كيفيـــــــــة تحليل النص قانوني بين النظري والتطبيقي

كيفيـــــــــة تحليل النص قانوني بين النظري والتطبيقي

ahmed

 

أحمــــــــــــــــــد المعـــــــــــــتقيد

باحث بسلك الماستر

بكلية الحقوق ســـــــــلا

 

 

 

مـــقـــــــــدمـــــــــة :

 

يعتبر تحليل النص القانوني من بين الوسائل التي يعتمد عليها سواء الطالب أو الممارس لمهنة لها علاقة بالقانون ،
و تحليل النص القانوني هو تجزيئه وتفكيك العناصر التي يتألف منها و معرفة المغزى منه و مقصد المشرع من وضعه.
وتتجلى أهمية هذه الدراسة أولا في كون أن تحليل النص القانوني يعد من الوسائل الأساسية التي يعتمد عليها سواء القاضي و الباحث أثناء دراسته للنصوص القانونية و تبيان مغزاه، وثانيا في المساعدة على استنباط الأحكام.

وقد قمنا في هذا الموضوع بدراسة أهم المراحل التي تمر منها عملية تحليل نص قانوني،واعتمدنا لذلك فصلين محوريين ، خصصنا الأول للتحليل النظري للنص القانوني،أما الثاني فقد تضمن الجانب التطبيقي في منهجية تحليل النص القانوني .

ولن يتأتى لنا ذلك إلى بالإنطلاق من إشكالية محورية يمكن أن تشكل محاولة الجواب عنها،خارطة الطريق لإنجاز هذا العمل،ومن ذلك يمكن طرح الإشكال التالي :

ماهي أهم الخطوات الواجب اتباعها لتحليل النص القانوني ؟

و للإجابة على هذا السؤال نقترح اعتماد التصميم الآتي  :

الفصل الأول  : التحليل النظري للنص القانوني

المبحث الأول : التحليل الشكلي للنص القانوني

المبحث الثاني : التحليل الموضوعي للنص القانوني

الفصل الثاني : الجانب التطبيقي في منهجية تحليل النص القانوني (الفصل 149من ق م م(  

المبحث الأول :  الإطار العام للفصل 149 من ق م م

المبحث الثاني : تحليل الفصل 149 من ق م م


الفصل الأول : التحليل النظري للنص القانوني

المبحث الأول : التحليل الشكلي للنص القانوني


         يقصد بالتحليل الشكلي للنص القانوني قراءة النص من الخارج وجمع كل المعلومات التي تعد أساسية ، والتي يعتمد عليها لتكون مدخلا للتحليل ، وذلك عبر تحليل هوية النص ومرجعيته ، وكذا طبيعته ، حتى يسهل على الباحث فهم النص الذي هو بصدد تحليله ، وطبيعة هذا المبحث تقتضي منا تقسيمه إلى مطلبين ، حيث سنخصص المطلب الأول لهوية النص القانوني ومرجعيته ، بينما سنتحدث في المطلب الثاني عن طبيعة النص القانوني .
المطلب الأول : هوية النص القانوني ومرجعيته[1]


         من أجل التعرف على مضمون النص وتحليله ، كان لزاما تبيان هويته ومرجعيته ولهذا سنقوم في متن هذا المطلب بالحديث عن هوية النص القانوني في فقرة أولى على أساس الحديث عن مرجعية النص في فقرة ثانية .


الفقرة الأولى: هوية النص القانوني


         يعتبر تبيان هوية النص بشكل محدد أول ما نبدأ به عندما نكون بصدد تحليل نص قانوني ، حيث من خلالها (هوية النص) نستطيع التعرف على أي قانون ينتمي إليه ذلك النص،مثلا هل هو نص دستوري أو نص قانوني في إطار التشريع العادي أو التشريع الفرعي ، أو إن كان نصا في معاهدة دولية …. ،
كما أنه يجب تحديد تموضع النص القانوني ضمن القانون ، مثلا كالفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود جاء ضمن الباب الثالث المعنون “بالالتزامات الناشئة عن الجرائم وأشباه الجرائم ” ، من القسم الأول من الكتاب الأول والذي عنوانه ” في الالتزامات بوجه عام ” من قانون الالتزامات والعقود .
الفقرة الثانية : مرجعية النص القانوني


         يقصد بمرجعية النص القانوني تلك الخلفية التي اعتمد عليها المشرع المغربي أثناء صياغته للنص ، فمثلا تعتبر مرجعية مدونة الأسرة مرجعية دينية مستمدة من مذاهب الفقه ، وخصوصا المذهب المالكي والذي يعد المذهب الرسمي للمملكة المغربية ،
وهذه المرجعية تظهر جليا في الفقرة الخامسة من ديباجة المدونة والتي جاء فيها ما يلي ” ………وصياغتها بأسلوب فقهي حديث متطابق مع أحكام الإسلام السمحة ومقاصده المثلى ……….” .
وعلى العموم فالقوانين الأوروبية وخصوصا القانون الفرنسي بالإضافة لأحكام الشريعة الإسلامية وخاصة ما جاء في الفقه المالكي ، تعد من أهم مراجع النصوص القانونية بالمغرب .
و بالتالي ففي حالة كان القاضي أو الفقيه أمام نص قانوني غامض , أمكن له الرجوع إلى مرجعيته لفهم مقصد المشرع.

المطلب الثاني : طبيعة النص القانوني و بنيته[2]


         تقتضي منا طبيعة هذا المطلب تقسيمه إلى فقرتين حيث سنخصص الفقرة الأولى لطبيعة النص القانوني ، بينما سنتحدث في الفقرة الثانية عن بنية النص .
الفقرة الأولى : طبيعة النص


         أثناء تحليل النص القانوني يجب الإشارة إلى طبيعته ، فنحدد القانون الذي ينتمي إليه إن كان قانونا عاما أي يتعلق بالقواعد التي تنظم العلاقة بين الأفراد والدولة باعتبارها صاحبة السلطة والسيادة (القانون العام الداخلي) أو ينظم العلاقة بين هذه الدولة وباقي الدول الأخرى(القانون العام الخارجي)،
وتتحدد طبيعة النص أيضا فيما لو كان نصا آمرا له علاقة بالنظام العام ولا يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفته ، أو كنا أمام نص قانوني مكمل لا يعد من متعلقات النظام العام وبالتالي يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفته .
كما نقوم بتحديد القضايا التي ينظمها النص القانوني وهذا يفيد في تحديد طبيعة المقتضيات التي جاء بها النص سواء كانت متعلقة بقضايا الأسرة أو قضايا الأموال أو التجارية… ، فمثلا المادة 19 من مدونة الأسرة تحدد سن الزواج في ثمان عشرة سنة شمسية ، و هذا يتعلق بقانون الأسرة .
الفقرة الثانية : بنية النص


         يتم البحث في بنية النص عبر مستويين الأول يتعلق بالبنية الطوبوغرافية و الثاني يخص البنية اللغوية.   وهذا ما سنتحدث عنه تباعا كالآتي:


أولا: البنية الطوبوغرافية أو البناء المطبعي للنص


         نهدف من خلال هذا البناء إلى تحديد الفقرات التي يتكون منها النص القانوني .
الفقرة الأولى من… و تنتهي عند …
الفقرة الثانية تبدأ من … و تنتهي عند …

وهكذا إلى أن يتم تحديد جميع فقرات النص. ومن خلال هذه التراتبية قد يسعى المشرع إلى تحديد مبدأ معين و هنا يأتي دور الفقه في التفسير والبحث عن غاية المشرع وراء صياغته لفقرات هذا النص بتلك التراتبية .
ثانيا: البنية اللغوية


         يتعين في هذا الصدد الوقوف عند المصطلحات التي استعملها المشرع و كيفية صياغة المادة ،و الكلمة التي بدأ بها المشرع و تلك التي انتهى بها في النص .
و داخل النص القانوني يجب التمييز بين ثلاث أنماط من المصطلحات و هي:
أولا هناك المصطلحات القانونية كالغبن و المسؤولية التقصيرية و الإثراء بلا سبب …

ثانيا المصطلحات العادية و المتداولة ، مثل الكتابة و السن و ابتداء … ، فهذه المصطلحات رغم أنها توظف في الحقل القانوني إلا أنها ليست مصطلحات قانونية خاصة،
وثالثا نجد الكلمات المفاتيح وهي التي يجب التركيز عليها لأنها تمكن الباحث من فهم النص و تفكيكه.
المبحث الثاني: التحليل الموضوعي للنص وقواعد تحليله[3]


         سنعمل من خلال هذا المبحث  أن نسلط الضوء على التحليل الموضوعي للنص (المطلب الأول)، على أساس أن نشير إلى القواعد المساعدة على تحليل النص وفهمه (المطلب الثاني).


المطلب الأول: التحليل الموضوعي للنص


         إن تحليل أي نص قانوني يتم عن طريق تفكيك الفرضيات التي يتضمنها.فإذا كان النص يتضمن قاعدة قانونية واحدة، فإن التحليل ينصب على هذه القاعدة وذلك بتبيان فرضيات هذه القاعدة القانونية.أي الحالات المفترضة أو التي تشتملها، والحكم الذي تقرره هذه القاعدة لتلك الفرضيات.
وعليه سنحاول من خلال هذا المطلب أن نحدد ونفهم القاعدة القانونية (الفقرة الأولى)،إضافة إلى تحديد إشكالياتها (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: فهم وتحديد القاعدة القانونية


         يتطلب الفهم الجيد للنص القانوني تعدد القراءة للنص، مع دراسة أغلب الكلمات الواردة فيه، لأنه لا يمكن تحليل ما ليس مفهوما.
ففي القراءة الأولى يتم التعرف على نص القاعدة القانونية، وتكوين فكرة أولية أو رؤية شاملة عنها.ويتم البدء في القراءة الثانية، حيث يتم استخراج الجمل الرئيسية وعزلها عن بعضها البعض، وذلك بوضع خط تحت أدوات الربط بينها، وذلك للبدء بتحديد المكونات الأساسية للنص.
أما في القراءة الثانية فيتم الحث عن الحالات الواقعة المشمولة بالقاعدة،وتبيانا للحكم الذي تقرره عند توفر شروط تطبيقها، والحل المقرر في النهاية والمتوصل إليه يمثل الحل القانوني للواقعة.


الفقرة الثانية: تحديد الإشكالية


        إذا كانت القاعدة القانونية ثابتة،فإن الواقع متغير بجزئياته وتفاصيله،كما أن القواعد القانونية قد تتميز بالاقتضاب والإيجاز.
كما قد يشوبها الغموض أو ترد عليها بعض الألفاظ التي تحتاج إلى بيان أو إلى ضبط المراد منها.
لهذا فإن تحليل أي نص قانوني ينتهي بإثارة العديد من التساؤلات، إذ يتعين على قارئ النص القانوني، سواء كان إنسانا عاديا أو فقيها أو قاضيا الإجابة عنها.
ولهذا ارتأينا أن نخصص المطلب الموالي لدور الفقه والقضاء في تحليل النص القانوني.

المطلب الثاني: قواعد وآليات تحليل النصوص[4]


         سنحاول من خلال هذا المطلب التطرق لبعض القواعد الأصولية التي بواسطتها يمكن تحليل النصوص القانونية (الفقرة الأولى)، على أن نخصص (الفقرة الثانية) لكيفية تحليل النص القانوني من جانب الفقه والقضاء.
الفقرة الأولى:قواعد تحليل النصوص


        إن تحليل النص تعد خطو متقدمة في القراءة، بحيث يستطيع القارئ على إثرها أن يتوصل إلى ربط النص بواقعه التطبيقي، ووضعه في البيئة القانونية الخاصة به، وتحليل كل مقتضى فيه على ضوء ذلك.     ولهذا الغرض يتوجب على القارئ الاستعانة بمجموعة من القواعد،من أجل تحليل النص وفهمه بغية التطبيق الأمثل والسليم.
ولأجل ذلك سنحاول من خلال هذه الفقرة التطرق لبعض هذه القواعد وذلك على النحو الآتي:
أولا: عبارة النص


        مما لا شك فيه أن النص القانوني يتكون من مجموعة من التراكيب اللغوية المتناسقة فيما بينها،تؤدي إلى معنى معين،ويمكن تعريف عبارة النص بأنها: “صيغة النص المكونة من ألفاظه وجمله”.
فالنصوص القانونية لها مدلول العبارة،حيث أن هذا المدلول من شأنه أن يهتدي بالباحث للوقوف على مقصد المشرع من النص ومن أمثلة ذلك ما نص عليه المشرع المغربي من خلال مضمون الفصل 613 من ق ل ع، والذي نص في الفقرة الثانية منه على أن : “..لا يجوز إثبات بيع السلم إلا بالكتابة”.
وبالتالي فالنص دل بعبارته أن الوسيلة الوحيدة لإثبات السلم هي الكتابة فقط ،مما يفيد أنه لا يمكن إثباته بوسائل الإثبات الأخرى التي نص عليها المشرع في الفصل 404 من ق ل ع.
ثانيا: إشارة النص


         تعد إشارة النص طريقة من طرق دلالة اللفظ على المعنى، وإشارة النص هي دلالة اللفظ على معنى أو حكم غير مقصود من سياقه،وبمعنى آخر فهو تلميح النص إلى معنى لم تصرح به عباراته.

ومن أمثلة ذلك ما نص عليه المشرع المغربي من خلال الفصل 485 من ق ل ع والذي جاء فيه:
“…بيع ملك الغير يقع صحيحا…”.
فإذا كان نص الفصل يدل بعبارته على أن صحة بيع ملك الغير يتوقف على إقرار المالك لهذا البيع.
فإنه دل بإشارته على أن بيع الفضولي ليس باطلا، وإنما قابلا للإبطال،ما دام أنه قابل للتصحيح،ولو كان باطلا لما أمكن تصحيحه.
وبالتالي فتحليل نص قانوني كيفما كان نوعه لا يجب أن يتوقف عند حدود عبارات النص، بل لا بد من استحضار كل ما يمكن أن يشير إليه النص ولو بطريقة ضمنية،على اعتبار أن النصوص القانونية لا تنظم دائما المسائل والوقائع بصورة صريحة،وبالتالي لا بد من البحث في خبايا النص،وذلك للوقوف على المعنى الحقيقي للنص،وبالتالي التوصل إلى تحليل مستقيم يؤدي في النهاية إلى تطبيق سليم.
ثالثا: مقتضى النص


         مقتضى النص هو ما يدل عليه النص عن طريق المعنى الذي لا يستقيم الكلام إلا بتقديره، وسميت هذه الدلالة بالاقتضاء؛لأن الاقتضاء معناه الطلب والاستدعاء،والمعنى المقدر يتطلبه صدق الكلام وصحته شرعا.
وعليه فإنه لتحليل سليم للنص لا بد من الوقوف على مقتضى النص، واقتضاء النص غالبا ما تكون كلمة أو حرفا يجب تقديره والوقوف عليه،حتى يكون تحليل النص صحيحا.
الفقرة الثانية: تحليل الفقه والقضاء للنص القانوني[5]


        إن النصوص القانونية لكي يتم تنزيلها وتطبيقها فهي بحاجة إلى التفسير والتحليل والتأويل،هذه العمليات التي قد تختلف بحسب الجهة التي تصدر هذا التحليل أو المدرسة الفكرية التي ينبثق عنها.
ولهذا الغرض ارتأينا من خلال هذا المطلب التطرق لتحليل كل من الفقه (أولا) والقضاء (ثانيا) للنص القانوني.
أولا: تحليل الفقه للنص القانوني


         يعد تحليل فقهاء القانون وأساتذته للنص القانوني عملية أساسية من أجل إيضاح وبيان وتفسير النصوص القانونية، في مؤلفاتهم وأبحاثهم.
والتحليل الفقهي على عكس التحليل القضائي، إذ لا يواجه حالات واقعية يريد الفقيه أن يعرف حكم القانون فيها، وإنما يكون بمناسبة البحث في القواعد القانوني بوجه عام.
ولهذا فالتحليل الفقهي يغلب عليه الطابع النظري، فهو لا يعد سوى مجرد رأي صادر عن فقيه أو أحد رجالات القانون، فقد يؤخذ به أو يتم إهماله.هذا بخلاف التحليل والتفسير القضائيين الذي يغلب عليه الطابع العملي.
ثانيا: التحليل القضائي للنص القانوني[6]


         يقصد بالتحليل القضائي للنص ما يقوم به القضاة أثناء تطبيقهم لنصوص القانون على الوقائع والأحداث والنزاعات المعروضة عليهم،وذلك عبر القيام بعمل تحليلي وتفسيري للمقتضيات القانونية أو التنظيمية الواجب تطبيقها فهو يتصل بوقائع الحياة العملية، وبالتالي لا يستطيع القاضي أن يمتنع عن إصدار حكم عليها بحجة سكوت القانون أو غموضه أو عدم كفايته، فإن فعل ذلك يكون قد ارتكب جريمة الامتناع عن إحقاق الحق أو إقامة العدل أو ما يسمى بجريمة نكران العـــــدالة Déni de justice ،ومن ثم فليس للقضاء أن يفسر القوانين ويحللها إلا إذا ثار نزاع حول الحكم الذي تمليه نصوصها.
خاتمة الفصل الأول


بعد انتهائنا من دراسة منهجية تحليل النص القانوني،يمكننا ان نخرج بالاستنتاجات التالية :

  • لا بد من تحري الدقة لضبط المعلومة القانونية.
  • ولا بد من احترام تراتبية المراحل .

 

الفصل الثاني : الجانب التطبيقي في منهجية تحليل النص القانوني[7]
(الفصل 149 من ق.م.م. نموذجا)

إن آلية تحليل النص وعلى الرغم من أهميتها تبقى بدون قيمة إذا لم تنصب على نصوص قانونية تكون بمثابة قالب مناسب لهذه التقنية، لهذا تم اختيار الفصل 149 من قانون المسطرة المدنية ليكون نموذجا تطبيقياً (المبحث الثاني)، لكن ذلك لا يمنع من أن نعطي فكرة عامة حول هذا الفصل من أجل تسهيل عملية التحليل (المبحث الأول).

المبحث الأول : الإطار العام للفصل 149 من ق.م.م[8]

إن الحديث عن الفصل 149 من قانون المسطرة المدنية يستدعي الحديث عن قضاء الأمور المستعجلة ، كفرع من القضاء العادي، حيث عرفه جانب من الفقه بأنه: “فرع متميز ومستقل عن العمل القضائي العادي وعن التنفيذ القضائي وهو ذو مسطرة مختصرة واستثنائية وسريعة، ومصاريف قليلة، يسمح لمدع برفع دعوى استعجالية أمام قاض يعرف بقاضي الأمور المستعجلة، يختص بالبت بصورة مؤقتة ودون المساس بالموضوع في كل نزاع يكتسي صبغة الاستعجال”.
.
فمن خلال هذا التعريف  والنصوص القانونية المنظمة لهذه المؤسسة القانونية يظهر أن القضاء الإستعجالي يستند على شروط لابد من توافرها، وهي شروط موضوعية وأخرى شكلية.
ففيما يخص الشروط الموضوعية لابد من توفر عنصر الاستعجال، وعدم المساس بالجوهر.
وعموما يقوم الاستعجال على عدة مقومات :

  • أن يكون هناك خطر حقيقي يهدد حقا جديرا بالحماية
  • أن يكون الخطر مما لا يمكن تداركه أو مما يخشى تفاقم أمره إن لم تتم مواجهته على وجه السرعة
  • أن يكون الخطر عاجلا يقتضي تلافيه سلوك مسطرة استعجالية خاصة غير المسطرة القضائية العادية

وتنبغي الإشارة  أن عنصر الاستعجال مرن يتغير بتغير الزمان والمكان والظروف، وهو الشرط أساسي لانعقاد الاختصاص للقضاء الاستعجالي،
أما فيا يخص الشروط الشكلية فمن خلال الفصلين 150 و151 من ق.م.م فإنه لكي يعهد للقضاء الإستعجالي للبت فيما يعرض عليه، لابد من احترام الشكليات والإجراءات المنصوص عليها بحيث يجب على الطالب أن يتقدم بالطلب الإستعجالي ،الى كتابة الضبط وعليه أن يبين اسمه العائلي أو الشخصي ومهنته وموطنه وصفته، وموطن المدعى عليه، كما يجب عليه الإشارة إلى الوقائع المادية ،أو والتصرفات القانونية التي أدت إلى نشوب النزاع.
بعد ذلك يقوم قاضي الأمور المستعجلة باستدعاء الأطراف طبقا للفصول 37، 38، 39، من ق.م.م، أما إذا كانت حالة الاستعجال القصوى فلا يقوم بذلك حسب ما نص عليه الفصل 151 من ق.م.م، وعليه أن يقوم بتعيين اليوم والساعة التي ينظر فيها الطلب الموجه إليه، ويمكن  أن يقدم الطلب و يستدعى الأطراف في أيام العطل والآحاد(الفصل 150 ق.م.م).
هذا وتجدر الإشارة إلى أنه حسب الفصل 149 من ق.م .م فالقاعدة، هي أن رئيس المحكمة الابتدائية هو المختص، وإذا عاقه مانع أسند الاختصاص لأقدم القضاة العاملين بنفس المحكمة،ومنح المشرع لرئيس المحكمة هذه المهمة راجع  لما قد يمتاز به من تكوين قضائي وثقافة قانونية شاملة، وإذا كان النزاع معروضاً أمام محكمة الاستئناف فالاختصاص يعود لرئيسها الأول.
هذا وينبغي أن نشير إلى أن الأوامر الإستعجالية تكون مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون، ويمكن للقاضي مع ذلك أن يقيد هذا النفاذ بتقديم كفالة بحسب ما نص عليه الفصل 153 من ق.م.م، كما أنها قابلة للطعن بالاستئناف كيفما كانت قيمتها إذا كانت صادرة عن المحكمة الابتدائية هذا مع العلم أن الجهة التي تنظر في نزاع القضاء الإستعجالي هي محكمة الموضوع وليس رئيس المحكمة وأجل الاستئناف هو 15 يوم من تاريخ التبليغ.

المبحث الثانية: تحليل الفصل 149 من ق.م.م[9]

من خلال هذه الفقرة سنحاول تطبيق ما رأينا سالفا من تقنيات منهجية التي يجب إتباعها في تحليل النص القانوني وذلك بتناول الفصل 149 ق.م.م، من خلال(مقدمة ، عرض ، خاتمة)

  • مقدمة:

يندرج الفصل 149 في الباب الثاني من القسم الرابع المعنون بالمساطر الخاصة بالاستعجال ومسطرة الأمر بالأداء من قانون المسطرة المدنية الصادر في 28 شتنبر 1974 كما وقع تعديله وتغييره.
وهو نص آمر لا يمكن للأطراف الاتفاق على مخالفته نظراً لتعلقه بالنظام العام،  الاجرائي المغربي.
كما تجب الإشارة إلى أنه يعتبر نص خاص بالمقارنة مع النصوص الأخرى والواردة في نفس القانون، ويختلف عنها في العديد من الجوانب نذكر منها أن الطلبات التي تقدم إلى رئيس المحكمة حسب هذا الفصل يمكن أن تقدم في غير أيام وساعات العمل بل وحتى في مقر سكنى رئيس المحكمة، هذا عكس القواعد العامة المنصوص عليها في الفصول من 31 إلى 54 من ق.م.م المتعلقة بتقديم المقال الافتتاحي للدعوى كذلك يمكن أن يبت الرئيس بالصفة المخولة له بمقتضى الفصل 149 حتى قبل تقييد الطلب، وقبل تأدية الرسوم، القضائية.
ويتمحور موضوع الفصل 149 حول القضاء الاستعجالي واختصاص رئيس المحكمة بصفته قاضي الأمور المستعجلة كلما توفرت شروط القضاء الاستعجالي، بالبت في كل صعوبة متعلقة بالتنفيذ أو سند قابل للتنفيذ، وسواء كان النزاع معروضاً على المحكمة أم لا.
هذا وإذا قمنا بمقارنة هذا الفصل بنص أخر قريب منه كما تقتضي ذلك الخطوات المنهجية التي مررنا بها أعلاه فإننا نجد الفصل 148 من نفس القانون رغم الاختلاف الشاسع بينهما، إلا أنه بتفحص الفصل 149 نجده يحيل على مقتضيات الفصل 148 الشيء الذي يثير العديد من الإشكالات بشأن هذه الإحالة، وبالتالي فهل يمكن القول بأن الفصل 148 يتعلق بالقضاء الإستعجالي بمعنى هل يمكن لرئيس المحكمة البت في الحالات المنصوص عليها في الفصل 148 بصفته قاضيا للأمور المستعجلة؟
العرض:
تناول المشرع المغربي مؤسسة القضاء الإستعجالي من خلال الفصل 149 وما يليه بحيث جاء فيه أن رئيس المحكمة الابتدائية يختص وحده بالبت في الأمور، المستعجلة كلما توفر عنصر الاستعجال ثم بعد ذلك انتقل للحديث عن شرط عدم المساس بالجوهر في الفصل 152 …
هذا وتنبغي الاشارة أن السرعة المتحدث عنها في القضاء الاستعجالي تختلف عن السرعة المطلوبة باقي القضايا (الفصل 46 من ق م م)
وإذا كانت الأوامر التي سيصدرها الرئيس ستمس بجوهر الحق أو الموضوع فعليه أن يصدر أمراً بعدم الاختصاص، وعنصر الإستعجال يرجع فيه الأمر إلى السلطة التقديرية للقاضي أما عنصر المساس بالجوهر فهو يخضع لرقابة محكمة النقض.
لكن رغم هذا فإن الفصل موضوع التحليل يثير العديد من الإشكالات خصوصا فيما يخص إلا حالة على مقتضيات الفصل 148 ؟ وهل اختصاص كل من الرئيس وأقدم القضاة في الحالات المشار إليها في الفصل 148 تكون بالبت وفقا للفصل 148 أو في إطار الفصل 149 الخاص بالقضاء الإستعجالي؟
فبمقتضى هذه الإحالة قد يبدو أنه لا فرق بين الفصلين ما دام الفصل 149 يحيل على مقتضيات الفصل 148 لكن بالتعمق أكثر في مقتضيات الفصلين يظهر بوضوح الفرق بينهما:

  • الرئيس في إطار الفصل 148 يبث بصفته رئيس المحكمة، أما في إطار الفصل 149 الرئيس يبت بصفته قاضي للأمور المستعجلة.
  • في إطار الفصل 148 الاختصاص واسع للرئيس فقط بشرط عدم المساس بمصالح الأطراف وعدم وجود نص خاص أما في إطار الفصل 149 فالاختصاص مقيد بضرورة توافر عنصري الاستعجال وعدم المساس بالجوهر.
  • في إطار الفصل 148 يتم صدور الأمر بدون احترام الإجراءات العادية، أما في إطار الفصل 149 فلابد من العلنية والتواجهية.
  • في إطار الفصل 148 فقط يكتفي رئيس المحكمة بالتأشير في جميع الحالات أما في إطار الفصل 149 فلابد من احترام الشكليات المتعلقة بصدور الأحكام من تعليل ووقائع ومنطوق.
  • في إطار الفصل 148 التنفيذ يكون بدون تبليغ (عنصر المفاجأة والمباغتة) أما في إطار الفصل 149 ضرورة احترام الفصول 37-38-39 من ق.م.م.
  • الاستئناف في إطار الفصل 148 يكون فقط في حالة الرفض ويحتسب أجل الاستئناف من تاريخ الرفض أي تاريخ صدور الأمر أما في إطار الفصل 149 في  جميع الحالات ويحتسب الأجل من تاريخ التبليغ.

هذا فيما يخص علاقة الفصل 149 بالفصل 148 أما فيما يتعلق بمؤسسة القضاء الاستعجالي في بعض النصوص الخاصة نجد كل من المادة 19 من القانون 41.90 المتعلق بإحداث المحاكم الادارية والمادة 21 من قانون رقم 53.95 المتعلق بإحداث المحاكم التجارية.
بحيث أن المادة 19 من قانون احداث المحاكم الادارية  خولت لرئيس المحكمة الادارية البت في بصفته قاضيا للأمور المستعجلة على النحو التالي ” يختص رئيس المحكمة الادارية أو من ينيبه عنه بصفته قاضيا للمستعجلات والأوامر القضائية بالنظر في الطلبات الوقتية والتحفظية”
وعلاقة هذا النص بالفصل 149 هي أن هذا الأخير هو نص عام والأخر خاص رغم الاختلاف الظاهر بينهما عل مستوى الصياغة  وحتى على مستوى العمومية والاجمال التي جاءت بها المادة  19 من قانون احداث المحاكم الادارية ، ذلك أنه و إن كانت هذه الأخيرة تتعلق حصرا بالمنازعات النوعية التي تبت فيها المحاكم الادارية إلا أنه يظهر أنها لا تنحصر فقط بمعالجة الاختصاصات الموكولة لرئيس المحكمة بصفته قاضيا للأمور المستعجلة بل تشمل حتى الأوامر التي يبت فيها بصفته تلك ،ذلك أن المادة أعلاه نصت على أن رئيس المحكمة الادارية يختص بالبتبصفته قاضيا للمستعجلات من جهةوالأوامر القضائية من جهة أخرى، بمعنى أكثر دقة أن المادة 19 جمعت الاختصاصات المخولة لرئيس المحكمة الابتدائية في إطار الفصلين 148 و149 رغم أن قانون احداث المحاكم الادارية يحيل على قانون المسطرة المدنية هذا الأخير الذي يعتبر الشريعة العامة للقوانين الاجرائية في التشريع المغربي.
أما فيما يخص المادة 21 من قانون احداث المحاكم التجارية  فقد أوكلت لرئيس المحكمة التجارية البت بصفته قاضيا للمستعجلات  بحيث جاء في الفقرة الأولى أنه ” يمكن لرئيس المحكمة التجارية بصفته قاضيا لللأمور المستعجلة وفي حدود اختصاص المحكمة أن يأمر بكل التدابير التحفظية التي لا تمس أية منازعة جدية .
اذا كان النزاع معروضا على محكمة الاستئناف التجارية مارس هذه المهام رئيسها الأول .
يمكن لرئيس المحكمة التجارية ضمن نفس النطاق –رغم وجود منازعة جدية – أن يأمر بكل التدابير التحفظية أو بإرجاع الحالة الى ما كانت عليه لدرء ضرر حال أو لوضع حد لاضطراب ثبت جليا أنه غير  مشروع”
فالملاحظ من خلال هذا النص بالمقارنة الأولية مع الفصل 149 أنه يتحدث عن التدابير التحفظية التي لا تمس أية منازعة جدية عكس الفصل 149 الذي عدد بعض الأمثلة : كالصعوبات المتعلقة بتنفيذ حكم أو سند ابل للتنفيذ أو الأمر بالحراسة القضائية ثم أي اجراء أخر تحفظي.
زد على ذلك أن المادة 21 استعملت عبارة عدم وجود المنازعة الجدية والفصل 149 يستعمل عبارة عدم المساس بالجوهر كشرط من أجل انعقاد الاختصاص لرئيس المحكمة بصفته قاضيا للأمور المستعجلة.
إلا أن ما يميز المادة 21 أعلاه عن الفصل موضوع التحليل أنها سمحت لرئيس المحكمة استتناءا ورغم وجود منازعة جدية أن يبت بصفته قاضيا للأمور المستعجلة أن أن يأمر بكل التدابير التحفظية أو بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه لدرء ضرر حال أو لوضع حد لاضطراب ثبت جليا أنه غير مشروع وهو ما يشكل خروجا عن الشروط العامة للقضاء الاستعجالي إلا أنه موقف نراه يلائم القضاء التجاري باعتباره يشكل عنصر فعال في معادلة وتوازن المقاولات المغربية كركائز للاقتصاد الوطني.

هذا ولا يفوتني أن  أشير الى أن المشرع المغربي قد أزاح غطاء النسيان عن قانون المسطرة المدنية وهو حاليا بصدد مناقشة مشروع قانون من أجل نسخ أحكام ظهير 1974 لذلك ينبغي أن نرى كيف تناول هذا المشروع مؤسسة القضاء الاستعجالي ؟
بالعودة الى نص المشروع يظهر أنه تناول القضاء الاستعجالي في المادة 183 ومن خلال القراءة الأولية لهذا النص يتضح أنه جاء مختلفا عن النص الحالي أي الفصل 149  بمايلي :

  • أنه ثم حذف الإحالة على مقتضيات الفصل 148 والتي كنا نراها تخلق العديد من الإشكالات.
  • أن المشروع قد حدا حذو قانون إحداث المحاكم التجارية بأن فتح المجال لرئيس المحكم الابتدائية ورغم وجود منازعة جدية أن يبث بصفته قاضيا للأمور المستعجلة من خلال الأمر  بكل التدابير التحفظية أو بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه لدرء ضرر حال أو لوضع حد لاضطراب ثبت جليا أنه غير مشروع.
  • ثم حذف عبارة “الصعوبات المتعلقة بتنفيذ حكم  أو سند قابل للتنفيذ”
  • الإحالة على قضاء الموضوع في الحالة التي تستوجب ذلك من قبل الرئيس داخل أجل يحدده تحت طائلة اعتبار الأمر كأن لم يكن.
  • الاستئناف يبت فيه الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف أو من ينوب عنه بصفته قاضيا للأمور المستعجلة.

خاتمة الفصل الثاني:[10]
ومن خلال كل ما سبق يظهر أن الفصل 148 لا علاقة له بالقضاء الإستعجالي ، إلا فيما يخص الإحالة التي كانت تخلق اشكالا وأن المشروع الحالي أحسن صنعا بحدفها لأن ذلك سيضع حداً للتحايل الناشئ عن الخلط الواقع بسبب الاحالة رغم هذا فيخطئ من يظن أني بتحليلي هذا أصفق للمشروع الحالي ككل.
 

خاتمة عامة :

وختاما فصفوة القول أن الباحث كلما استند على هذه الخطوات المنهجية في تحليله للنص القانوني، كلما تمكن من استيعابه وإظهار محتوياته وما يثيره من إشكالات وبالتالي الوصول إلى اجتهاد قد يظهر عيوب النص التشريعي التي تؤدي في كثير من الحالات الى ضياع حقوق المتقاضين.

 

 

 


لائحة المراجع

  • بوعبيد عباس،منهجية العلوم القانونية،2015 .
  • محمد العروصي،المرشد في المنهجية القانونية،الطبعة الأولى 2014 .
  • يوسف التبر مدخل لدراسة منهجية العمل الجامعي.كلية متعددة التخصصات.جامعة سيدي محمد بن عبد الله.تازة.2013/2014
  • عبد الكريم الطالب، “الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية” المطبعة والوراقة الوطنية – مراكش – الطبعة الخامسة 2009.
  • محمد العروصي، “المختصر في المنهجية القانونية” شركة الخطاب للطباعة مكناس، الطبعة الأولى 2009.
  • نورة غزلان الشنيوي.مرشد الطالب إلى تقنيات منهجية البحث العلمي.الطبعة الأولى.مطبعة الورود.إنزكان.2008 .
  • عبد اللطيف هداية الله، القضاء الإستعجالي في القانون المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1998.
  • كيف تحلل نص قانوني ،مقال منشور بموقع maroc droit لكتاب مجهول،تاريخ الإطلاع،19 نونبر،الساعة 23h15min
  • [1] بوعبيد عباس،منهجية العلوم القانونية،2015 .
  • [2] محمد العروصي،المرشد في المنهجية القانونية،الطبعة الأولى 2014 .
  • [3] يوسف التبر مدخل لدراسة منهجية العمل الجامعي.كلية متعددة التخصصات.جامعة سيدي محمد بن عبد الله.تازة.2013/2014.

 

[4]  محمد العروصي،المرشد في المنهجية القانونية،الطبعة الأولى 2014 .

  • [5] بوعبيد عباس،منهجية العلوم القانونية،2015 .
  • [6] محمد العروصي،المرشد في المنهجية القانونية،الطبعة الأولى 2014 .

 

  • [7] الفصل 149 من ق.م.م
  • [8]  عبد الكريم الطالب، “الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية” المطبعة والوراقة الوطنية – مراكش – الطبعة الخامسة 2009.
  • [9]  عبد اللطيف هداية الله، القضاء الإستعجالي في القانون المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1998.
  • [10]  عبد اللطيف هداية الله، القضاء الإستعجالي في القانون المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1998.
loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super