الاختصاص المالية للبرلمان على ضوء دستور 2011

  • تحتاج الدولة لممارسة وظائفها لأموال تتعدد مصادرها تتنوع منابعها وهذه الأموال توجه لتنفيذ السياسات العمومية لمختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافيةو غيرها، والتي تتسم بصفة العمومية وبذلك وجب أن تحظى بالحماية القانونية وتأمين حرمتها واحترام قدسيتها.
  • وإذا كانت بداية الألفية الثالثة تتميز بسيادة النهج الليبرالي وسياسة التحرير حيث انسحبت الدولة من ممارسة النشاط الاقتصادي، فإنه على مستوى الدول الثالثة السائرة في طريق النمو فإن أعباء الدولة لم تنخفض، مما نتج عنه تزايد حاجاتها للأموال لتثبيت ميزانيتها وضمان التوازن بين المصاريف والنفقات، وبالرغم من تطور أبعاد مالية الدولة وتزايد حدت الإكراهات التي تواجهها باستمرار، فإن تسيير هذه المالية ظل في بعض الدول حبيسا لمنهجية تقليدية موروثة في جوهرها على الفترة الاستعمارية ومنها المغرب، حيث أنه وفي الوقت الذي تنطوي فيه هذه المنهجية على الإفراط في المساطر الجامدة والشكليات المعقدة، فإنها لا تعير الاهتمام الكافي لمردودية وفعالية التدبير المالي بالرغم من أن هذه المنهجية تروم حماية المال العام من التبذير و الإسراف.
  • وفي هذا الإطار، فإن المشرع في أغلب الدول الديمقراطية إسهاما منه في حماية المال العام وصيانته وعقلنة استعماله عمل على إخضاعه للدراسة والتصويت داخل المؤسسة التشريعية المنتخبة، خاصة وان القانون المالي يشكل القالب القانوني لمالية الدولة مما يستوجب حصول موافقة ممثلي الشعب، وإسدال الشرعية عليه.
  • والمشرع المغربي إيمانا منه بأهمية القانون المالي عمل منذ دستور 1962 على إعطاء البرلمان سلطة التصويت على قوانين المالية، وهو ما تم تكريسه في جميع الوثائق الدستورية التي تلت الدستور الأول مما جعل البرلمان يـنفرد بخاصية النظر في مشاريع قوانين المالية والبت فيها بالموافقة أو الرفض، علما أن مجالات الاختصاص المالي مختلفة ومتعددة إلا أن أكثرها أهمية هي قوانين المالية التي تشمل القانون المالي السنوي والقانون المالي التعديلي وقانون التصفية، والتي تتيح للبرلمانيين فرصة للمناقشة والمشاركة لاقتراح التعديلات، كما أن آجال مناقشتها وإيداعها تكون محددة بقانون تنظيمي للمالية عكس المجالات الأخرى التي تنحصر فيها المبادرة البرلمانية في أضيق الحدود.
  • فالبرلمان كما هو معلوم يمارس الاختصاص التشريعي انطلاقا من الإطار الدستوري متبعا آليات العقلنة البرلمانية، سواء على مستوى مجال القانون أو فيما يرتبط بضوابط المسطرة التشريعية ، ورغم ذلك استطاعت الممارسة البرلمانية المغربية أن تفرز عدة خصوصيات كفيلة برصد آفاق هذه الممارسة وتحديد اتجاه تطورها ، فمن الناحية الكمية اتجه البرلمان نحو الرفع من حصيلة النصوص التي يصادق عليها مع تعاقب الولايات البرلمانية، ومن الناحية الكيفية، فإن الممارسة لازالت تكرس تفوق الحكومة على البرلمان كمصدر للتشريع، نفس القاعدة تنطبق على التشريع المالي، الذي عرف بدوره تطورا من حيث الممارسة مع تعاقب الدورات التشريعية ، رغم الحفاظ على نفس الآليات الدستورية والقانونية التي تنظمه .
  • وتكمن أهمية هذا الموضوع في كون الأساس في نشوء البرلمان هو حماية المال العام قبل أن يتطور ليصبح اختصاصه سن القانون في جميع الميادين المحددة له بنص الدستور، ذلك أن الوظيفة المالية للبرلمان توجد في قلب الاختصاص البرلماني نظرا لكونه ممثلا عن الشعب وناطقا باسمه، وبالتالي أن جميع  التصرفات التي قد يترتب عنها تكليف مالي لمالية الدولة يجب بالضرورة عرضها على البرلمان قصد الموافقة عليها، وإلا فإن هذا التصرف سيتسم بعدم الشرعية.
  •  غير أنه ومع ظهور ما يعرف بالعقلة البرلمانية، فإن جميع نصوص القانون التي تتضمن انعكاسا على مالية الدولة والتي يوافق عليها البرلمان، سواء تعلق الأمر بالمعاهدات الدولية التي ينص الدستور على عرضها على البرلمان أو مشاريع ومقترحات القوانين التي ترتبط بميزانية الدولة، أصبحت الحكومة تمتلك آليات دستورية وقانونية وفرها لها المشرع من اجل الحد من سلطة البرلمان التشريعية والتقليص من اختصاصه المالي في اتجاه جعل الحكومة الطرف المهيمن على المجال المالي وبالتالي تطرح مجموعة من الإشكالات :
  • ما هو دور البرلمان في اعتماد قوانين المالية؟ وما هي الاختصاصات والمجالات المالية الأخرى التي يمكن للبرلمان أن يتدخل فيها؟ وإذا كانت ميزانية الدولة هي المرآة التي تعكس حياة المجتمع بجوانبه المختلفة، لماذا لا يكون للبرلمان دور في إعداد وتحضير قانون المالية؟ وإذا كانت السلطة التشريعية لها الرقابة على سياسة الحكومة وأعمالها، فلماذا لا يكون لها ممارسة هذا الحق أثناء التدبير المالي؟

       

  • المبـحـث الأول : تجليات التدخل المالي للبرلمان
  • المـطلـب الأول : تدخل البرلمان على مستوى اعتماد قانون المالية
  • المطلـب الثـاني : المجالات الأخرى للتدخل المالي للبرلمان
  • المبحـث الثـاني : قصور الاختصاص المالي للبرلمان
  • المطلـب الأول : محدودية المبادرة المالية والاعتماد في المجال المالي
  • المـطلب الثـاني : محدودية التصويت وسلطة الرقابة البرلمانية

 

 

 

  • المبحث الأول : تجليات التدخل المالي للبرلمان

في البداية تجدر الإشارة إلى أن هناك مجالات مالية مختلفة يتدخل البرلمان من خلالها لتأكيد سلطته المالية، إلا أن أكثر هذه المجالات أهمية يرتبط بفحص مشاريع قوانين المالية والموافقة عليها، وتشمل هذه القوانين قانون المالية السنوي والقانون المالي التعديلي وقانون التصفية، فهذه القوانين تعتبر الاختصاص المالي الأساسي للسلطة التشريعية (المطلب الأول)، بالإضافة إلى المجالات الأخرى للاختصاص المالي للبرلمان (المطلب الثاني)

  • المطلب الأول : تدخل البرلمان على مستوى إقرار قانون المالية

قانون المالية هو البرنامج المالي للدولة والإطار العام للسياسة الاقتصادية والاجتماعية، الذي من خلاله تتمكن الحكومة من تنفيذ برامجها في مدة محددة وهي سنة، ويعتبر كذلك إطار تفصيلي لموارد الاعتماد المالية المرصودة لهذه الفترة[1]، ويعرف كذلك بأنه علم يدرس النفقات العامة والإرادات العامة وتوجهها بغرض تحقيق أغراض الدولة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية[2]، ولأهمية هذا القانون كان لابد من إحاطته بجميع الضمانات حتى يكون في مستوى الأهداف المنتظرة منه، وذلك في جميع مراحل إعداده وتحضيره حتى المصادقة عليه.

والدساتير المغربية المتعاقبة منذ سنة 1962[3]، نصت على أهمية هذا القانون، ولقد تم تكريسه في دستور 1996[4]، وذلك من خلال فصليه 50 و 51، وكذلك القانون التنظيمي رقم 98 -7والمقصود هنا ب” القانون التنظيمي “،القانون التنظيمي لقانون المالية رقم 98-7 المغير والمتمم بالقانون التنظيمي رقم 14.00 الذي حدد فيه المشرع طبيعة المعلومات و الوثائق و المعطيات الضرورية لتعزيز المناقشة البرلمانية حول مشروع قانون المالية. ومن خلال مادته الثانية والتي تنص على أن قانون المالية يتضمن ثلاثة أصناف : قانون مالية السنة وقانون المالية التعديلي وقانون التصفية[5]، ومن مستجدات دستور 2011 انه لا زال مؤكدا على نفس المعطى، عندما نص على أن قانون المالية يصدر عن البرلمان، وأحال على قانون التنظيمي الذي ينظم كيفية إعداده وتحضيره ومناقشته والمصادقة عليه، كما أنه نص على أن الحكومة تناقش مشروع قانون المالية في إطار مجلس الحكومة، بينما نص الفصل 49 على أن المجلس الوزاري ينظر في التوجهات العامة للمشروع، ليحال على مكتب مجلس النواب حيث تخصص جلسة مشتركة بين المجلسين للاستماع لتقديم مشروع القانون المالي من طرف وزير المالية، تليه مباشرة إحالته على اللجنة النيابية المختصة للشروع في دراسته دراسة تفصيلية قبل إحالته إلى الجلسة العامة لمناقشته وتعديله وللتصويت عليه، والمشرع المغربي ألزم البرلمان والحكومة بضرورة السهر على الحفاظ على توازن مالية الدولة، وهذا ما نص عليه الفصل 77 من دستور 2011 والتي تعتبر من المستجدات[6]، لأن الحكومة قبل 2011 كانت تلجأ إلى استعمال الدفع بعدم القبول لجميع مقترحات البرلمان، إذا كانت تصل بالتوازن المالي، ولكن الدستور الجديد جاء ليقيد الحكومة عندما ألزمها بضرورة تقديم الأسباب التي أدت بها إلى الدفع بعدم القبول.

وإذا كان إعداد وتحضير الميزانية من اختصاص السلطة التنفيذية في جميع الدول، فإن اعتمادها أو المصادقة عليها يدخل في دائرة اختصاص السلطة التشريعية، مما يجعل من البرلمان مجردة غرفة للتسجيل مقيدة الصلاحيات في المجال المالي، مما يؤدي إلى عدم تعزيز دور البرلمان في المجال المالي.

ولقد أثارت المادة 33 من القانون التنظيمي للمالية 98-7 على أنه يودع بمكتب أحد مجلسي البرلمان مشروع قانون مالية السنة قبل نهاية السنة المالية الجارية على أبعد تقدير، لكن الممارسة أثبتت عدم احترام تلك الآجال سواء من طرف البرلمان أو الحكومة[7].

أما بخصوص الاختصاص البرلماني في مجال قوانين المالية المعدلة، فلقد أشارت المادة 4 من القانون التنظيمي للمالية رقم 98-7 على أنه : “لا يمكن أن تغير خلال السنة أحكام قانون مالية السنة إلا بقوانين تسمى “قوانين معدلة” [8]، وحسب النص المذكور فإن هذه القوانين تعتبر بمثابة تصحيح وتعديل للسياسة المالية التي توقعتها الدولة خلال السنة، وذلك إما بتغيير التقديرات المتعلقة بالإرادات أو النفقات أو خلق إيرادات جديدة.

لذلك إذا ظهرت الحاجة خلال السنة المالية إلى تغيير المقتضيات التي أتى بها قانون مالية السنة، أمكن للحكومة أن تعد مشروع قانون بهدف تعديل قانون مالية السنة، وعند المصادقة على هذا المشروع يصبح قانونا معدلا لقانون مالية السنة، ولقد صدر القانون المعدل لمالية السنة سنة 1983، لأن المغرب في تلك الفترة كان عاجزا عن الوفاء بديونه فلجا إلى إعادة الجدولة، فهذا القانون المعدل جاء ليطبق ما تم الاتفاق عليه مع الدول والمنظمات الدائنة، وذلك من أجل تحسين الوضعية المالية للمغرب أي تطبيق سياسة التقويم الهيكلي[9].

وخلافا لقوانين المالية التعديلية والتي تندرج ضمن الباب المخصص لقانون المالية تم التنصيص على قانون التصفية في باب مستقل , فعندما تتم المصادقة على قانون لمالية و ينشر بالجريدة الرسمية تشرع السلطات التنفيدية في تحصيل المداخيل و صرف  النفقات و تتولى هيئات الرقابة التحقق من هذا التنفيد , و من الوجهة المدئية  و عند انتهاء هذه الرقابات , تنظم حساب عام للمداخيل و النفقات المنفدة فعلا , يسمى قانون التصفية يحال على البرلمان للموافقة عليه و يعتبر هذا القانون اخر مراحل المراقبة , حيث نصت المادة 47 من القانون التنظيمي 1998, “يثبت في قانون يسمى “قانون التصفية” المبلغ النهائي للمداخيل المقبوضة والنفقات المأمور بصرفها والمتعلقة بنفس السنة المالية ويحصر في حساب نهاية السنة[10].

ويجب أن يودع المشروع المذكور بمكتب أحد مجلسي البرلمان (مجلس النواب بالأسبقية مستجدات (دستور 2011) في نهاية السنة الثانية الموالية لسنة تنفيذ قانون المالية على أبعد تقدير، ويرفق مشروع القانون المذكور بتقرير يعده المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية وبالتصريح العام بمطابقة حسابات المحاسبين الفردية للحساب العام للمملكة، ويمكن القول أن قانون التصفية يشكل تقديما لقانون مالية السنة القادمة[11].

يكتسي قانون التصفية أهمية بالغة باعتباره آلية لإخبار البرلمانيين واطلاعهم على كيفية صرف الاعتمادات واستخلاص الموارد، و يعتبر أيضا وسيلة لممارسة الرقابة البعدية على أعمال الحكومة، وهو ما يمكن أن نستشفه من خلال التنصيص عليه في الدستور الجديد في فصله 76[12]، بحيث أصبحت الحكومة ملزمة بتقديم مشروع قانون التصفية أمام البرلمان لمناقشته ومعرفة أوجه صرف المال العام.

  • المطلب الثاني : المجالات الأخرى للتدخل المالي للبرلمان.

بعد التطرف في المطلب الأول للاختصاصات البرلمانية في مجال القوانين المالية وكيفية تقديمها، فستخصص هذا المطلب للمجالات الأخرى والتي تتجلى في موافقة البرلمان على مخطط التنمية وفي الموافقة على المعاهدات الدولية وكذا دور البرلمان في المجال الجبائي.

تعتبر الموافقة على مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مجالا آخر منح للبرلمان المغربي كي يمارس بعضا من سلطاته، إلا أن اختصاصه في هذا المجال يبقى محدودا مقارنة مع دوره في الميزانية.

والمشرع المغربي لم يفرض مقتضيات خاصة بمخططات التنمية، بل جاءت بشكل عام ضمن المجال الذي حدده المشرع للقانون وذلك وفقا للفصل 71 من الدستور المغربي الجديد والذي جاء تقريبا بنفس الصياغة التي كان عليها الدستور القديم، حيث نص على أنه “… للبرلمان، بالإضافة إلى الميادين المشار إليها في الفقرة السابقة، صلاحيات التصويت على قوانين تضع إطار الأهداف الأساسية لنشاط الدولة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية”[13].

لقد وضعت المبادئ الأساسية للتخطيط بالمغرب سنة 1957، وقد أكدت الدساتير المغربية المتلاحقة على ذلك، محددة الاختصاصات البرلمانية في مجال التخطيط. فانطلاقا من سنة 1962 أسند المشرع الدستوري مهمة إعداد المخطط للمجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط، وفي هذه الفترة كان البرلمان يشارك في فحص المخطط بعشرة أعضاء من اللجنة المالية، وكانت مشاركته مشاركة استشارية[14].

لكن ما يلاحظ في التجربة البرلمانية المغربية أنه لم تعرض المخططات على البرلمان للتصويت عليه إلا بعد 1977، وما قبل ذلك من المخططات تم اعتماده دون موافقة البرلمان[15].

إن فحص المخطط في هذه المرحلة الإعدادية والإعلامية يعد بمثابة تبني للمخطط من قبل البرلمان، فخلال هذه المرحلة يتمكن البرلمان من فحص المخطط في مرحلته الإعدادية قبل أن يعرض عليه من أجل الموافقة عليه.

وقد عملت الدساتير المغربية المتعاقبة على منح البرلمان سلطة اعتماد المخطط، حيث كان المخطط الثلاثي هو أول مخطط يقدم للبرلمان لأجل المصادقة عليه، واعتبر ذلك عملا إيجابيا بحيث تم تجاوز الطريقة التقليدية التي كان يعتمد عليها المخطط حيث كان في المجلس الوزاري ويدخل حيز التنفيذ دون مروره على الجهاز التشريعي[16].

وإذا عدنا إلى النص الدستوري الذي يوضح لنا كيف يصوت البرلمان على اعتمادات المخطط نجد أن الفصل 75 من الدستور الجديد الذي جاء بشكل مشابه إلى حد ما لما كان منصوصا عليه في الفصل 50 من الدستور السابق، حيث جاء في فقرته الثانية أن “… يصوت البرلمان مرة واحدة على نفقات التجهيز التي يتطلبها، في مجال التنمية، إنجاز المخططات التنموية الإستراتيجية، والبرامج المتعددة السنوات، التي تعدها الحكومة ويطلع عليها البرلمان، وعندما يوافق على تلك النفقات، يستمر مفعول الموافقة طيلة مدة هذه المخططات والبرامج، وللحكومة وحدها الصلاحية لتقديم مشاريع قوانين ترمي إلى تغيير ما تمت  الموافقة عليه في الإطار المذكور …[17]“، كما يقر القانون التنظيمي للمالية رقم 98-7 في المادة 24 بأنه “لا يمكن أن تترتب على المخططات الموافق عليها من قبل البرلمان التزامات للدولة إلا في نطاق الحدود المعينة في قانون مالية السنة[18]” وتنص كذلك المادة 25 من نفس القانون التنظيمي على أنه “يمكن ان تمنح في شأن نفقات الاستثمار الناتجة عن تنفيذ مخطط التنمية ترخيصات في برامج تحدد التكلفة الإجمالية والقصوى لمشاريع الاستثمار المعتمدة[19]“.

ويمكن القول بأن سلطة البرلمان في هذا الصدد محدودة جدا، حيث تنحصر في التصويت فقط دون المبادرة، كما ان الغرفتين لا يمكنهما تقديم أي اقتراح يرمي إلى إدخال أي تعديلات يمكن ان تترتب عليها تكاليف للمخطط، نظرا لما لها من آثار مكلفة للقانون المالي، على أنه ومع ذلك يمثل التدخل البرلمان للموافقة على المخطط أهمية خاصة، إذ يمكنه من فحص المشاريع الاستثمارية للدولة ومن التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وبالإضافة إلى موافقة البرلمان على مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، فإن الدستور المغربي أقر لفائدة البرلمان صلاحية مالية أخرى والتي تتجلى في الموافقة على المعاهدات التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة.

الأصل أن المعاهدات يصادق عليها من طرف الملك , الا ان الفصل 55 من الدستور حدد الاختصاصات التي تمارس في مجال المعاهدات , حيت انه ميز بين سلطة الملك في التوقيع و المصادقة على المعاهدات , و بين سلطة البرلمان في الموافقة على المعاهدات التي يترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة , و يستمد البرلمان هذه الموافقة انطلاقا من سلطته التشريعية في الميدان المالي .

و قبل ابراز سلطة البرلمان في مجال الموافقة على المعاهدات الملزمة لمالية الدولة , يقتضي منا الامر تحديد ما هية المعاهدات الملزمة لمالية الدولة و و دور البرلمان في الموافقة على هذا النوع من المعاهدات .

و تبعا لذلك تكون المعاهدات الملزمة لمالية الدولة عندما يترتب عنها اثار مباشرة تكلف مالية الدولة , بمعنى تمس يشكل مباشر التوازن المالي للدولة الشئ الذي يتطلب فتح اعتمادات مالية مباشرة , و هذع الاعتمادات لا يمكن رصدها الا مموافقة البرلمان , و هذا ما كرسه الدستور المغربي في الفصل 55 , فبعد عرض عذا النوع من المعاهدات على المجلس الوزاري , يتم ايداع مشروع القانو نالقاضي بالموافقة عليها بالاسبقية لدى مجلس النواب “الفصل 78 من الدستور2011 “و تخضع دراسة هذا المشروع لنفس المسطرة التشريعية التي تخضع لها بعض القوانين الاخرى باستثناء ممارسة حق التعديل , اد ان الموافقة التشريعية هيي موافقة من حيت المبدأ , و تهم مختلف مواد و بنود المعاهدة باعتيارها كلا لا يتجزء و من تم يشتبعد اقتراح اي تعديلات عليها بالنظر الى قيام احكامها عى اساس اتفاقي بين السلطات الوطنية المغربية وبين الاطراف الاخرى[20].

فحص الاتفاقيات الملزمة لمالية الدولة تعتبر فرصة لإعمال البرلمان سلطته الرقابية على السياسة الحكومية في العلاقات الخارجية , كما انها فرصة كذلك امام اللجان البرلمانية و خاصة اللجنة المالية , لمطالبة الحكومة بتقديم تفسيرات بخصوص الديون الخارجية و سياستها في التعاون الدولي [21].

و تجدر الاشارة الى انه باستثناء الفصل 55 من الدستور لا نجد مقتضيات دستورية اخرى تنظو اجراءات الموافقة البرلمانية على المعاهدات الملزمة لمالية الدولة كما ان القانون التنظيمي لقانون المالية رقم 98-7 لم يشر الى الترخيص البرلماني بخصوص هذا النوع من المعاهدات الا بشكل عمومي و شامل حيث نصت المادة 7 على انه “يمكن ان تلزم التوازن المالي للسنوات المالية اللاحقة , الاحكام المتعلقة بالموافة على الاتفافيات المالية “, و تنص المادة 19 على انه “تشمل الحسابات الخصوصية للخزينة ’ على حسابات الانخراط في الهيئة الدوليى التي تبين فيها المبالغ المدفوعة و المبالغ المرجعة برسم مشاركة المغرب في الهيئة الدولية .

و بالتالي فالترخيص بالموافقة على المعاهدات الملزمة لمالية الدولة يتم حسب الفصل 55 من الدستور في شكل قانون يصوت عليه البرلمان .

 

وهناك أيضا موافقة البرلمان على القوانين الجبائية، بحيث تعتبر الضريبة أداء نقدي … يتحمله الشخص طبيعيا كان أو معنويا بصفة إجبارية ونهائية، ويقوم بدفعه دون مقابل من أجل تغطية النفقات العمومية وغيرها من الأهداف، وقد نص الفصل  39 من دستور 2011:”على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها”، انطلاقا من النص يتضح أن للبرلمان وحده سلطة التشريع في الضريبة وتوزيعها، فصلاحية البرلمان في المادة الضريبية هي صلاحية خاصة لا يمكن فصلها عن التطور الديمقراطي في هذا المجال، وتنبع أهمية تدخل البرلمان في المجال الجبائي انطلاقا من مبدأين أساسيين ومختلفين، الأول يتعلق بمسألة التعبير عن السيادة الوطنية، فيما يرتبط الثاني بمبدأ القبول بالضريبة وهو مبدأ أساسي مدرج في جميع الدساتير الديمقراطية.

وتظل أهم المستجدات التي أتى بها دستور 2011 على المستوى المالي، هو توسيع مجالات اختصاص القانون، ومن ضمنها المجالات ذات الطابع المالي، وخاصة الجبائي كالنظام الضريبي ووعاء الضرائب ومقدارها وطرق تحصيلها وكذا النظام القانوني لإصدار العملة ونظام البنك المركزي وأيضا نظام الجمارك، وهي عناصر حرص النص الدستوري الحالي على تحديدها بشكل صريح في الفصل 71 من الدستور، الذي يستبعد كل إمكانية لفرض اقتطاعات جبائية خارج إطار الشرعية القانونية[22], هذا من جهة.

أما من جهة ثانية، فهناك تصويت البرلمان على النصوص الجبائية، لأن القانون الجبائي يرتبط ارتباطا وثيقا بالقانون المالي، فغالبا ما يتم تحديد الضرائب أو تعديلها أو تغيير أسعارها أو تقرير الإعفاء عنها أو الزيادة فيها عند إصدار القانون المالي، غير أنه لا يمكن القول بأن كل الأمور المتعلقة بالضريبة يختص بها قانون المالية، حيث يمكن للقوانين العادية أن تنظم بعض الجوانب الخاصة بالضريبة[23]، لكن عمليا يظهر الاختصاص البرلماني في المجال الضريبي، من خلال المناقشة والتصويت على قوانين المالية التي تتضمن إجراءات جبائية جديدة أو تعديلات تلحق الضرائب الجارية المفعول[24].

والتصويت على النصوص الجبائية المدرجة ضمن مشروع قانون المالية يتم ووفقا للمسطرة التي حددها الدستور في الفصل 84 حيث نص على أنه : ” … يتداول كل مجلس في النص الذي صوت عليه المجلس الآخر في الصيغة التي أحيل بها عليه، ويعود لمجلس النواب التصويت النهائي على النص الذي تم البث فيه، ولا يقع هذا التصويت إلا بالأغلبية المطلقة لأعضاء الحاضرين  , اذا تعلق الامر بنص يخص الجماعات الترابية, و المجالات ادت الصلة بالتنمية الجهوية والشؤون الاجتماعية “.

هذا بالإضافة إلى التدابير التي حددها القانون التنظيمي لقانون المالية سواء تعلق الأمر بعملية الإيداع المرتبطة بآجال محددة وصارمة أو عملية التصويت، وفي هذا الإطار نصت المادة 38 من القانون التنظيمي أنه : “يجري في شأن تقديرات المداخيل تصويت إجمالي فيما يخص الميزانية العامة و التصويت على كل صنف من اصناف الحسابات الخصوصية للخزينة “[25]، ولقد أشارت المادة 11 من نفس القانون التنظيمي إلى ” الضرائب والرسوم كموارد للدولة[26] والتي تتمثل في الاقتطاعات شبه الضريبة، حيث أنها تفرض بمرسوم الوزير الأول دون الرجوع للبرلمان، مما يعني التقليص من اختصاص البرلمان في المجال الجبائي.

  • المبحثII : قصور الاختصاص المالي للبرلمان

يعتبر قانون المالية كترجمة للسياسة العامة للبلاد، إذ منه يمكن للمتتبع أن يستشف الخطوط العريضة لهذه السياسة وأولويتها، فأرقام والأهداف التي يتضمنها هذا القانون تكون دائما بمثابة المؤشر الحقيقي على التوجهات الفعلية للحكومة وإذا كانت السلطة التنفيذية قد استطاعت أن تحافظ على توازنها فإنها السلطة التشريعية أصبحت تعرف محدوديات وقصور أقرتها كل من التدابير الدستورية والنصوص القانونية والتنظيمية جاءت لتحد من دور البرلمان ولم تستثني مجالا من المجالات المالية إلا وجعلته يسير في اتجاه الحكومة دون البرلمان وعلى تنوع المحدوديات وكثرتها يمكن أن نميز بين محدودية المبادرة والاعتماد في المجال المالي وبين محدودية التصويت البرلماني وسلطة الرقابة البرلمانية.

  • المطلب I : محدودية المبادرة البرلمانية والاعتماد في المجال المالي:

يمكن تعريف المبادرة بالاقتراح الذي يضع الأسس الأولى للتشريع ويحدد مضمونه و الذي ينص عليه القانون في الفصل 78″ للحكومة ولأعضاء البرلمان على السواء حق التقدم باقتراح القوانين” [27].

إن انطلاق العملية التشريعية لا تبدأ من فراغ  ، إذ لابد من بداية تتمثل في اقتراح الذي يساهم في تحديد القاعدة القانونية، وإذا كان البرلمان من خلال الدستور لديه الحق في المبادرة التشريعية، فالملاحظ أن هذه المبادرة ضعيفة في المجال التشريعي ومنعدمة في المجال المالي.[28]  وتتجلى محدودية المبادرة المالية في ما يلي:

حدود حق الاقتراح والتعديل المخولين للبرلمان :

اعتمادا على الدستور المغربي لسنة 1996 فصل 52 [29] ودستور 2011 فصل 79 أعطى للسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية حق التقدم باقتراح القوانين[30] مما يدفعنا بالقول أن الاقتراح في المسائل المالية حق للسلطتين معا، ومع تعاقب الدساتير أثبتت التجربة أن المقترات البرلمانية تم استبعادها في المجال المالي واقتصر هذا الحق على الحكومة وحدها، وهذا التقليص من المبادرة المالية للبرلمان يأتي في سياق القيود القوية المفروضة على الوظيفة التشريعية أما بالنسبة  لمسطرة الدفع بعدم القبول الذي نص عليه الفصل 77 من دستور 2011 وكما ذكرنا سابقا فإن مشاريع القوانين المتعلقة بالميزانية تقدم من قبل الحكومة وهي حرة في التصرف من حيث تاريخ التقديم للمناقشة والتصويت عليها، ويتبين هذا التصرف من خلال الفصل 51 من دستور 1996[31] والفصل 77 من دستور 2011 الذي ” منع كل الاقتراحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية أ و الوحدات تكليف عمومي أو زيادة في التكليف”.

محدودية الاعتماد في المجال المالي:

يعتبر اعتماد قانون المالية سلطة ممنوحة للحكومة من اجل تنفيذ القرار مما ينعكس سلبا على اختصاص البرلمان.

  1. محدودية الترخيص البرلماني:

انطلاقا من المادة 1 من القانون التنظيمي للمالية رقم 98-7 نص على انه” يتوقع قانون المالية لكل سنة مالية مجموع موارد وتكاليف الدولة وينص عليها، ويأذن بها ضمن توازن اقتصادي ومالي يحدده القانون المذكور.”وبذلك يتضح بأنه لا يحدد فقط العمليات النهائية الموصوفة في الميزانية العامة , بل يتطرق كذلك إلى العمليات المتخصصة المؤقتة المشار إليها في الحسابات الخصوصية للخزينة و العمليات المتخصصة المنخرطة في إطار الميزانيات الملحقة , وذلك في إطار توازن عام اقتصادي ومالي يحدده، وهذا ما يؤكد الأهمية التي يكتسبها كأداة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية وهذا ما تؤكد عليه المادة 38 من القانون التنظيمي للمالية، “يجرى في شأن تقديرات المداخل تصويت إجمالي فيما يخص الميزانية العامة، وتصويت عن كل صنف من أصناف الحسابات الخصوصية للخزينة.

وبالنسبة لنفقات يتم التصويت على الأبواب والفصول بالنسبة للميزانية العامة، وعن كل صنف من أصناف بالنسبة للحسابات الخصوصية.[32]

  1. محدودية سقف الاعتمادات:

تظهر محدودية الترخيص السنوي في نقل الاعتمادات والترخيصات في البرامج بخصوص نقل الاعتمادات. فلقد أشارت إليه المادة 46 من القانون التنظيمي للمالية المشار إليه سابقا وأكدت على أنه “لا يجوز أن ترحل الاعتمادات المفتوحة في الميزانية العامة برسم سنة مالية إلى السنة الموالية، غير أن اعتمادات الأداء المتوفرة برسم نفقات الاستثمار ترحل وفق للإجراءات المحددة بنص تنظيمي ما لم ينص على خلاف ذلك في قانون المالية. ويضاف إليه اعتمادات للأداء المفتوحة بموجب قانون مالية السنة”. وبهذا يمكن نقل اعتمادات الأداء التي تم الترخيص فيها لسنة ولم يتم استهلاكها كليا أو جزئيا إلى السنة الموالية، و يتم هذا النقل بقرار وزير المالية وبهذا تكون هذه الترخيصات استمرت لمدة تفوق سنة.[33]

أما بالنسبة للترخيصات في البرامج فنظرا لطبيعة بعض النفقات للاستثمار تتطلب اعتمادات تتعدى السنة نظرا لصعوبة انجازها وللتوفيق بين هذه النفقات الباهظة وبين مبدأ السنوية ،يظهر مفهوم الترخيص في البرنامج بالنسبة للمشاريع التي لا يمكن تنفيذها في داخل إطار السنة، وبهذا فالترخيص في البرنامج يمثل تقديرا مؤقتا لمشروع استثماري يتطلب انجازه أكثر من سنة. والحكومة هي التي تملك الصلاحيات في التقدم بمشاريع قوانين ترمي إلى تغيير البرنامج المصادق عليها وهو ما أكد عليه الفصل 50 من دستور 1996 والفقرة الثانية من الفصل 75 من الدستور الحالي 2011.[34]

  • المطلب الثاني: محدودية التصويت وسلطة الرقابية البرلمانية:

 

 محدودية التصويت البرلماني:

 

  1. شروط التصويت على نفقات التجهيز:

حسب المادة 50 من دستور 1996 الفصل 75 من دستور2011 ينص على أنه “يصوت البرلمان…. على نفقات التجهيز التي يتطلبها انجاز مخطط التنمية، وذلك عندما يوافق على المخطط” وهذا ما تؤكد عليه كذلك المادة 25 من القانون التنظيمي للمالية، حيث “يمكن أن تمنح في شأن نفقات الاستثمار الناتجة عن تنفيذ مخطط التنمية ترخيصات في برامج تحدد التكلفة الإجمالية والقصوى لمشاريع الاستثمار المعتمدة…”[35]  وبالتالي فنفقات التجهيز لا يصوت عليها البرلمان إلا مرة واحدة وذلك عندما يوافق على مشروع التجهيز. كما توجد قيود قانونية أخرى تتمثل في مكونات الميزانية تتجلى أولا في عدم مناقشة البرلمان الجزء الثاني قبل التصويت على الجزء الأول، وكذلك يلاحظ قيد آخر يرد على سلطة البرلمان في المجال المالي ويتمثل قصر المدة المتاحة لدراسة مشروع القانون المالي.

  1. التصويت قبل بداية السنة المالية:

على خلاف دستور 1962 الذي كان يقضي بضرورة إيداع مشاريع قوانين المالية أمام مجلس النواب بادئ ذي بدء، فإن دستور 1996 ساوى بين الغرفتين في هذا المجال إذ لم يمنح الأسبقية لأحد المجلسين على الآخر بل ترك الخيار مفتوحا أمام الحكومة في إيداع مشاريع القوانين ،ومن بينها مشروع قانون المالية بمكتب أحد مجلسي النواب.

تكريسا لهذا المبدأ الدستوري نصت المادة 33 من القانون التنظيمي لقانون المالية على أنه “يودع مشروع قانون المالية للسنة بمكتب أحد مجلسي البرلمان قبل نهاية السنة المالية الجارية ب 70 يوم على أبعد تقدير “[36].

فإذا لم تحترم الحكومة الأجل  فإن المدة تتقلص ويؤدي ذلك إلى احتمال عدم التوصل إلى قرار بشأن مشروع القانون المالي خلال الأجل المحدد له الشيء الذي يسمح للحكومة بأن تفتح بموجب مرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية والقيام بالمهام المنوطة لها،كما أن قاعدة فتح الإعتمادات  هذه تشكل قيدا مهما على سلطة أعضاء البرلمان في المجال المالي بحيث يجدون أنفسهم محصورين بعامل الوقت والخوف من تطبيق هذه القاعدة على الموافقة على مشروع قانون المالية.

  1. التصويت على الجزء الأول قبل الجزء الثاني:

حسب مقتضيات المادة 36 من القانون التنظيمي للمالية، “لا يجوز في أحد مجلسي البرلمان عرض الجزء الثاني من مشروع قانون المالية للسنة للمناقشة قبل التصويت على الجزء الأول”.[37] بمعنى أن البرلمان يجب أن يصوت على الجزء الأول الذي يتضمن مداخيل الدولة قبل أن يصوت على الجزء الثاني الذي يتضمن تقسيم هذه التقديرات بين مختلف المصالح العمومية. وذلك من أجل الحصول على التزام من البرلمان على قبول الجزء الثاني.

حدود سلطة الرقابة البرلمانية:

الدور الرقابي يمارسه البرلمان من حيث أن الحكومة مسؤولة أمام البرلمان والمتمثلة في إثارة مسألة الثقة وملتمس الرقابة.

  1. طرح الثقة.

يطلب التصويت بمنح الثقة بصريح نص الدستور فقط من مجلس النواب، معناه أن الحكومة تربط مسؤولياتها بالتصويت على السياسة العامة و على نص مشروع ، ويمكن للحكومة ان تأخد جزءا من مشروعها ، وتطلب من مجلس النواب التصويت بنعم، ولا يمكن سحب الثقة من الحكومة أو رفض النص إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، ويؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية، وهذه الإمكانية تعرفها الحياة السياسية في فرنسا من حين لآخر، لكن بالمغرب لم يتم اللجوء إليها لأسباب متعددة منها ظاهرة غياب النواب،و كذالك أغلبية البرلمان  التي توجد في الحكومة. [38]

كما أن الفصل 103 من الدستور الحالي يمنح للحكومة إمكانية أن تضمن المصادقة على النصوص المالية بدون تصويت، كما تنص الفقرة الثالثة من نفس الفصل أنه “لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاث أيام كاملة على تاريخ طرح مسألة الثقة”[39]. وهذه الآجال في صالح الحكومة كما يمكن لهذه الأخيرة إجبار المجلس على التصويت على نص ذي طبيعة تشريعية إذا كانت مسألة الثقة تثار بمبادرة من الحكومة فإن البرلمان أيضا يمكن أن يثير المسؤولية السياسية للحكومة عن طريق ملتمس الرقابة.

  1. ملتمس الرقابة:

يمكن لمجلس النواب أن يعارض في مواصلة الحكومة تحمل  مسؤوليتها وذلك بالموافقة على ملتمس الرقابة ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل ربع الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس كما لا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة من لدن مجلس النواب إلا بتصويت  الأغلبية المطلقة للأعضاء، الذين تتالف منهم ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاث أيام كاملة على إيداع الملتمس، وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية وبالرجوع إلى مقتضيات دستور 2011 نجده متضمنا لنفس الآلية في الفصلين 106-105 حيث نص أنه لا يمكن تقديم ملتمس الرقابة إلا إذا وقعه على الأقل ربع الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب حسب الفقرة الأولى من دستور 1996 في حين دستور 2011 ، نص الفصل 105 الفقرة الأولى “… لا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خمس أعضاء الذين يتألف منهم المجلس” [40].

وانطلاقا من النص يتضح أن الدستور الجديد وسع من إمكانية لجوء البرلمانيين لملتمس الرقابة بجعل إمكانية اللجوء إليه تتم بخمس الأعضاء الذين يتألفون منهم مجلس النواب أو خمس أعضاء مستشارين، خلاف ما كان في دستور القديم، حيث كان يشترط لقبول ملتمس الرقابة بمجلس النواب التوقيع عليه من طرف ربع أعضاء المجلس، وفي مجلس المستشارين اشترط التوقيع عليه من طرف ثلث أعضائه

 

 

خاتمة

ما يمكن أن نخلص إليه في ختام هذا العرض، هو أن الميدان المالي من الناحية الدستورية يعتبر مبدئيا من اختصاص البرلمان، إلا أن هذا الاختصاص تحده عدة قيود، منها ما هو قانوني ومنها ما هو واقعي، تجعل مؤسسة البرلمان ضعيفة في هذا المجال، لكن بالمقابل نجد دور الحكومة يتطور وينمو على حساب هذا الأخير، وذلك طبقا لمبدأ عقلنة العلاقة بين السلطتين.

لكن التعديل الدستوري الجديد حاول أن يرجع للبرلمان مكانته في الاختصاص المالي، متجاوزا بذلك مجموعة من القيود المسطرية التي تكبح صلاحيات المؤسسة التشريعية بالرغم من غموضها على مستوى منطوق النص الدستوري، خصوصا وأن القانون التنظيمي للمالية باعتباره قانونا مكملا للدستور والذي ينتظر منه أن يعدل مجموعة من الأمور في القانون التنظيمي للمالية الحالي التي هي مخالفة لمقتضيات الدستور الجديد وجعله يتماشى مع متطلبات الحكامة المالية والتدبير العمومي الجيد اللذان أصبحا ضرورة تقتضيهما المرحلة الراهنة للتخلص من التدبير التقليدي والمساطر الجامدة للمالية، لم يصدر بعد لتوضيح وتدقيق النص الدستوري لتتأكد لنا صلاحيات البرلمان في المجال المالي.

هل ستبقى كما كان عليه الحال في ما سبق،أم أنها ستتغير حقا؟ ويصبح للبرلمان مجالا واسعا في الميدان المالي؟ والذي سيوضح كذلك مدى صلاحية الطرق التي تدبر بها الشؤون المالية كما هو منصوص عليه في القانون التنظيمي للمالية الذي لا زال معمولا به رغم كونه يتضمن بنودا مخالفة للدستور الحالي؟ أم أنه سيحاول أن يحذو حذو المشرع الفرنسي ويساير آليات المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية؟

 

 

 

 

 

لائحة المراجع

  • الكتب العامة :

عبد الإلاه فونتر، العمل التشريعي بالمغرب الجزء الثاني سلسلة الدراسات وأبحاث جامعية 2002.

عبد النبي أضريف : المالية العامة أسس وقواعد تدبير الميزانية العامة ومراقبتها، الطبعة الأولى 2005.

مصطفى قلوش : المؤسسة البرلمانية، مكتبة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع الرباط 1997-1998.

مصطفى منار : لاقتطاع الضريبي والعدالة الاجتماعية “بدون درا نشر، مؤلف جامعي، السنة الجامعية 2007، ص55-56

  • أطروحات ورسائل

الهبري الهبري، الاختصاصات المالية للبرلمان المغربي، أطروحة لنيل الدكتراه في القانون العام، جامعة محمد الأول وجدة 2005-2006.

المصطفى الكحلي : الوظيفة الرقابية للبرلمان المغربي في ظل دستور 1996 أطرحة نيل الدكتوراه 2008.

حسنية اوهلال : مشاركة البرلماني في صياغة النص القانوني من خلال “حق التعديل”، رسالة لنيل شهادة الماستر سنة 2011-2012.

 

  • محاضرات ومجالات 

حسن العرفي : تطوي الرقابة البرلمانية على الميزانية نحو مقاربة قائمة على النتائج، مكتب تحليل الميزانية نونبر 2007.

محاضرات عبد النبي أظريف قانون المالية ام الميزانية؟ جدلية العلاقة بين السلطة التشريعية والتنفيذية.

امحمد قزبير : “الصلاحيات المالية للجهازين التشريعي والتنفيذي في ظل دستور 2011”. مقال منشور بجريدة المساء بتاريخ 1 يناير 2012.

  • نصوص قانونية :

الدساتير المغربية لسنة 1962 و 1996 و 2011.

القانون التنظيمي للمالية رقم 98-7 لسنة 1998.

 

الطالبات

ايمان اوهبوش

سلوى فرجلي

فاطمة الزهراء الكحل

و الله ولي التوفيق

– المصطفى الكحل : الوظيفة الرقابية للبرلمان المغربي في ظل دستور 1996، أطروحة لنيل الدكتوراه 2008 ص 248.[1]

– عبد النبي أظريف : المالية العامة أسس وقواعد تدبير الميزانية العامة ومراقبتها، الطبعة الأولى 2005 ص 20.[2]

– دستور 1962 للمملكة المغربية.الظهير الشريف الصادر في جمادى الثانية 1382االموافق رابع من نونبر1962[3]

– دستور 1996 للمملكة المغربية.الهير الشريف الصادر في جمادى الاولى1417 الموافق السابع من اكتوبر  1996[4]

[5]– ظهير شريف رقم 1.98.138 صادر بتاريخ 07 شعبان 1419 الموافق ل 26 نونبر 1998، المتعلق بتنفيذ القانون التنظيمي لقانون المالية رقم 7.98 منشور بالجريدة الرسمية عدد 4644 بتاريخ 03 دجنبر 1998.

[6] – ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 شعبان 1432 الموافق 29 يوليوز 2011، المتعلق بتنفيذ نص الدستور المراجع، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432 الموافق 30 يوليوز 2011.

[7] – المادة 33 من قانون 98-7، مرجع سابق

[8] – المادة 4 من قانون 98-7، مرجع سابق

[9] – عبد النبي أضريف، مرجع سابق ص45.

[10] – عبد النبي أضريف، مرجع سابق ص 46

[11] – My zellec Raymond, un exemple des control a posteriori de la loi de règlement RSF, 1973.P22

[12] – دستور المملكة المغربية 2011، مرجع سابق

[13] – دستور المملكة المغربية 2011، مرجع سابق

[14] – عبد الإلاه فونتيير، العمل التشريعي بالمغرب الجزء الثاني، سلسلة وأبحاث جامعية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 2002، ص 242.

[15] – الهبري الهبري: “الاختصاصات المالية للبرلمان المغرب” أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الأول – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- وجدة السنة الجامعية 2005-2006، ص 110.

[16] – الهبري الهبري، مرجع سابق، ص114

[17] – دستور المملكة المغربية 2011، مرجع سابق

[18] – المادة 24 من القانون التنظيمي 98-7، مرجع سابق.

[19] – المادة 25 من القانون التنظيمي 98-7، مرجع سابق

عبد الاله فونتير”العمل التشريعي بالمغرب ” مرجع سابق ص299[20]

[21] الهبري الهبري , مرجع سابق ص 138.

[22] – امحمد فويير : “الصلاحيات المالية للجهازين التشريعي والتنفيذي في ظل دستور 2011 “مقال منشور بجريدة المساء بتاريخ 1 يناير 2012.

[23] – الهبري الهبري : المرجع السابق، ص 163

[24] – مصطفى منار : “الاقتطاع الضريبي والعدالة الاجتماعية” بدون دار نشر، مؤلف ماهي، السنة الجامعية 2007، ص55-56

[25] – المادة 38 من القانون التنظيمي 98-7، مرجع سابق.

[26] – المادة 27 من القانون التنظيمي 98-7، مرجع سباق.

[27] – حسنية أبو هلال مشاركة البرلماني في صياغة النص القانوني من خلال “حق التعديل”، رسالة لنيل شهادة الماستر سنة 2011 -2012، ص 21

[28] – مصطفى قلوش المؤسسة البرلمانية مكتبة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع الرباط 1997 – 1998 – ص 102.

[29] – دستور 1996 للملكة المغربية مرجع سابق

[30] – دستور 2011 للملكة المغربية، مرجع سابق

[31] – الفصل 51 من دستور 1996 والفصل 77 من الدستور الحالي 2011

[32] – المادة 38 و 39 من القانون التنظيمي للمالية، مرجع سابق.

[33] – ذ- عبد النبي أظريف، مرجع سابق ص 55

[34] – ذ- عبد النبي أظريف، مرجع سابق ص 53

[35] – حسن العرفي، تطوير الرقابة البرلمانية على الميزانية: حق مقاربة قائمة على النتائج، مكتب تحليل الميزانية، نونبر 2007 ص 21

[36] – المادة 33 من القانون التنظيمي للمالية 7-98

[37] – المادة 36 ن القانون التنظيمي للمالية 7-98

[38] – محاضرات ذ. عبد النبي أظريف، قانون المالية أم الميزانية؟ جدلية العلاقة بين السلطة التشريعية والتنفيذية.

[39] – الفصل 103 من دستور 2011

[40] – الفصلين 105-106 من دستور 2011.

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super