدارية

 

1- الاعتراف بوجود مصالح محلية متميزة عن المصالح الوطنية

بمعنى أن ثمة مصالح محلية ينبغي ترك مباشرتها والإشراف عليها لمن يهمه الأمر حتى تتفرغ الحكومة المركزية لمصالح أخرى ذات طابع عام تهم الدولة كلها فمثلا ادا كانت الدولة تهيمن على المرافق ذات الأهمية الكبرى كمرافق الأمن والدفاع والقضاء والمواصلات عبر التراب الوطني فان المرافق المحلية كالنقل المحلي و توزيع الماء والكهرباء…. يستحسن تركها لمن يستفيدون منها مباشرة فهم أدرى باحتياجهم إليها واقدر على تسييرها فضلا عما في دلك من تخفيف عبئ إدارتها عن الحكومة المركزية.

 

 

 

2- أن يعهد بالإشراف على هده المصالح إلى هيئات منتخبة .

فقد اشار الفصل 101 من الدستور الى : ” تنتخب الجماعات المحلية مجالس تتكلف بتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا طبق شروط يحددها القانون.

يتولى العمال تنفيذ قرارات مجالس العمالات والأقاليم والجهات طبق شروط يحددها القانون
فالإدارة المحلية تسعى بالأساس إلى إسناد المصالح المحلية إلى من يهمهم الأمر ودلك لإشباع حاجياتهم المحلية بأنفسهم ولما كان من المستحيل على جميع أبناء الإقليم أو المدينة أن يقوموا بهده المهمة بأنفسهم مباشرة فان المشرع قد جعل إسناد هده المصالح المحلية إلى من ينتخبونه نيابة عنهم ومن ثمة كان الانتخاب هو الطريقة الأساسية التي يتم عن طريقها تكوين المجالس المعبرة عن إرادة ابناء الإقليم .

ويرى البعض أن استقلال السلطات اللامركزية لا يتحقق إلا إذا كان اختيار أعضاء هذه السلطات بطريق الانتخاب بمعنى أن انتخاب أعضاء هذه السلطات يعتبر شرطا أساسيا ولا يمكن القول بوجود لا مركزية إدارية تقوم على غير الانتخاب في دولة من الدول .

 

3 – استقلال المجالس في ممارسة اختصاصاتها تحت إشراف السلطة المركزية

  • استقلال أعضاء السلطة اللامركزية عن السلطة المركزية، بمعنى أن يكون مقررا من المشرع ويخضع لمقتضيات القانون ولا يراد بدلك الاستقلال الفصل المطلق بين المصالح المحلية ودائرة المصلحة الوطنية. كما لا يراد بدلك الاستقلال جعل كل جماعة محلية في معزل عن الأخرى وإنما ثمة صلة تربط تلك الجماعات مع بعضها البعض في إطار مبدأ التعاون والتكامل والتعايش لأنها تؤلف في الواقع جزءا من جماعة أوسع نطاقا وهي المجتمع الوطني .

 

المبحث الثاني: تمييز اللامركزية الإدارية عما يشابهها

* الفقرة الأولى: اللامركزية الإدارية و اللامركزية السياسية

تنقسم الدول عادة من حيث تكوينها إلى دول بسيطة ودول مركبة. ففي الدول البسيطة تكون ممارسة السيادة فيها لسلطة واحدة في العاصمة كما تملك سلطة واحدة لكل من التشريع والتنفيذ كالقضاء سواء أكانت هده الدول تتبع الأسلوب المركزي أو اللامركزي فيما يتعلق بكيفية ممارسة الوظيفة الإدارية كما أن أخد هده الدول بأسلوب الإدارة اللامركزية لا يؤثر في تكوينها السياسي أما في الدول المركبة وهي تلك التي تتكون من عدة دويلات كالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الألماني فان ممارسة السيادة لا تتركز في الجهاز الاتحادي وبين الولايات.

  • الفقرة الثانية: اللامركزية الإدارية واللاتركيز الإداري.

تتشابه اللامركزية الإدارية واللاتركيز الإداري في أن كلا منهما يؤدي إلى توزيع السلطات الإدارية والى عدم تركيزها في جهة واحدة. ويختلفان في أن اللاتركيز الإداري يعتبر صورة من صور المركزية وبالتالي فان استقلال ممثلي السلطة المركزية إنما هو استقلال عارض يجوز للوزير سحبه في أي وقت. كما أن اختصاص هؤلاء الممثلين يخضع لرقابته الرئاسية بكل ما تحمله هده الكلمة من معنى. بخلاف استقلال الهيئات باختصاصها وفق للأوضاع التي يحددها المشرع. وتتحمل مسؤولية تصرفاتها ولا تملك السلطة المركزية عليها إلا حق الوصاية الإدارية. كما يمكن القول أن اللاتركيز الإداري قد يكون خطوة في سبيل اللامركزية الإدارية لان نقل السلطة إلى يد الهيئات المحلية يكون احسن مما ادا كانت بيد الوزير مباشرة.

 

المبحث الثالث: تقدير نظام اللامركزية الإدارية

* الفقرة الأولى: مزايا اللامركزية الإدارة

تمتاز الإدارة اللامركزية بتخفيف العبئ عن السلطة المركزية خاصة بعد أن تعددت واجبات الإدارة وتنوعت إلى درجة أصبح من الصعب تركيزها في يد السلطة المركزية.

* الهيئات اللامركزية أدرى بشؤونها الإقليمية أو المصلحية.

* نظام اللامركزية الإدارية يؤدي إلى السرعة والدقة لصدور القرارات المتعلقة بالمصالح المحلية.

* يحقق النظام اللامركزي نوعا من العدالة في توزيع الضرائب العامة.

* نظام اللامركزية الإدارية اقدر على مواجهة الأزمات.

* اللامركزية الإدارية وسيلة هامة لتحقيق مساهمة السكان المحليين في تدبير شؤونهم المحلية.

اللامركزية الإدارية تقرب الإدارة من المواطنين.

اللامركزية الإدارية أسلوب حضاري وديمقراطي.

اللامركزية الإدارية تهتم بمشاكل الأفراد

* الفقرة الثانية: عيوب اللامركزية

– التمادي أو المبالغة في تطبيقها بشكل مطلق يمكن أن يؤدي إلى المساس بوحدة الدولة وقوّة وسلطة الإدارة المركزية عندما تعطى الأولوية للمصالح المحلية على حساب مصلحة الدولة، وهذا ما يؤدي إلى زرع النزعة الجهوية وخلق الفرقة في البلد الواحد.

– تتكون الهيئات الإقليمية من مجالس منتخبة ، منها ما ينجح بفعل تأثير الدعاية الحزبية ، دون وجود برنامج تسيير ناجح، مما يؤدي إلى ضعف مردودية الجهاز الإداري بسبب عدم الدراية بأساليب العمل الإداري وقواعده.

– إنتشار البيروقراطية والمحسوبية.

– تؤدي إلى انتشار الإدارات الجهوية.

– العبء المالي الذي يكلف الدولة.

تمس الوحدة الإدارية في الدولة بتقسيمها للوظيفة الإدارية بين السلطات المركزية في العاصمة والهيئات اللامركزية في الأقاليم

– تؤدي إلى التناحر بين الهيئات اللامركزية المختلفة لا سيما ادا كانت هده الهيئات من نوع واحد وتمارس ذات الاختصاص

– تؤدي إلى ترجيح المصالح المحلية عن المصلحة الوطنية

– هيئاتها تكون اقل خبرة وأكثر إسرافا من السلطات المركزية ولكن بالرغم من هده العيوب فهي قليلة الأهمية بالنسبة للمزايا التي يثني عليها حتى المنتقدين لهده الطريقة

 

* خاتمة :

 

تعتبر اللامركزية اجراء يهدف الى اشراك المواطنين في تدبير الشأن العام عبر ممثليهم وذلك عن طريق تحويل اختصاصات الدولة الى الجماعات الترابية التي تبقى خاضعة لمراقبة ووصاية السلطات العمومية . فاللامركزية بهذا المعنى ، هي اختيار تدبيري لتمايزات وخصوصيات المجتمع في أفق تعزيز وتدعيم السيرورة الديمقراطية لصياغة واتخاذ القرارات تساهم فيها كل الفعاليات والتنظيمات المدنية وجميع المتدخلين.

أما فيما يتعلق باللاتركيز، فيهدف بالأساس الى إعادة توزيع السلط داخل إدارة الدولة من المصالح المركزية الى المصالح الخارجية، بحيث تمارس الأولى رقابة تسلسلية على الثانية .

من خلال هذه المقارنة ، يتضح ان مفهومي اللامركزية واللاتركيز، وإن كانا يختلفان في الجوهر ، فهما يهدفان الى وضع اسس ادارة القرب وتخفيف الأعباء عن المركز .

وتعتبر اللامركزية الإدارية احدى أساليب التسيير الأكثر اتباعا في العالم من قبل العديد من الدول ومنها المغرب، فبالإضافة الى المظهر الشائع للامركزية المتمثل في نقل بعض اختصاصات الدولة وتحث وصايتها الى وحدات ترابية منتخبة تعرف في الغالب بالجماعات المحلية ، هناك مظهر أخر لهذا الأسلوب وهو اللامركزية المرفقية او التقنية او الوظيفية او المتخصصة، والذي يتجسد في المؤسسات العمومية التي ينقل اليها احدى اختصاصات الدولة بصفة محددة بواسطة النص التشريعي المحدث للمؤسسات تطبيقا للفصل 46 من الدستور المغربي ، ويتم تمتيعها بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي ، لكن تحث وصاية السلطة المختصة.

 

 

* المراجع المعتمدة:

القانون الاداري لدكتور عبد الرحمان البكروي

القانون الاداري لدكتورة مليكة الصروخ

القانون الاداري والعلوم الادارية لدكتور المصطفى الخطابي

القانون الاداري بالمغرب (الجزء الاول) التنظيم الاداري لدكتور جيلا لي شبيه

 

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super