دور القضاء الإداري في ضمان التوازن المالي للعقد الإداري

59557ba0-f5a7-4d30-9db5-d2f1a816f366

من إعداد

يوسف الإدريسي

طالب باحث، ماستر القانون العام، تخصص التدبير الإداري والمالي

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال الرباط

 

 

تقديم

تلعب العقود الإدارية دورا ديناميكيا في تحقيق الأهداف العامة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، ونظرا لتطور دور الدولة في الحياة العامة وعدم إمكانية مباشرتها لأنشطتها بشكل انفرادي، أضحى من الأهمية بمكان الانفتاح على الخواص بما تتطلبه المصلحة  العامة من تحقيق الأهداف المنشودة.

ولما كان الخواص يديرون معاملاتهم المدنية والتجارية بمنطق العقد شريعة المتعاقدين، يختلف الأمر كليا بالنسبة للعقود الإدارية وبالتالي المغامرة في عقد لا يقوم على المساواة بين الطرفين أمر صعب للغاية. وبذلك توالت تدخلات المشرع لتنظيم هذا النمط التعاقدي الاستثنائي في القانون الخاص والأصلي في القانون العام.

باعتبار الإدارة كشخص معنوي عام يطبق في شأنه القانون الإداري، تميز هذا الأخير بعدم تقنينه وهو ذو أصل قضائي ولمجلس الدولة الفرنسي الفضل في تطوير قواعده. وفي هذا الصدد يستحال أن تتحصن العلاقات التعاقدية الإدارية من النزاعات التي يمكن أن تتخللها على غرار عقود القانون الخاص. وبولاية القضاء الإداري العامة في البت في النزاعات الناشئة عن العقود الإدارية المبرمة بين الأشخاص المعنوية العامة والخواص. لا يتوانى قط قضاة هذه المحاكم في البحث والابتكار وخلق القواعد والنظريات المناسبة لحل النزاعات المعروضة أمام أنظاره.

وكثيرة هي الحلول التي التقطها المشرع من اجتهادات القضاء وبلورها ضمن قواعد قانونية تحكم العقود الإدارية.ونظرا لعنصر الإرادة المنفردة في التعاقد مع الإدارة كان لابد من وضع ضمانات قانونية وقضائية تحمي مصالح وحقوق المتعاقدين، وإلا نتج عنه ظواهر خطيرة تؤدي بالمصلحة العامة.

يتحمل المتعاقد مع الإدارة التزامات متعددة أكثر مما هو محدد تشريعيا في عقود القانون الخاص، علاوة على خضوعه لسلطات الإدارة من رقابة وتوجيه وتعديل العقد بإرادتها المنفردة وتوقيع الجزاء عند إخلاله بالتزاماته. وبالتالي يتمتع المتعاقد ببعض الحقوق يجب أن توازن الالتزامات التي تقع على عاتقه.

وقد يحدث أن يواجه المتعاقد اكراهات تجعله يتحمل خسائر ما كان ليتعاقد لو علم بها. وفي هذا السياق ينخرط القضاء الإداري في حماية المتعاقد باعتباره طرفا ضعيفا في العقد من كل ما من شأنه أن يمس التوازن المالي للعقد على أساس الهدف الربحي الذي يسعى إلى تحقيقه. وبذلك تظهر أهمية القضاء الإداري في ضمان التوازن المالي للعقد الإداري

الإشكالية الرئيسية

 

العوامل المؤثرة في التوازن المالي للعقد الإداري، وابتكارات القضاء لحماية الطرف المتعاقد

 

تنبثق عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية هي كالآتي :

  • كيف يختل التوازن المالي للعقد الإداري ؟
  • ماهي الآليات القانونية للحفاظ على التوازن المالي للعقد الإداري

 

  • سيتم التطرق لمعالجة هذه الإشكالية وفق التصميم الآتي :

 

المطلب الأول : العوامل المؤثرة في التوازن المالي للعقد الإداري

الفرع الأول   : العوامل الاقتصادية

الفرع الثاني   : العوامل الاجتماعية

الفرع الثالث   : العوامل السياسية

المطلب الثاني   : الحلول القضائية لمعالجة اختلال التوازن المالي

الفرع الأول    : نظرية فعل الأمير

أولا            : التعاريف الفقهية والقضائية

ثانيا             : شروط تطبيق النظرية

الفرع الثاني     : نظرية الظروف الطارئة

أولا             : التعريف الفقهية والقضائية

ثانيا             : شروط تطبيق النظرية

الفرع الثالث    : نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة

أولا              : التعاريف الفقهية والقضائية

ثانيا             : شروط التطبيق والآثار الناجمة عن النظرية

 

 

المطلب الأول : العوامل المؤثرة في التوازن المالي للعقد

 

لقد درج القضاء والفقه على تصنيف الحقوق التي يتمتع بها المتعاقد مع الإدارة، وكان من جملة الحقوق القائمة الحق في إعادة التوازن المالي للعقد الإداري، الذي يفيد موازنة الحقوق التعاقدية والتشريعية مقابل الالتزامات التي تلقى على كاهله. ونظرا للخصوصية الاستثنائية التي تطبع العقد الإداري المتمثلة في تغييب قواعد المعاملات المدنية ومن بينها قاعدة ” العقد شريعة المتعاقدين “.

فالتوازن المالي أساس العقد الإداري، فهو الضمانة الأساسية المحفزة للإقبال على التعاقد مع الإدارة، وضمان نجاعة تنفيذ الالتزامات التعاقدية.

لكن لا تسري الرياح دائما كما تشتهي السفن، فقد تحول بعض الظروف التي تؤثر على المراكز القانونية، وتفتح الطريق لهضم الحقوق واحداث الضرر الذي يصيب الطرف الضعيف، ومن هذا المنطلق عرف التطور التاريخي للقانون الإداري شهد إحداث مجلس الدولة الفرنسي العديد من القضايا والتي وما لبث يكرس جهدا لترسيخ المبادئ والضوابط التي تحكم التوازن المالي للعقد الإداري

إن عملية إبرام العقد الإداري” التعاقد ” ليست عملية مجردة مستقلة عن الظروف اللاحقة للتنفيذ. فالتعاقد يخضع لحدس توقعي بناء على دراسات متخصصة في شتى المجالات المرتبطة بمحل العقد المزمع تنفيذه، وبالتالي الإحاطة بخبايا الأشغال وتوقع كل ما من شأنه أن يظهر أثناء التنفيذ.

واعتبارا للمكانة البالغة الأهمية للتوازن المالي للعقد الإداري قد تحول بعض العوامل خارجة عن الطاقة التقديرية والاستطلاعية للمتعاقدين دون التنفيذ السليم للعقد، ويمكن تصنيف هذه العوامل كالآتي :

الفرع الأول: العوامل الاقتصادية

من المسلم به أن الظروف الاقتصادية التي بيرم فيها العقد ليست ثابتة، فقد تحدث أزمات مالية أو انهيار بورصات مؤثرة في الدورة الاقتصادية للدولة بحكم التوجه الاقتصادي القائم، وبالتالي تؤثر بشكل مباشر في تنفيذ العقد الأمر الذي يضرب عمق التوازن المالي بين الحقوق والالتزامات، مثلا كارتفاع أسعار مواد أساسية ترتبط ارتباطا وثيقا بتنفيذ العقد.

ثالفرع الثاني: العوامل الطبيعية

تهدد العوامل الطبيعية التنفيذ السليم للعقود سواء كانت مدنية خاضعة للقانون الخاص أو إدارية خاضعة للقانون العام. وتعتبر العوامل الطبيعية من أخطر العوامل المهددة للعقود الإدارية حيث يمكن أن يحدث زلزال أو عاصفة أو فيضان يكبد المتعاقد خسائر مادية ومعنوية متنوعة.

 

الفرع الثالث : العوامل السياسية

تلعب العوامل السياسية دورا هاما في تدبير العقود الإدارية التي تبرمها الأشخاص المعنوية العامة من أجل المصلحة العامة. فالاستقرار السياسي يحافظ على الأعمال التعاقدية للإدارة حيث ارتفاع نسبت الإضراب والمظاهرات، إضافة إلى الاضطرابات السياسية كالثورات والانقلابات العسكرية التي تقع في بعض الدول تمس مباشرة بحقوق المتعاقد مع الإدارة.

 

المطلب الثاني  : دور القضاء في معالجة اختلال التوازن المالي للعقد

 

من المثير للجدل تأرجح بعض القواعد والمبادئ الراسخة في القانون المدني بين المعاملات المدنية والإدارية، حيث لا يتردد القضاء الإداري في استنباط أحكام القانون المدني وتكييفها ثم تطبيقها على المنازعات الإدارية بما يلائم تحقيق المصلحة العامة.

وبالتالي اجتهد مجلس الدولة الفرنسي وابتكر بعض الحلول للعوامل أو الظروف الممكن أن تنشأ أثناء التنفيذ ويحدث ضررا للمتعاقد مع الإدارة حسب ما تم التطرق إليه في المحور الأول، مع مراعاة خصوصية كل ظرف على حدا.

وكان من شأن هذا التطور الذي شهده القضاء الإداري في فرنسا نشوء نظريات قانونية في مجال العقود الإدارية تتمثل في نظرية فعل الأمير ونظرية الظروف الطارئة، ثم نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة.

الفرع الأول  : نظرية فعل الأمير

تعتبر نظرية فعل الأمير من أولى النظريات التي خلقها مجلس الدولة الفرنسي لإقامة التوازن المالي للعقد الإداري،  وسميت بهذه التسمية لأن العهد الذي نشأت فيه كانت سلطات الدولة متمركزة في يد الأمير أو السلطان، ومن خصائصها أنها تتسم بالتصرفات والإجراءات السلطوية وبذلك أطلق عليها نظرية السلطة العامة.و من أجل الوقوف على جوهر النظرية سيتم التطرق لها من خلال التعريف الفقهية والقضائية، ثم شروط تطبيقها.

أولا : التعريف الفقهية والنظرية

أ _ الفقه

عرف الفقيه فالين نظرية فعل الأمير بأنها التصرفات التي تقوم بها الإدارة دون خطأ ومن شأنها الزيادة في أعباء المتعاقد.

أما الفقه المصري فقد عرفها بأنها ” تلك الأعمال المشروعة التي تصدر بصورة مفاجئة غير متوقعة من سلطة عامة أثناء تنفيذ عقد إداري دون خطأ من جانبها، ويترتب عليه اختلال المركز المالي للمتعاقد مع الإدارة وينشأ فعل الأمير التزام على عاتق الإدارة المتعاقدة بتعويض المتعاقد معها عن كافة الأضرار التي لحقت به نتيجة هذه الأعمال بما يعيد التوازن المالي للعقد” .

ب _ القضاء

يعرف مجلس الدولة الفرنسي نظرية فعل الأمير بأنها عمل يصدر من سلطة عامة دون خطأ من جانبها ينتج عنه الإخلال بمركز المتعاقد، حيث تلتزم الإدارة بتعويضه عن كافة الأضرار التي لحقت به بما يعيد التوازن المالي للعقد الإداري.

أما محكمة القضاء الإداري المصرية عرفت النظرية بأنها كل إجراء تتخده السلطات العامة ويكون من شأنه زيادة الأعباء المالية للمتعاقد أو في الالتزامات التي ينص عليها العقد، مما يطلق عليه ” المخاطر الإدارية “، وهذه الإجراءات التي تصدر عن السلطة العامة قد تكون من الجهة الإدارية التي أبرمت العقد وقد تتخذ شكل قرار فردي خاص أو بقواعد تنظيمية عامة.

ومن خلال تقديم هذه التعريف الفقهية والقضائية يخضع تطبيق نظرية فعل الأمير للشروط الآتية :

_ وجود عقد إداري

_ أن يكون الفعل الضارة صادر من جهة الإدارة

_ أن ينشأ عن الفعل ضرر للمتعاقد

_ افتراض الإدارة لم تخطئ حين اتخاذها فعلها الضار

_ عدم توقع الإجراء

_ إلحاق ضرر خاص بالمتعاقد

من خلال هذه المعطيات يعمل القاضي الإداري إذا ما توفرت شروط تطبيق نظرية فعل الأمير الحكم بالتعويض لفائدة المتعاقد على أساس الضرر الذي لحقه نتيجة إجراءات عامة أو خاصة وبذلك يستحق تعويضا كاملا.

وبهذه الفرضية تضمن للمتعاقد مع الإدارة في إطار العقد الإداري حقوقه المالية في مواجهة الالتزامات التي يتحملها والسلطات الممارسة في حقه من طرف الإدارة لانعدام قاعدة العقد شريعة المتعاقدين التي تطبع العقود الإدارية لاعتبارات المصلحة العامة.

 

الفرع الثاني: نظرية الظروف الطارئة

تلعب نظرية الظروف الطارئة دورا هاما في الحفاظ على التوازن المالي للعقد الإداري

أولا : التعريف الفقهية والنظرية

 ويعرفها الفقيه بيكنو عند قوله ” اذا طرأت ظروف عامة لم تكن متوقعة عند ابرام العقد، وكان من شأنها قلب اقتصاديات بطريقة تجعل تنفيذه أمرا مرهقا وإن لم يكن مستحيلا ولم يكن في إمكان الطرفين المتعاقدين توقع ذلك الإرهاق، فإن للمتعاقد أن يطلب من الإدارة أن تساعده في تنفيذ العقد عن طريق مقاسمته أعباء الظرف الطارئ في صورة تعويض يحسب على أساس العجز الذي يتحمله المتعاقد وبمراعاة كافة ظروف العقد.

أما الفقيه فالين يرى أن النظرية إنما تطبق فحسب على العقود التي يستغرق تنفيذها مدة طويلة من الزمن نسبيا بما يتيحه ذلك من ظهور بعض الظروف غير المتوقعة، والتي يترتب عليها الإخلال باقتصاديات العقد.هذا يعني أن تنفيذها يأتي على مراحل زمنية متعاقبة وهذا هو شأن عقد الأشغال العامة.

وقد أنشأ مجلس الدولة الفرنسي هذه النظرية في قضية غاز بوردو.

أما الأستاذ عبد الله حداد فيقول أنه إذا ظهرة أثناء تنفيذ العقد بعض الظروف غير المتوقعة والخارجة عن إرادة الطرفين فلا ينبغي ترك التوازن يختلف.

ثانيا :  شروط تطبيق النظرية

_ أن يكون الظرف الطارئ خارج عن إرادة المتعاقدين

_ عدم توقع الظرف الطارئ

من خلال هذه العناصر يمكن القول أن نظرية الظروف الطارئة تقع في مركز وسط بين الحالة العادية التي يستطيع فيها المتعاقد أن ينفي بالتزاماته التعاقدية، وبين حالت القوة القاهرة التي تؤدي إلى انقضاء العقد وتحرير المتعاقد من التزاماته.

والجدير بالذكر أن الخصوصية التي تطبع نظرية الظروف الطارئة هي تلك الظروف الاقتصادية التي تحول بين المتعاقد وتنفيذ التزاماته بشكل عادي، وبذلك يتدخل القضاء الإداري لإعادة التوازن المالي للعقد بالحكم للمتعاقد بتعويض جزئي وتحمل الإدارة معه بعض الخسائر.

الفرع الثالث : نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة

تنشأ هذه النظرية عند نشوء مشاكل وصعوبات مادية استثنائية لم يكن أن يتوقعها حين إبرام العقد، وجوهرها أنها لا تصل لدرجة جعل تنفيذ العقد مستحيلا.

أولا : التعاريف الفقهية والنظرية

أ _ الفقه

عرفها الفقه الفرنسي ( الأستاذ جورج فوديل ) أنها نظرية خاصة في مقاولات الأشغال العامة تفترض صعوبات مادية لا يستطيع الفريقان توقعها، ترمي بثقل أعباء خطيرة وغير طبيعية على عاتق المقاول مثل مواجهة طبقات مائية غير متوقعة في حفر نفق، وحق التعويض معترف به المقاول عن كامل الضرر.

أما الفقه العراقي عرفها بأنها لنظرية التي تقوم على تعويض المتعاقد مع الإدارة ضد المخاطر الطبيعية التي يوجهها أثناء التنفيذ.

ومن الناحية العملية تجد النظرية ضالته في عقود الأشغال العامة حيث يقول الأستاذ دي لوبادير أنه لا توجد تطبيقات قضائية لهذه النظرية خارج عقود الأشغال العامة، لكن لا يوجد مانعا متى توافرت شروطها من تطبيقها في مجال العقود الإدارية الأخرى.

ثانيا: شروط النظرية

_ أن تكون الصعوبات ذات طبيعة مادية خارجة عن الأطراف المتعاقدة وتفوق قدرتهم التوقعية .

_ أن تكون صعوبات ذات طبيعة استثنائية غير مألوفة، وهذا الشرط يخضع للسلطة التقديرية للقاضي علاوة على أن عبئ الإثبات يقع على عاتق المقاول المتعاقد نظرا لاعتباره الطرف المطالب بالتعويض.

آثار نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة

_ الاستمرارية في تنفيذ العقد

_ الحق في التعويض الكامل .

 

 

loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Watch Dragon ball super